كتاب أجوبة السائلات والسائلين

كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:01 am

[align=center]أجوبة السائلات والسائلين
عن
مشكلات وقضايا
الأحوال الشخصية للمسلمين
(سين وجيم فى مشكلات الأسرة اليومية )
{الكتاب الأول فى الزواج والنفقة والطلاق }
إعداد
أ.د / أحمد بخيت الغزالى أ.د/ رشدى شحاتة أبوزيد
أستاذ (م) الشريعة الإسلامية أ.م ورئيس قسم الشريعة الإسلامية
بجامعة بنى سويف وجامعة البحرين . كلية الحقوق / جامعة حلــــــــوان
د / جلال السيد بندارى .
الخبير البرلمانى بمجلس الشعب والأستاذ المنتدب بكليات الحقوق .

الناشر
مكتبة النهضة المصرية
9ش عدلى . القاهرة
1426 ه / 2005 م


معالى الأستاذ الدكتور
أحمــــــــــــــــــــــد محمد رفعت
رئيس جامعة بنى سويف
نرجو أن تتفضلوا بقبول إهدائنا هذا تعبيرا عن
سعادتنا بتوليكم شـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرف مسئولية
وافقت خـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــيرة أهلها
وأشـــــرف رعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاتها
وأقوى ولاتــــــــــــــــــــها
مع صادق دعائنا أن يعينكم الله عليها .
[/align]
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:08 am

بين يدى هذا الكتاب

بعد حمد الله تعالى والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين ، فإننا نشرف أن نقدم هذا العمل لقرائنا وقارئاتنا من المصريين والمصريات رغبة منا فى تبصرتهم بجملة من الحقوق والواجبات نحسبها الفئة الأهم من المعرفة بعد ضروريات الدين التى لا يليق أن يجهلها مسلم ، فإذ كان الزواج نصف الدين كما يشير حديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم فإن الوفاء بمسئوليات هذا النصف لا تتأتى إلا بالعلم بها ، وإذ كان طريقا إلى السكن والرغد وخير المتاع فالإلمام بالحقوق التى يثبتها طريق هام إلى قطف اليانع من الثمرات ، والظفر بالمحبوس منها .
ونحن إذ نأمل أن نقيم المسئوليات ، ونحفز على أداء الواجبات ، وندل على موطن الحقوق ، فإننا لابد وأن نقر لبرنامج دعم حقوق المرأة والطفل من خلال تكنولوجيا المعلومات بجزء كبير من الفضل ، فهو فى الحقيقة الذى بصرنا إلى هذه المهمة ، وقد كان لنا مع زملاء آخرين شرف إعداد المادة الضرورية لمشروع حقوق المرأة القانونية باستخدام تكنولوجيا المعلومات كطلب الهيئة القائمة على البرنامج .
ويتميز مصنفنا هنا بأنه – كما نحسب – أوسع وأشمل ، وقد تحاشينا فيه أوجه القصور التى ظهرت فى المشروع ، وأضفنا إليه ما نحسبه مدخلا هاما إلى الترغيب فى الزواج لمسئولياته ، وتحاشى الطلاق لبغضه ، والتمتع بإعطاء كل ذى حق حقه ، والتنزه عن مطل الواجد وتواكل القادر ، وسؤال غير ذى الحاجة .
لقد حرصنا على الحكم القانونى مزينا بورود الشرع ، ونأمل أن تكون الثمرة كما سعينا وعلى الله قصد السبيل ، عليه توكلنا وإليه ننيب ، ولا حول ولا قوة إلا بالله .
المؤلفون








تمـــــــــــــــهيد
فى
القانون الواجب التطبيق فى مسائل الأحوال الشخصية
أولا : مسائل الأحوال الشخصية :
كلمة أحوال جمع كلمة حال ، وعلى ما يذكر شراح القانون فإن استخدام هذا الاصطلاح فى مجال الروابط القانونية يرجع إلى الفقه الإيطالى فى القرن الثالث عشر حيث أطلق على قانون محل الشخص حال ، فى مقابل التشريع القانونى الذى أطلق عليه مصطلح تشريع ، ثم قسم الفقه الإيطالى الأحوال إلى أحوال شخصية ، وأخرى عينية ، وأراد بالأحوال الشخصية القواعد القانونية التى تتعلق بالشخص ذاته وتتبعه أينما يكون ، بينما يراد بالأحوال العينية القواعد القانونية المتعلقة بالروابط المالية.
وبذلك يتبين أن مصطلح الأحوال الشخصية مصطلح دخيل على فقه الشريعة الإسلامية ، غير أن هذا الفقه الحنيف إذ لا يشاح – ينازع – فى المصطلحات فإنه لا يمانع فى استخدام الاصطلاحات العرفية متى تبين لمستخدميها المراد منها ، وبالتالى فقد استخدم علماء الفقه الإسلامى المعاصرون هذا المصطلح فى الدلالة المعروفة عنه ، فكتب الأستاذ محمد قدرى باشا كتابه " الأحكام الشرعية فى الأحوال الشخصية " ومضى على منهجه كثيرون .
وفى ضوء تطورات كثيرة لحقت بصياغة وتحديد مصطلح " الأحوال الشخصية " فى اللوائح والقوانين المتتالية ، وفى أحكام النقض النقض المصرية فإن مصطلح الأحوال الشخصية يراد به فى العمل :
1- المنازعات والمسائل المتعلقة بحالة الأشخاص وأهليتهم
2- المسائل المتعلقة بنظام الأسرة كالخطبة والزواج وواجباتهم المتبادلة ، والمهر ونظام الأموال بين الزوجين .
3- المسائل المتعلقة بالطلاق والتطليق والتفريق .
4- المسائل المتعلقة بالبنوة ، والأبوة ، والعلاقة بين الأصول والفروع ، والالتزام بالنفقة للأقارب والأصهار .
5- المسائل المتعلقة بتصحيح النسب والتبنى .
6- المسائل المتعلقة بالولاية والوصاية والقيامة والحجر والإذن بالإدارة ، والغيبة ، واعتبار المفقود ميتا .
7- المنازعات والمسائل المتعلقة بالمواريث والوصايا وغير ذلك من التصرفات المضافة إلى ما بعد الموت .
8- وتعتبر الهبة من الأحوال الشخصية بالنسبة إلى غير المصريين إذا كان قانونهم يعتبرها كذلك .( ) .

ثانيا : القانون الواجب التطبيق على مسائل الأحوال الشخصية .
تخضع مسائل الأحوال الشخصية لنوعين من القانون هما :
1- قانون إجرائي : وهو الذي يبين حدود الإجراء كبيان الوقائع ، وكيفية التحقيق ، وسماع الشهود ، وإجراءات رفع الدعوى وتنفيذ الحكم الصادر فيها وغير ذلك من الإجراءات الشكلية ، ويسرى الآن في شأن كثير من إجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية والوقف قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية الصادر بالقانون رقم 1 لسنة 2000 . وكذا قانون إنشاء محاكم الأسرة الصادر بالقانون رقم 10 لسنة 2004 ، والقانون رقم 11 لسنة 2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة . فضلا عن بعض اللوائح التي تنظم بعض الأوضاع والإجراءات المتعلقة بنشأة الأسرة ومنازعاتها كلائحة المأذونين ، والقواعد المنظمة لزواج أحد طرفيه غير مسلم أو غير وطني ، وتنظمها لائحة الموثقين المنتدبين ، وغير ذلك من اللوائح والقرارات التنفيذية ، ويطبق فيما لم يرد بشأنه نص خاص أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية و أحكام القانون المدني في شأن إدارة وتصفية التركات . .( ).

2- قانون موضوعى : وهو الذي يتنأول موضوع الحق الذي يثار أمام القضاء ، كبيان الشروط الموضوعية اللازمة لصحة الحق ، وبيان قوته وأثره القانوني ، وكمثال توضيحى لذلك : ما توجبه لائحة المأذونين كواجب من واجبات المأذونين الخاصة بالطلاق من أن{ يقيد الطلاق بنفس الألفاظ التي صدرت من المطلق بدون تغيير فيها } فهذا إلزام بإجراء ، ينظمه القانون الإجرائى " وهو هنا لائحة المأذونين " أما الشروط الموضوعية اللازمة لصحة الطلاق ، وبيان قوته وأثره الموضوعي فتنظمها نصوص أخرى تندرج تحت مفهوم القانون الموضوعي .( ) .

وتحكم مسائل الأسرة لدى المصريين المسلمين اليوم جملة من النصوص ينتظمها أساسا القانونان 25 لسنة 1920 ، والمرسوم بقانون 25 لسنة 1929 والمعدلان بالقانون 100 لسنة 1985 . والمادة 20 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية الصادر بالقانون 1 لسنة 2000 ، والمتعلقة بالخلع .

ووفقا للمادة الثالثة من القانون 1لسنة 2000 فإنه " يعمل فيما لم يرد في شأنه نص في تلك القوانين – أى قوانين الأحوال الشخصية و التى تشمل فضلا عما ذكرنا قانون المواريث وقانون الوصية وقانون الولاية على المال – بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة ، ومع ذلك تصدر الأحكام في المنازعات المتعلقة بالأحوال الشخصية بين المصريين غير المسلمين المتحدى الطائفة والملة الذين كانت لهم جهات قضائية ملية منظمة حتى 31 ديسمبر 1955 طبقا لشريعتهم ، فيما لا يخالف النظام العام .
وفى ضوء المادة الثالثة – المشار إليها – ينبغي التنبه إلى أمر في غاية الأهمية هو أن المشرع المصرى أخضع الإجراءات لقانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي – المنوه عنه- ويطبق فيما لم يرد بشأنه نص خاص أحكام قانون المرافعات المدنية والتجارية ، وأحكام القانون المدني في شأن إدارة وتصفية التركات {م1}وهذا كما بينا خاص بالمسائل الإجرائية فقط ، أما المسائل الموضوعية فتسرى عليها المادة الثالثة ، و من أبرز هذه المسائل القواعد المتصلة بذات الدليل ، كشروط صحة الشهادة في المنازعات الأسرية المختلفة , فهذه لا تخضع لقوانين الإثبات وإنما تخضع – متى لم يرد بشأنها نص في قوانين الأحوال الشخصية – لأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة . فنصاب الشهادة مثلا مسألة من مسائل الأحوال الشخصية يرجع فيه إلى أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة ، وكذلك شروط الشاهد ، وأحيانا مضمونها ، وهذا ما تواترت به أحكام النقض في مصر.( )
ومعنى ذلك أن للراجح من مذهب الإمام أبى حنيفة وضعية القانون الصادر من السلطة التشريعية فيما لم يرد بشأنه نص في غير المسائل الإجرائية ، فلا يتصورن أحد أن إسناد حكم ما إلى الراجح من المذهب الحنفى هو محض اجتهاد ، لأن هذا الراجح عند عدم النص كالنص تماما بتمام ، فهو القانون الواجب التطبيق عندئذ .
*************

ثالثا :أبرز مصادر الدراسة ومحأورها
وفيما يتعلق بهذه الدراسة فإنها ترتكز على مجموعة من المحأور الرئيسية يكمل كل منها الآخر سواء كانت نصاً قانونياً ، أو حكماً قضائياً ، أو تفسيراً ارتضته المحكمة الدستورية العليا ،أو اطردت عليه أحكام المحاكم، أو كان رأيا فقهيا له وجاهته في الأوساط القانونية ، وبداهة فإننا لابد وأن نورد الأدلة الشرعية والقواعد الأصولية والفقهية التى بنيت عليها الأحكام المذكورة ، ليس فقط بغرض التأكيد على صوابها وإنما أيضا بغرض توعية القراء والقارئات بحقائق دينهم وكفايته فى علاج المشكلات الأسرية ، وعدم الانسياق خلف تلك الدعوات التغريبية التى أقل ما يمكن أن توصف به أنها تجهل حقيقة فقه الإسلام ودقة حلوله ، وتحسن الظن بأساليب تربوية وقانونية غربية يشكو من مرارتها عقلاء القـــــوم الذين تحكم تلك النظم حياتهم . ( ) .
ولكن ولأننا نتغيا علاج الواقع بالأدوات المعتمدة والمرعية قضاء ، وكان مما يلزم القضاء أن يصدر أحكامه وفق النصوص القانونية القائمة، لذا فقد تم التركيز بالأساس على المرسوم بقانون 25/ 1920 ، والمرسوم بقانون 25/ 1929 ، والتعديلات التي أدخلت عليهما ، أو أضيفت إليهما بالقانون 100/ 1985 ، والقانون رقم 1/2000، والقانون الصادر في شأن تنظيم أوضاع وإجراءات التقاضي في مسائل الأحوال الشخصية ، والصادر بالقانون رقم 1 /2000 المذكور، ، والقانون رقم 11/2004 بإنشاء نظام تأمين الأسرة ، دونما إهمال أو إغفال للقوانين الأخرى التي تنظم بعض مسائل الأحوال الشخصية ، وبالطبع فإن المعتمد في المذهب الحنفى جزء لا يتجزأ من أهم ما تم التركيز عليه ، وكذلك المجموعات القانونية الصادرة عن المجالس الملية ، متى احتجنا إلى شىء منها .
وحيثما اضطرنا العمل للرجوع إلى مصادر أخرى رجعنا إليها ، لا سيما تلك التي تعين على تفسير النص القانوني ، أو تحديد إطاره ، أو تطبيقه و تفعيله في الواقع ، ومن ذلك بداهة أحكام المحاكم المختلفة الصادرة في مواد تتعلق بموضوعات الدراسة ، واللوائح التنفيذية للقوانين ، والأعمال التحضيرية ، والمناقشات البرلمانية والفتأوى الفقهية والقضائية متى احتاج البحث الرجوع إليها .
وفى سبيل تصور القدر الأكبر من مشكلات الأسرة رجعنا إلى ما أتيح لنا من البحوث الصادرة عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية ، فضلا عن بعض البحوث الأكاديمية التي شغلت بالقضية ، كما حرصنا على الالتقاء ببعض المأذونين فى محافظات القاهرة ، والشرقية ، وكفر الشيخ ، والفيوم ، وأسيوط .
كما تحأورنا مع بعض السادة المستشارين الذين تولوا مسئولية العمل في الدوائر الشرعية ومحاكم الولاية على النفس والنيابات ، ولم نغفل ما ذاع خبره من مقالات صحفية ، وبرامج إعلامية سلطت الضوء على مشكلات الأسرة ، والآمال المتعلقة بأعمال محكمة الأسرة .ونشكر في هذا الصدد القائمين على الأرشيف الصحفي بمجلس الشعب المصرى لما يسروه لنا من فرص الاطلاع على الصحف .
وأخيرا أجرينا لقاءات محدودة مع بعض المتقاضين والمتقاضيات أمام المحاكم في قضايا الأحوال الشخصية لتصور أبرز ما يشكون منه موضوعيا وإجرائيا .

رابعا : الغرض الرئيس للدراسة :
فى ضوء كل ما تقدم نضع هذه الدراسة المبسطة التى تستهدف فى المقام الأول تثقيف الفئة الأكثر احتياجاً إلى التمتع بالحقوق التى تقررها قوانين الأحوال الشخصية ، والاستفادة بالميزات التى تقررت تباعاً بتيسير إجراءات حماية هذه الحقوق وتأكيدها.
أننا نتوجه بعملنا هذا قصدا إلى مدعى الحق من النساء والأطفال راغبين فى أن نبصرهم بما لهم من حقوق ، وبالوسائل المتاحة للحصول عليها ، ومن هنا فإننا سنحأول ما أمكن أن تكون عبارتنا مما لا يشق على هؤلاء فهمها ، وأن تكون طروحاتنا مما يثقفهم ويبصرهم فى آن وأحد ، غير غافلين عن استخدام المصطلحات القانونية الفنية مع تبسيطها ما أمكن ، ومع هذا فإنه ليسعدنا أن تحظى هذه الدراسة بنظر المختصين بالشأن الأسرى ، والمعنيين بالهم العام من أساتذتنا وزملائنا الشرعيين والقانونيين والاجتماعيين على السواء .

وحرصا على بلوغ هذا الهدف ما أمكن اتبعنا أسلوبين فى الطرح :
الأول : طرح مجمل الحل القانونى فى صورة مبادئ مختصرة مشروحة شرحاً وافيا فى غير إطناب .
الثانى : ربط هذه المبادئ بمجموعة مفترضة من الأسئلة الشائعة المتعلقة بها.
************

وحيث لم يتح لنا الوقت لإصدار العمل متكاملا فإننا عجلنا هنا بإصدار الكتاب الأول من هذا العمل ليعالج – فى أشمل صورة ممكنة – قضايا الزواج ، والنفقة ، والطلاق ، على أن يصدر الكتاب الثانى بعد قريب إن شاء الله معالجا مشكلات النسب والحضانة و العدل بين الأولاد فى عطايا الحياة والاستحقاق فى المتروك بعد الممات .

















الباب الأول
فى
أبرز قضايا الزواج والخطبة
الزواج سنة من سنن الله الكونية ، شرع حفاظاً على النسل وإشباعاً للغريزة الجنسية في إطار من الاحترام والمشروعية .
والزواج كعقد شرعى أحيط بضمانات ومسبوق بفترة تمهيدية تسمى الخطبة وله أركان وشروط لا يتم إلا بها .
وقد بدأ الزواج منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم عرفياً ، وبدءا من العام 1931 صدر النص على وجوب توثيق عقود الزواج في أوراق رسمية على يد المأذون في القرية أو المدينة والقاضى في المحكمة والقنصل في الخارجية ، وإن كانت دراسة تاريخ الوثائق فى تاريخ الدولة الإسلامية تسمح بالقول إن توثيقا للزواج وجد منذ عرف المسلمون ديوان العطاء ، فقد كان يفرض _ أى يحدد – عطاء أى معاش أو راتب الرجل بحسب حالته من الزواج والعزوبة والإعالة وما إلى ذلك .
ونظراً لخطورة عقد الزواج وتميزه عن بقية العقود الأخرى مثل البيع أو الإيجار ، وجب على الجميع معرفة أحكام هذا العقد ومعرفة أركانه التي يترتب على تخلفها بطلان العقد مثل الصيغة والعاقدان والمحل ، وشروط صحة مثل الشهادة وشروط لزوم مثل الكفاءة وغير ذلك مما يترتب على تخلفه قابلية العقد للبطلان .
كما أنه قد يرد في متن العقد أحد الشروط التي يشترطها أحد الزوجين في مواجهة الأخر .
ويحتاج الأمر هنا إلى بيان حكم الفقه الإسلامي فيها ومدى تأثيرها على العقد من حيث الصحة والفساد.
وقد يكتفى الزوجين بإجراء الصيغة دون تدوينها في وثيقة رسمية وهو ما يسمى بالزواج العرفى .
كل هذه الأمور تحتاج إلى بيان وتوضيح ، وسنحأول من خلال مجموعة من الأسئلة المفترضة أن نبرز الأحكام الأكثر أهمية فى الزواج .
*************************
أولا : معنى الزواج :
قد يستغرب البعض حرصنا فى دراسة غرضها التبصير بالمشكلات العملية الميل إلى الاهتمام بالتعريفات ، وهو إجراء أكاديمى أكثر منه تثقيفى ، ولكن هذه الدهشة سرعان ما تزول عندما نأخذ فى الاعتبار حرص بعض دعاة التحرير والمسأواة على المناداة بتغيير شكل الأسرة وتعدد أنماطها ، والقبول بأنماط جديدة فى الزواج ، كالزواج المثلى مثلا ، ولا يخفى أن هذا الشذوذ الفكرى والأخلاقى قد وجد طريقه إلى كثير من الأنظمة القانونية فى الغرب ، ولم يعد يصدم الرأى العام أن نجد من ينكر على مجتمعاتنا العربية والإسلامية محاربتها للشذوذ والمثلية ، لهذا كان تحديد معنى الزواج ذا أهمية خاصة فى بحث مشكلات الزواج .
معنى الزواج في اللغة العربية والاصطلاح الشرعى :
1- يقصد بالزواج من حيث اللغة – معان عديدة – منها:
النكاح:
قال تعالى: فلما قضى زيد منها وطرًا زوجناكها ( من الآية 37 الأحزاب) أي أنكحناك إياها.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من استطاع منكم الباءة فليتزوج".
والعرب تقول: "تزوج في بني فلان" أي نكح فيهم، وتقول: أتزوج امرأة ، وزوجه إياها، وزوجه بها أنكحه إياها.
وأصل النكاح في كلام العرب: الوطء وقيل للتزوج نكاح لأنه سبب الوطء، يقال: نكح النفاس عينه: أصابها.
وقال الزجاج – من أبرز علماء اللغة - النكاح في كلام العرب: الوطء والعقد جميعًا وقد أفاد أبو الحسن بن فارس :أن النكاح لـم يرد في القـرآن إلا للتزوج سـوى قوله تعالـى: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن المراد به الحلم. ( )
2- الزواج عند الفقهاء:
الزواج في عرف المحدثين والفقهاء يراد به النكاح: بمعنى العلاقات الناشئة بين رجل وامرأة بعقد شرعي يستوفي شرائطه وأركانه، ويتم بإيجاب وقبول.
وأكثر ما يستعمل لفظ الزواج أو التزويج في تلك العلاقة وما ينشأ عنها من آثار نفسية واجتماعية.( )
ومصداق ذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم "من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج".
وقد أحسنت بعض قوانين الأحوال الشخصية المعاصرة إذ نصت على تعريف الزواج دفعا لكل التباس ، ورد محاولة تسويغ المنكر بأى طريق ، ومن ذلك قانون الأحوال الشخصية السودانى الصادر بالقانون رقم 43 لسنة 1991 ، فقد عرف الزواج فى مادته الحادية عشرة بقوله : الزواج هو عقد بين رجل وامرأة على نية التأبيد ، يحل استمتاع كل منهما بالآخر على الوجه المشروع "
ويمتاز – فى رأينا – هذا التعريف على التعريفات الأخرى الواردة فى القوانين المماثلة بحرصه على إبراز المعانى الآتية :
1- أن الزواج رابطة بين مختلفى الجنس يقينا ، فهو بين رجل محقق الذكورة ، وأنثى محققة الأنوثة ، وأى علاقة على غير هذه الحيثية لا يليق أن تسمى زواجا .( )
2- أن الزواج رابطة عقدية ، وإن كان عقد الزواج فوق كل العقود .
3- أن عقد النكاح عقد عمرى لا ينعقد إلا على أساس التأبيد والدوام .
4- أن حــل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه المشروع هو الأثر الأهم من آثـــــار الزواج ، وهو الأثر الأبرز فى معالجة السلف لآثار الزواج ، وللأسف لم يعجب بعض أدعياء الثقافة فشنعوا على السلف بدعوى أن الزواج فى عرف الفقه القديم ينتهى إلى " استئجار الزوجة للأغراض الجنسية " و " يخول الزوج سلطة على جسد زوجته " وهى سخافات أكد الواقع تفاهتها . ولابد أن نشيد هنا بفكرة الفيلم السينمائى المعنون " النوم فى العسل " فأقضية المحاكم والبحوث الاجتماعية تشير إلى ما صدحت به حقا الصحافية فاطمة فؤاد فى كتابها " الطلاق يبدأ من الفراش " .


ثانيا
مشروعية الزواج

الحكمة من تشريع الزواج:
دعا الإسلام إلى الزواج ورغب فيه اتفاقًا مع الفطرة والسنن الكونية التي أوجدها الله عز وجل في هذا الكون فلا يخلو شيء في الوجود من نظام الزوجية. قال تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49].
وقال تعالى: سبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ  [يس:36].
وقال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَأحدةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً [النساء:1].
فالزوجية في عالم الإنسان ضرورة فطرية أعمق مما يتصور الناظر إلى الوالدية، وشهوة الجنس إنما هي نظام أزلي يلتئم به شمل الكون كله. ويصلح عليه وجوده، ويخرج به ثمره.( )
فالزواج عقد يفيد حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر على الوجه الذي قضى به الشرع الحنيف.
والزواج بهذا المعنى يحقق حل الاستمتاع من خلال مسايرة الفطرة والتقيد بالشريعة، ويؤدي إلى كسر الشهوة وفق قواعد مقبولة عقلاً، فيها سمو بالروح وصفاء بالسريرة وتحقيق للفضيلة والسير بعلاقات الناس نحو الكمال.
فالزواج له فوائد عظيمة وكثيرة نفسية ودينية يمكن إجمال بعضها فيما يلي:
1- الزواج مسايرة للفطرة وسمو بالروح.
2- الزواج يقيد العلاقة الاجتماعية بقيد الشرعية والمشروعية.
3- الزواج يؤدي إلى كسر الشهوة في ظل قواعد مقبولة عقلاً.
4- الزواج يؤدي إلى صفاء السريرة والسير بعلاقات الناس نحو الفضيلة والكمال..

حكم الزواج الشرعي:
للزواج حكم شرعي، يختلف باختلاف الأحوال ، و يتصف طبقًا لهذه الأحوال بالأحكام التكليفية الخمسة ، { أى طبيعة ودرجة الأمر الشرعى بالزواج ، ودرجات هذا الإلزام خمس درجات هى : الوجوب – الندب – الإباحة – الكراهية – الحرمة .} ( )
فقد يكون الزواج واجبا، إذا كان من يريد الزواج مالكا نفقات الزواج وما بعده وفي الوقت نفسه على يقين تام أنه إذا لم يتزوج سيقع في الحرام ويرتكب الفاحشة. أي أن الشهوة الجنسية عنده قوية ولا يستطيع الصبر عليها بدون زواج، فمثله يجب عليه الزواج لأن ما يؤدي إلى الواجب واجب. وترك الزنا واجب.
ويكون الزواج حرامًا بالنسبة لمن يريد الزواج وهو على يقين أنه سيرتكب الحرام بسبب الزواج مثل عدم قدرته على الإنفاق على زوجته وأولاده. أو سيؤدي زواجه بأخرى إلى إلحاق الظلم بها نتيجة عدم العدل بينهما وبين زوجته الأولى ، أو تزوجها بغرض إذلال أهلها في شخصها. فيكون الزواج حرام لأن ما يؤدي إلى الحرام حرام.
والظلم الذي سيقع فيه الزوج إذا تزوج حرام، والطريق إليه يكون حرام.
أما إذا لم يكن على يقين من أنه سيقع في الظلم وإنما فقط يظن أنه سيقع في ظلم إذا تزوج فيكون الزواج بالنسبة له مكروه فقط.
والحكم الغالب الأعم للزواج أنه سنة مؤكدة ومستحب ومندوب إليه، على ما سيظهر من الأدلة على مشروعية الزواج .
الأدلة على مشروعية الزواج
هناك أدلة كثيرة تدل على أن الشريعة تأخذ بنظام الزواج حيث يرتبط رجل بامرأة في إطار شرعي ومن هذه الأدلة:
1- القرآن الكريم:
قولـه تعالى: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجًا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة  ( النحل آية 72 )، وقال تعالى : ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة  ( الروم : آية 21 ) .
2- ومن السنة النبوية أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم :
" من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء". ( رواه الشيخان ، وصححه الألبانى ) .
العزوبة في الإسلام مكروهة
نعم لقد نفر الإسلام من العزوبة التي تصدر عن مبدأ كراهية الإسلام لكل ما لا يوائم الغريزة والعقل ولا يوازن بين الواقع وضرورات الحياة الإنسانية وقد رفض الرسول صلى الله عليه وسلم إقرار من عزم على الانقطاع إلى العبادة وترك التزوج، وأعلن أن حياة الأسرة من سنته ،قال صلى الله عليه وسلم " النكاح سنتى فمن رغب عن ستني فليس مني". ( ) بل النكاح من سنة الأنبياء جميعا ، قال الله تعالى ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية .... الرعد : 38 ) .
ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة لأمته في ذلك، وكذلك النبيون من قبل ، ولو كان الترفع عن حياة الأسرة رقيًا وفضلاً لكان هو أولى به لكنه تزوج وأنجب، وحمل أعباء الزوجية والولد.
ومن هنا فلا مكان لمتنطع بزعم أن في حياة الأسرة مشغلة عن العبادة أو عائقًا عن تقوى الله. روى المرزوي عن أحمد بن حنبل قال: ليست العزوبية من أمر الإسلام في شيء فالنبى صلى الله عليه وسلم تزوج.
زواج الأم بعد وفاة العائل ، وزواج الأب بعد وفاة الأم :
لا نخفى أن غرضنا من التنبيه على مشروعية الزواج حث الجميع عليه شيبا وشبابا ، ومع ذلك فغرضنا الأهم الوصول إلى الإنكار على عرف فاسد يشيع بين كثير من الناس خصوصا فى القرى ، ولا سيما عندما يتوفى الأب وتكون الأم قد تقدمت فى العمر نسبيا ، فنجد كثيرا من الأبناء يتحرجون ويرفضون بشدة مجرد التفكير فى زواج أمهم الأرملة التي لديها أطفال أيتام ويستقبحونه ويهاجمونه، بل ويحأولون منعه بشتى الطرق اعتمادًا على ركائز باطلة ترجع بذورها إلى عصبيات جاهلية ما أنزل الله بها من سلطان.
وقد يكون في زواج أم الأيتام الخير لها – وهو الغالب – إذا تزوجت بمؤمن تقي، ذلك لأنه يعلم أوامر المولى عز وجل بالإحسان إلى الأيتام وعظم الأجر على ذلك وعظم الإثم على من يسيء إليهم.
كذلك قد يتحرج الأولاد ويرفضون بشدة مجرد التفكير في زواج الوالد الذي تجنح حياته إلى مغيب، ويريد أن يتزوج بعد وفاة الصاحبة ويثور الأبناء حفاظًا على الثروة وضنًا بنصيب الزوجة المرتقبة فيبقى خالصًا لهم، يحافظون على الثروة ولا يحافظون على كرامة الوالد.
ومن يدري فلعل الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل. حماية للميراث يموتون هم ويرثهم آباؤهم ،ويرثون أيضًا ذرية ضعافًا يصيرون أمانة في يد جـــد يرعاهم مع زوجة لديها متسع من الوقت وفائض من الجهد تبذله راضية ، إننا ننصح الجميع بالحرص على الزواج ، ونخص بالنصح الأبناء أن يحرصوا على أن يتزوج آباؤهم بعد وفاة الشريك ، فما دور المسنين بالجزاء اللائق بالوالدين ،و نذكر بالأمر المتكرر فى القرآن الكريم { ... وبالوالدين إحسانا }

************************











ثالثــــــــــــــــــــــا
الخطبــــــــــــــــــــــــــــــة
فى الكلام عن الخطبة نعرف بها ونتنأول أبرز أحكامها خصوصا فى شروطها ، وفى دائرتى العلاقة بين الخاطبين ، والالتزامات المالية التى تترتب على الخطبة ، ومدى جواز فض الخطبة شرعا ، وصحة المطالبة بالتعويض عن فض الخطبة ، وعن الإساءات التى يمكن أن تصاحب هذا العدول .
1- تحديد معنى الخطبة :
لا شك أننا نسعد كلما وجدنا الناس يتحرون الحلال والحرام فى تصرفاتهم ، وفى علاقاتهم الاجتماعية ، ومن ذلك حرصهم على تطبيق نهى النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث " لايخطب أحدكم على خطبة أخيه ، ولا يبيع على بيعه إلا بإذنه " ( ) ونظرا للنهى الوارد فى الحديث ، وحرصا على أن نغلق كل باب للعداء بين الناس نحدد معنى الخطبة التى ورد النهى الشرعى عن الخطبة عليها .
الخطبة فى اللغة :
الخطبة في اللغة مشتقة من كلمة (خطب) مخاطبة وخطابًا وهو الكلام بين متكلم وسامع ومنه اشتقاق الخطبة بضم الخاء في الموعظة. والخطبة بكسر الخاء طلب التزوج بالمرأة. يقال خطب المرأة إلى القوم إذا طلب أن يتزوج منهم ، والاسم الخطبة بالكسر، فهو خاطب.
و اختطبه القوم دعوه إلى تزويج صاحبتهم ( ).

الخطبة عند الفقهاء:
الخطبة في حقيقتها الشرعية – هي تواعد متبادل على الزواج في المستقبل.
وظاهر من هذا أن الخطبة مرحلة متوسطة بين الاختيار وإبرام العقد حتى لا يكون الزواج معرضًا للانهيار فيما لو تم هكذا فجأة دون تمهل وبلا روية أو تعرف على أخلاق الطرف الآخر.
المهم أننا لا نكون بصدد خطبة شرعا إلا إذا حصل طلب ورضا بالطلب ، فإن كان مجرد طلب دون إعلان الرغبة من الطرف الآخر بالقبول فلسنا بصدد خطبة ، فإن وجد الطلب والقبول به فحرام على الآخرين عرض الخطبة حتى يترك الخاطب الأول ، لما روى فى حديث فاطمة بنت قيس، وقد قال لها النبى صلى الله عليه وسلم " فإذا حللت- أى انتهت عدتك- فآذنينى" قالت: فلما حللت ذكرت له أن معأوية ابن أبى سفيان وأبا جهم خطبانى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معأوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد" قالت فكرهته، ثم قال " أنكحى أسامة" فنكحته، فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به"( )
فقد أخبرت السيدة فاطمة بنت قيس النبى صلى الله عليه وسلم أن رجلين طلباها، كل لنفسه، وأنها لم تركن لوأحد منهما، ومن ثم فقد طلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل ثالث هو أسامة بن زيد، فقبلته، ولو كان ما وقع من الرجلين خطبة، لما أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خطبتها لثالث، وبعبارة الإمام المأوردى " أن الإمساك عن الإجابة لا يقتضى الخطبة"( )
2- لا مانع أن تكون المرأة هى الخاطبة .
الأصل أن الخطبة تكون من الرجل، فهو الذي يتقدم بطلب يد المرأة من وليها ،فطبيعة المرأة، وما جبلت عليه من حياء – بحكم فطرتها – يحول بينها وبين إبداء رغبتها في الزواج. وقد تزداد حرجًا فيما لو كانت هذه الرغبة في رجل بعينه، ، ولكن لا بأس شرعا أن تكون الخطبة من المرأة أو من وليها – وهذا أفضل – ولنسائنا فى أم المؤمنين خديجة بنت خويلد  مثلا فقد خطبت رسول الله صلى الله عليه وسلم - ولم يكن قد بعث بعد – وهى يومئذ أوسط نساء قومها نسبا ، وأعظمهم شرفا ، وأكثرهم مالا ، وأحسنهم جمالا، وكانت تدعى فى الجاهلية بالطاهرة ، وكم خطبت فتمنعت ( ) .
وفى الإسلام عرضت صحابية جليلة نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقالت فى وضوح شديد " يا رسول الله جئت أهب لك نفسى ، فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فصعد النظر فيها وصوبه ، ثم طأطأ رأسه ، فلما رأت أنه لم يقض فيها شيئا جلست ، فقام رجل من أصحابه فقال : يا رسول الله إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها ، فقال فهل عندك من شئ ؟ الحديث ( ) .
والأفضل للمرأة أن يشبب - كما نقول يحكى ويتحاكى - بها أولياؤها عند الصالحين ، أو يعرضونها عليهم إذا وثقوا من كرائم أخلاقهم فى القبول والرفض ، والتشبيب عادة قديمة عند العرب ، درج عليها الشعراء فى أشعارهم فيغدقون على المحبوبة من الأوصاف والمحاسن ما يرغب فيها القاصى والدانى ، حتى صرن مثلا فى المرأة المستحسنة كليلى العامرية وبثينة جميل ونحوهما .
ومن طريف ما يحكى فى ذلك أن امرأة جاءت إلى الأعشى الشاعر فقالت : إن لى بنات قد كسدن – فاتهن قطار الزواج – فشبب بوأحدة منهن ، فشبب بها ، فما شعر إلا بناقة قد بعثت بها إليه ، فقال : ما هذا ؟ قالوا : تزوجت فلانة ، فشبب بالأخرى فأتاه مثل ذلك ، فسأل عنها : فقيل له تزوجت ، فما زال يشبب بوأحدة فوأحدة منهن حتى زوجن جميعا " ( ) .
ولست أظن أن التشبيب الذى لا يتعدى إلى وصف مفاتن المرأة محظورا ، فقد شبب زهير بن أبى سلمى بمحبوبته سعاد فى قصيدته التى امتدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه . وصورته التى لا يمكن أن ينالها قدح أن يذكر الولى محاسن المرأة ، كحسن خلقها ، وطيب صنيعها ، وحنانها ، وتفوقها ونحو ذلك ، مما يرغب الصالحين فيها .
أما العرض الصريح فصورته المثلى ما وقع من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب  حين تأيمت حفصة – أى صارت بلا زوج بعد أن مات زوجها عمر بن خنيس السهمى ، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفى بالمدينة – قال عمر : أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة . فقال سأنظر فى أمرى . فلبثت ليالى ثم لقينى فقال قد بدا لى أن لا أتزوج يومى هذا ، قال عمر : فلقيت أبا بكر الصديق فقلت : إن شئت زوجتك حفصة ، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلى شيئا . فكنت أوجد – أى أغضب – عليه منى على عثمان ، فلبثت ليالى ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه فلقينى أبو بكر فقال : لقد وجدت – غضبت – على حين عرضت على حفصة فلم أرجع إليك شيئا ، قلت نعم ، قال أبو بكر : فإنه لم يمنعنى أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أننى كنت علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها ، فلم أكن لأفش سر رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلتها"( )، قال ابن حجر " وفيه عرض الإنسان ابنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه ، وأنه لا استحياء فى ذلك " ( ) .
ويرى بعض أساتذتنا أن خطبة المرأة الرجل وإن كان مستساغا شرعا إلا أنه لا يناسب زماننا بعد أن تبذلت كثير من النساء وتغير خلق أكثر الرجال . ( )
وفى رأينا أنه ومع مراعاة ظاهر الحال فإن التشبيب والعرض يبدو لنا أفضل كثيرا من الترخص فى الترغيب فى الخطبة بالسفور وارتياد الفتاة تجمعات الرجال واختلاطها بهم على نحو مكشوف وسافر ، وقد أخذ العرض طريقه إلى الصحف اليوم ، فأصبح من الأعمدة الثابتة إعلانات " طلب الزواج " أى أن إعلان " أريد زوجا " مباح شرعا .

3- صيغة الخطبة:
نظرًا لأن الخطبة مجرد وعد، أو تواعد بالزواج فإنها لا تحتاج إلى صيغة خاصة ولا إلى إجراء معين. بل تصح بكل ما يدل على المقصود منها ويظهر الرغبة في التزوج. على أن يكون ذلك متبادلاً بين الطرفين، دالاً على إرادتيهما، وصدق رغبتيهما في إتمام العقد مستقبلاً.
وطبقًا للمعتاد الغالب، فإن الخاطب يتقدم لولي خطيبته بإبداء الرغبة في الزوج منها.
وهذه الرغبة المعلنة تحتاج إلى قبول واستجابة لها من ولي المخطوبة بعد التأكد من موافقتها تمامًا، أو منها هي شخصيًا إذا كانت أهلاً لذلك.
فالمطلوب توافره هو وجود الرغبة الصادقة المتبادلة في إتمام عقد الزواج.، وقد جرت عادة الناس على التعبير عن الوفاق بقراءة الفاتحة وتقديم بعض الهدايا، وما قراءة الفاتحة إلا نوعا من التبرك بقراءتها، وتأكيد التواعد، والمأثور عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه كان إذا دعى ليزوج قال: الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد إن فلانا يخطب فلانة ، فإن أنكحتموه فالحمد لله ، وإن رددتموه فسبحان الله".( )

ونظرا لبعض الموانع الأدبية ألزم الشارع بأسلوب خاص فى خطبة المعتدة من وفاة إن رغب فيها راغب وأحب أن يسرى عنها فى مصيبتها، فأباح الخطبة ولكن تعريضا، وارتضاه بعض الفقهاء فى المعتدة من طلاق بائن أيضا.
والتعريض هو بمثابة الاستثناء على الأصل فى إبداء الرغبة فى الزواج، أما الأصل فهو التصريح.
والتصريح : أن يذكر الخاطب أو وليه أو وكيله كلاما لا يحتمل سوى معنى الخطبة كقوله أريد فلانة للزواج، أو جئت أطلب فلانة ونحو ذلك
وهذا ليؤكد أن الخطبة في جملتها مرحلة تمهيد للتأكيد من جدية مشروع الزواج، وصلاحيته بالنسبة للطرفين.
4- هل توجد شروط معينة للخطبة؟
خلاصة ما يشترط في الخطبة أن لا تمس حقًا من حقوق الغير؛ فلا تباح خطبة امرأة إلا إذا كانت صالحة لأن تكون زوجة في الحال، حتى يمكن أن يتم العقد بناء على مقدمات صحيحة.
فيشترط لإباحة الخطبة أن لا تكون المرأة محرمة على الرجل حرمة مؤبدة ولا حرمة مؤقتة. ويشترط كذلك ألا تكون متزوجة وهذه أمور واضحة لا تحتاج إلى مزيد بيان.
وإنما الذي يحتاج إلى بيان هو:
أولا : حكم خطبة المعتدة:
يقصد بالمعتدة المرأة التي هي في فترة العدة وهذا يختلف باختلاف ما إذا كانت المرأة في عدة طلاق أو عدة وفاة – والطلاق قد يكون رجعيًا وقد يكون بائنًا وكل ذلك يحتاج إلى تفصيل كما يلي:
أ - المعتدة من طلاق رجعي:
لا يجوز خطبتها بأي حال من الأحوال لأنها زوجة، إذ الطلاق الرجعي لا ينهي العصمة الزوجية ولا يفصم عراها وإنما يكون من حق الزوج أن يراجع زوجته في فترة العدة دون ما حاجة إلى أي قبول منها .
وعلى هذا الأساس فلا تصح مطلقًا خطبة المعتدة من طلاق رجعي لا تصريحًا ولا تلميحًا. بل إن الخطبة هنا تعتبر اعتداء صريحًا على حق الزوج في مراجعة زوجته.
ب- المعتدة من وفاة:
القاعدة أنه لا تجوز خطبة المعتدة من وفاة مراعاة لحق الزوج واحترامًا لشعور ذويه وأقاربه ولكن نظرا لأن هذه الاعتبارات ليست في حقيقتها إلا اعتبارات أدبية، لا تمس حق الغير، إلا من هذا الجانب المعنوي. كما أن العدة ستنتهي حتمًا بانقضاء أربعة أشهر وعشرة أيام، أو بالوضع ، إن كانت المرأة حاملا ، الأمر الذى يعنى أن مخافة أن تكذب المرأة فى الإخبار بانتهاء عدتها يكاد يكون عدما .
نظرًا لذلك كله فإن الله سبحانه أباح في هذه الفترة التعريض بالخطبة دون التصريح بها.
يقول الله عز وجل: وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أو أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِراًّ إِلاَّ أَن تَقُولُوا قَوْلاً مَّعْرُوفاً وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ [البقرة:235].
ج- حكم خطبة المعتدة من طلاق بائن:
المعتدة من طلاق بائن تحرم خطبتها إجماعًا لأنه دون شك قد تعلق بها بعض الحقوق بالنسبة للآخرين وهذا لا مجال فيه لخلاف.
ولكن الخلاف هنا حول جواز التعريض بخطبة المعتدة من طلاق بائن؛ لأن الطلاق البائن وإن كان ينهي العصمة إلا أنه إذا كانت الطلقة البائنة دون الثلاث، فإنه يجوز لزوجها أن يعيدها لعصمته بعقد ومهر جديدين متى تم الاتفاق بينهما على هذا.
ولعل الرأي الراجح: أنه يتعين النظر إلى طبيعة الطلاق البائن هل هو بائن بينونة كبرى أم بينونة صغرى.
فيجوز التعريض بالخطبة للمطلقة طلاقًا بائنًا بينونة كبرى لأن عرى الزوجية قد انفصمت تمامًا، ولم يبق لها من أثر إلا العدة مراعاة لبراءة الرحم وامتثالاً لأمر الله تعالى فلا تحل المطلقة طلاقًا بائنًا بينونة كبرى لزوجها الذي طلقها إلا بعد أن تتزوج زوجًا غيره.
أما المطلقة طلاقًا بائنًا بينونة صغرى فإن هناك أملاً في إعادة المياه إلى مجاريها وأن أمامها فرصة تسمح بهذه العودة بعد عقد جديد ومهر جديد. لذلك لايجوز التعريض بخطبة مثل هذه المرأة.

ثانيا : حكم الخطبة على الخطبة.
الإسلام دين السلام والمحبة يحض أتباعه على المحبة والتودد بكل طريق، وينهاهم عن أسباب العدأوة والبغضاء بكل السبل، لأن المحبة طريق الاتحاد ، وفى الاتحاد قوة والبغض سبب إلى التشرذم والتفرق، وفى التفرق ضعف .
وكحث على التودد نفى النبى صلى الله عليه وسلم أن يكمل إيمان المرء حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه( )، وتنفيرا من أسباب البغضاء نهى النبى صلى الله عليه وسلم " أن يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له"( )
والظاهر من عبارة أكثر العلماء أنهم حملوا " الخطبة " على مجرد طلب الرجل المرأة،بدليل أنهم قسموا أثر هذا الطلب إلى حالات ثلاث أو أربع( )، حالة القبول .. حالة الرفض ، حالة التردد بين القبول والرفض.‏
وقد ظهر من أقوالهم أنهم متفقون على التحريم فى الحالة الأولى، وعلى الجواز فى الحالة الثانية، وبينهم اختلاف فى حكم الحالة الثالثة.( )
وفى رأيى:
أن الخطبة بالمعنى الذى تحدد سلفا وهو كونها" تواعداَ متبادلا على إتمام الزواج فى المستقبل" لا يصدق إلا على الحالة الأولى – حالة القبول – وليست هناك خطبة أصلا فى الحالة الثانية، أما الحالة الثالثة فكل ما فيها مجرد طلب.
ولا شك أن النهى " لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه" صادق تماما على حالة القبول، فتحرم الخطبة عندئذ للحديث، ولما فيها من اعتداء على حق ثابت، وإفساد لمخطوبة على خاطبها.
أما حالة التردد فثبوته فيها محل نظر لما روى فى حديث فاطمة بنت قيس،الذى ذكرناه فى تحديد معنى الخطبة ، وإن كان الراجح أنه لا ينبغي التسرع في إباحة الخطبة الثانية لأن الحكمة التشريعية من التحريم قائمة يشهد بذلك الواقع الذي لا مجال إنكاره فما من شخص يتقدم لخطبة فتاة إلا ويغضب عندما يتقدم غيره عليه قبل البت في مصير خطبته.

ثالثا : وما الحكم لو تعدى الخاطب الثاني على الخاطب الأول وعقد على مخطوبة الأول وتزوجها؟
ج: اختلف الفقهاء في ذلك و الرأي الراجح هو رأي جمهور الفقهاء القائل بصحة العقد ويأثم المتعدي على حق أخيه. ذلك أن النهي موجه أساسًا إلى الخطبة وهي في ذاتها غير ملزمة حيث شرعت للتأكد من صلاحية عقد الزواج وجديته ومدى ملاءمة كل من الطرفين للآخر.
وإذا كان الأمر كذلك فمن حق ولي المخطوبة – كما هو حق ثابت للطرفين جميعًا – أن يعدل عن الخطبة إذا رأى أن مصلحة ابنته تقتضي ذلك.
وهذا بذاته يكفيك للرد على الرأي المعارض لأنه طالما أن الخطبة غير ملزمة فإن العدول عنها سائغ. ولا يعدو أن يكون فسخًا لها وهو جائز شرعًا.
وعلى ذلك فلم يبق إلا إثم الخاطب الثاني لأنه خالف النص الشرعي، فيأثم من هذه الوجهة وأما العقد فهو صحيح بكل آثاره.( )


5 - آثار الخطبة.
أ- هل من التزامات مالية ؟ :
ليس للخطبة أثر ملزم من الناحية المالية؛ أي أنها لا تلزم الخاطب بدفع مال أيًا كان. لا علي سبيل المهر ولا على سبيل النفقة إذ المهر والنفقة من آثار العقد أما الخطبة فليست إلا مجرد وعد بإبرام عقد الزواج مستقبلاً.
ب- هل من إلزام بإتمام الزواج بعد الخطبة ؟
الخطبة وعد ، وفى رأى جمهور العلماء ليس للوعد بعقد قوة إلزام ، وقد روى عن الإمام مالك وجوب الوفاء بالوعد على خلاف رأى الجمهور ، ولكن هذا فى غير الخطبة ، لأن الخطبة مقدمة لعقد " عمرى يدوم الضرر فيه " فكان لكلا طرفيه حق الاحتياط والنظر ، ثم إن الإلزام بالخطبة إكراه على الزواج ومبنى الزواج على الرضا الصحيح الكامل الذى لم تشبه شائبة . ( ) نعم يكره فى رأي العلماء " العدول عن الخطبة لغير غرض لما فيه من إخلاف الوعد والرجوع عن القبول ، ولكنه لا يحرم لأن الحق لم يلزمهما بعد ، كمن سام سلعة ثم بدا له ألا يبيعها "( )

ج- وما حكم نظر الخاطب إلى المخطوبة وكذلك نظر المخطوبة إلى الخاطب؟
الخاطب أجنبى عن المخطوبة فليس له أن يختلى بها ، ولا أن يرى منها ما يرى الرجل من زوجته ، فكل ما أحله الشارع للخاطبين هو مجرد النظر الداعى إلى الاستحسان والترغيب فى النكاح ، وذاك يحصل برؤية ما يظهر من مواضع الزينة والهيئة على أكثر الآراء تسامحا ، وليس له باتفاق الفقهاء أن يمسها ، ولا أن يخرج معها بغير محرم ، ولأنه أجنبى عنها ، فهو أجنبى عن أمها وأخواتها ، وهى أجنبية عن والده ، وابنه إن كان له أبناء ، وهذا مؤداه أنه لا يحل له النظر إلى أمها وأخواتها كما لا يحل لهن أن يبدين له زينتهن ، كذلك لا يحل للمخطوبة أن تبدى زينتها لوالد الخاطب وابنه لأنهما أجانب عنها ، والتصرف على غير هذا غير مقبول شرعا ، ونتائجه خطيرة خاصة إن لم يتم الزواج . ( )
المهم أنه ينبغى تفهم الحكمة من تشريع الخطبة، حيث أبيحت لتكون تمهيدًا لعقد الزواج – وحتى تتحقق هذه الحكمة – ينبغي أن يكون من حق كل من الخطابين أن يتعرف كل منهما على الآخر في الحدود المشروعة.
والأصل في إباحة النظر إلى المخطوبة ما روى أحمد بسنده عن المغيرة بن شعبة قال : خطبت امرأة فقال لى النبى صلى الله عليه وسلم : هل نظرت إليها ؟ قلت لا ، قال" فانظر إليها فإنه أحرى أن يودم بينكما "( ) والقول بغير ذلك خطأ للحديث الصحيح الذى روينا ، بل يبدو أنه رأى لم يلتفت إليه، فقد قال ابن قدامة " لا نعلم بين أهل العلم خلافا فى إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها "( ) وقال النووى: إنه مستحب ( ) وبالغ بعض أساتذتنا، فقال النظر للخطبة واجب لقول النبى صلى الله عليه وسلم "انظر إليها" ويقول ولا أرى أمرا معقولا لأن يتزوج رجل بامرأة لم يرها ولم تره، وأرى أن ذلك من الأمور الخارجة على شرع الله بعد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم السابق ، وما يماثله"( )
وهذه فى الحقيقة مبالغة، فقد عهد الناس الخطبة بالخاطبة والوكيل والولى، ويكتفى فى ذلك بالوصف أو الصورة، ولم ينقل عن أى فقيه أنه أنكر ذلك( )
والمتفق عليه من النظر المباح شرعًا طبقًا لهذه النصوص وغيرها هو أن ينظر إلى الوجه والكفين فقط ، وعليه اقتصر جمهور الفقهاء ، وأجاز دأود الظاهرى النظر إلى هيئتها ، ولكن لايحل له النظر المباشر دون حائل إلى غير الوجه والكفين ، جاء فى المحلى لابن حزم ما نصه" ومن أراد أن يتزوج اِمرأة فله أن ينظر منها متغفلا وغير متغفل إلى ما بطن منها وظهر ولا يجوز له أن ينظر منها إلا إلى الوجه والكفين فقط ، لكن يأمر امرأة تنظر إلى جميع جسمها وتخبره"( ) .
والذى أفهمه من هذه العبارة أن دأود يجيز النظر إليها واقفة فيرى ما ظهر منها وهو الوجه والكفين.. وما بطن وهى هيئتها، أما رؤية بدنها حقا فما أجازه ولكن أفتى أن يأمر المريد اِمرأة فتنظرها وتخبره.
ولا أرى ذلك منابذا السنة ، فحديث جابر يحتمل إفادة هذا المعنى، وإلا فما معنى " فكنت أتخبأ لها حتى رأيت منها بعض ما دعانى إليها"؟ وقد روى عن الإمام أحمد قوله " لا بأس أن ينظر إليها وإلى بعض ما يدعو إلى نكاحها من يد وجسم ونحو ذلك، وقال أبو بكر الأثرم – من الحنابلة – لا بأس أن ينظر إليها عند الخطبة حاسرة – أى مكشوفة الشعر-" ولأنه يظهر غالبا، فأبيح النظر إليه كالوجه، ولأنها اِمرأة أبيح النظر إليها بأمر الشارع فأبيح النظر منها إلى ذلك كذوات المحارم ، وقد روى بسند صحيح أن عمر بن الخطاب  خطب ابنة على كرم الله وجهه فذكر منها صغرا فقالوا له : إنما رَدَّك، فعأوده، فقال نرسل بها إليك تنظر إليها، فرضيها عمر بن الخطاب فكشف عن ساقيها فقالت : أرسل – أى أترك ثوبى – لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك"( )
وعلى ذلك فإننى أرجح القول بجواز النظر إلى ما يرغبه فى الزواج منها، دون أن يجرح أحاسيسها ، لورود الأدلة فى السنة والأثر بجواز ذلك.

د‌- وما هو أثر العدول عن الخطبة؟ وهل يجوز طلب التعويض عن إساءة الفسخ؟
لم يتعرض السلف لمسألة التعويض عن العدول فى الخطبة ربما – كما يقول بعض علمائنا " لعدم وقوعها فى عصر لم تتعقد فيه الحياة ومتطلباتها ، أما الآن فلابد من إيجاد حل يتفق مع قواعد الشريعة ومبادئها ، يراعى فيه عدم الإضرار " ( )
وقد اختلفت أنظار المعاصرين فى المسألة ( ) فذهب بعضهم – وأيدته بعض المحاكم – إلى أن العدول حق لكلا الخاطبين ، ومن استعمل حقه لا يضمن.
وعلى عكسه تماما ذهب فريق آخر إلى القول بحق المضرور من العدول فى التعويض إعمالا لقاعدة " لا ضرر ولا ضرار " ، والعدول وإن كان حقا فإن العدول بغير مقتضى يعتبر من قبيل إساءة استعمال الحق ، وإساءة استعمال الحق توجب التعويض .
وأكثر الفقه – وهو ما استقر عليه القضاء فى مصر – أن العدول المجرد لا يستوجب تعويضا ، لأنه حق ، والحق لا يترتب عليه تعويض قط ، إنما يثبت التعويض متى كان العادل قد ألحق بالمعدول عنه ضررا بسبب عدوله ، كأن يطلب نوعا من الجهاز فتغرم شراءه ، أو تطلب هى إعداد مسكن فينفق فى إعداده، دون أن يكون له فى ذلك من غرض إلا إتمام الزواج منها ، والمثال الأشهر للضرر الأدبى أن يبرر العادل عدوله بالإساءة إلى الطرف الآخر .
ولا شك أن الرأى الثالث هو أقوى هذه الآراء وأعدلها ، وقد استقر عليه – كما قلنا – القضاء فى مصر .

فإذا أساء أحدهما استعمال هذا الحق فسبب ضرًا للغير أثناء استعماله إياه، فهنا ينشأ مجال البحث عن التعويض لا بسبب استعمال الحق في العدول عن الخطبة وإنما بسبب إساءة هذا الاستعمال الذي ترتب عليه ضرر للغير.
فلو عدل الخاطب عن الخطبة ولكنه ذكر أسبابًا تسيء إلى المخطوبة أو كان قد طلب من المخطوبة ترك عملها مثلاً، أو أن توقف تعليمها عند مرحلة معينة واستجابت لما طلب فإنه بلا شك يعتبر مسئولاً عن الأضرار التي نالت المخطوبة بسبب عدوله.
وقد يحدث من ناحية أخرى أن الخاطب – بناء على طلب المخطوبة أو أهلها – ينقل نفسه من مقر عمله الأصلي إلى مكان آخر الأمر الذي ترتب عليه ترك مسكنه الأول، ودفع مبالغ طائلة في الحصول على مسكن قريب من محل إقامة أسرة المخطوبة ثم يكون العدول من جانبها فيكون قد أصابه ضرر لا من مجرد العدول، ولكن تسبب العدول في هذا الضرر المتمثل في الانتقال وتغيير المسكن وما ترتب على ذلك من نفقات. فالمخطوبة هنا تكون مسئولة عن تعويض الخاطب عما ناله من ضرر نتيجة عدولها عن الخطبة.




استرداد ما عجل من المهر وما قدم من شبكة عند فسخ الخطبة.
قد يستعجل الخاطب فيدفع المهر أو جزءًا منه قبل إبرام عقد الزواج ، و من المعتاد أن يقدم الخاطب إلى مخطوبته ما تعورف عليه بالشبكة ، فضلا عن ما يمكن أن يقدمه لها من هدايا ، وقد تهاديه هى ، والسؤال ما أثر فسخ الخطبة على كل ذلك ؟
أ) أثر العدول على المهر والشبكة .
الثابت بإجماع الفقهاء ( ) أن المهر لا يلزم إلا بمقتضى العقد ، وليست الخطبة عقدا كما رأينا ، ومن ثم فللخاطب أن يسترد ما عجل من مهر ، وليس لها أن تأخذ منه شيئا ، لعدم حقها فيه فإن كان عين ما قدم من مهر قائما وجب رده بعينه ، وإن كان قد هلك أو استهلك وجب رد مثله إن كان من المثليات أو قيمته يوم تقديمه إن كان من القيميات .
وتعتبر الشبكة بمقتضى العرف جزءاً من المهر ، " لأن المهر يزيد أو ينقص بحسب نوع الشبكة وقيمتها " ( ) لهذا فالحكم فيها كالحكم فى المهر تماما بتمام ، ولا ينظر فى الحكم إلى شخص العادل . يعنى لا يقال من الذى فض الخطبة .
ب) أثر العدول على الهدايا .
عادة ما يتهادى الخاطبان ، وأكثر ما تكون المهاداة من جانب الرجل ، ثم إن من الهدايا ما يبقى كالأجهزة المعمرة والمنزلية ومنها ما يستهلك كالملابس والأطعمة .
والناظر فى الاجتهاد الفقهى يرى أن الفقهاء ليسوا على قول وأحد فى تكييف الهدايا وفى استردادها
أ- فالحنفية قد اعتبروها من الهبات ، والهبات تسترد ما لم تهلك أو تستهلك ، أو تزيد زيادة متصلة بها لا تقبل الفصل ( ) ، وبهذا قضت محكمة النقض المصرية منذ زمن ليس بالبعيد ( ) .
ب- ورأى الشافعية : أن الهدايا قدمت على أساس تمام الزواج وقد حال العدول دون تمامه ، وباعتبار غرضها فإنها تأخذ حكم المهر ، أى تسترد إن كانت قائمة ، ويلزم مثلها أو قيمتها إن هلكت أو استهلكت ( ) .
حـ- وعول المالكية على الجانب النفسى للمتهادين ما لم يكن شرط أو عرف ، بمعنى أن فى العدول أحداث ألم بالمعدول عن خطبته وفى الغرامة أحداث ألم بالغارم ، فلا يجمع على المعدول عنه بين ألمين ، ألم العدول وألم الغرامة .
وعلى هذا فإنه :
1- إن كان ثمة شرط أو عرف عمل بمقتضاه
2- وإن لم يكن شرط أو عرف فإن العادل يلتزم برد ما قدم إليه من هدايا ، وليس له أن يسترد ما قدمه هو من هدايا حتى لا يجمع على الطرف الآخر ألم العدول عن الخطبة ، وألم رد الهدايا . وعلى الملتزم بالرد أن يرد عين الهدايا إن كانت قائمة ، ومثلها أو قيمتها إن هلكت أو استهلكت . ( )
وفى رأى أكثر أساتذتنا فإن رأى المالكية هو الأعدل من بين الآراء المذكورة لما فيه من إنصاف الطرف غير المتسبب فى العدول عن الخطبة ، ولما فيه من زجر لمن كان متسببا فى العدول ( )
ولعدالة هذا الرأى كان دائما محل اعتبار فى مشروعات القوانين التى أعدت فى مصر ( ) ، ولكنه لم يحظ بالاعتبار فى التشريع المصرى ، وبقى القضاء عندنا أسير الراجح فى المذهب الحنفى بمقتضى المادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية ،- وقد حلت محلها الآن المادة الثالثة من القانون 1 لسنة 2000والذى صدر بمقتضاه قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية - فى الوقت الذى عدلت فيه أكثر التقنينات العربية – حتى تلك التى تقتفى أثر التقنين المصرى عادة – عن مذهب الحنفية إلى المفتى به فى مذهب الإمام مالك ( ) ونأمل لو يؤخذ به فى مصر صراحة بدلا من الالتفاف حول مذهب الحنفية ، بإخراج الهدايا من دائرة الأحوال الشخصية ، وإخضاعها لأحكام القانون المدنى فى الهبات ( ) وتشدد القضاء فى قبول أعذار العادلين عن الخطبة ( ) وهذا وإن كان يصل بالمشكلة إلى مضمون فتوى المالكية إلا أنه قاصر من زأويتين .
أولاهما : إخراج الهدايا من دائرة الأحوال الشخصية ، بيد أنها شديدة الارتباط بالخطبة الداخلة فى هذه الدائرة ( ) .
والثانى : انه إذ يعتبر الهدايا من الهبات يحرم المعدول عن خطبته من استرداد ما هلك أو استهلك منها .
وحاصل ما تقدم وبالنظر إلى ما يجرى عليه العمل فى مصر فإن ما دفعه الخاطب على أساس أنه مهر أو أنه جزء من المهر فلا شك في وجوب استرداده، لأنه قد دفعه على أساس أنه أثر من آثار عقد الزواج الذي سيتم مستقبلاً، أما وأن العقد لم يتم حيث حصل العدول عن الخطبة فلا شك في وجوب رده أو استرداده لأنه خالص حق الخاطب بإجماع الفقهاء.
أما الشبكة والهدايا فإنه يقضى فيها طبقا لأرجح الأقوال فى المذهب الحنفى إعمالا للإحالة المقررة بالمادة الثالثة من القانون 1 لسنة 2000 ، وكما جاء فى أحكام النقض المبينة فى الحاشية 49 فإن فقهاء المذهب الحنفي يرون أن الهدايا المقدمة – ومنها الشبكة - في هذا الصدد تأخذ حكم الهبة. و الحكم في المذهب الحنفي هو وجوب رد الهبة ما لم تهلك أو تستهلك. وعلى ذلك فإن الهدايا التي قدمها الخاطب لمخطوبته يجب ردها إذا كانت باقية أما إذا هلكت أو استهلكت فلا حق للخاطب فيها ، وقد أخرج القضاء الهدايا ومنها الشبكة من دائرة الأحوال الشخصية وأدخلها فى دائرة الأحوال المالية وطبق عليها أحكام الرجوع فى الهبة .
وكما قلنا فإن اختيار القضاء المصرى ، وتقاعس المقنن عن الأخذ برأى المالكية معيب فى نظر الفقه ، ولكن العمل لم يزل يجرى على أساسه فليعلم .




رابعا
أركان عقد الزواج وشروطه
س: ما هي أركان عقد الزواج عند الفقهاء؟
ج: عقد الزواج كأي عقد من العقود الشرعية لا يتم ولا يظهر أثره الشرعي من الناحية العملية إلا إذا توافرت له مكونات وجوده الرئيسية صحيحة معتبرة في نظر الشارع .
وقد اختلف الفقهاء حول أركان عقد الزواج ، وإجمالا فإن أكثر المعاصرين من علمائنا يرتضون مذهب الحنفية فى عد الأركان فى الزواج، ويرونه أكثر معقولية " لأن المعقود عليه – وهو استمتاع كل من الزوجين بالآخر – ليس بالشئ المستقل عن المتعاقدين، كالسلعة فى عقد البيع مثلا، بل هو أمر بينهما، كما أن الصيغة هى عبارة عن كلام العاقدين كذلك"( ) وبعبارة أخرى أن ما عدا الصيغة متضمن فيها بداهة( ) فلا صيغة إلا بعاقدين ولا زواج إلا إذا انصرف التوافق إلى محل مشروع.
وحسب اطلاعى فإن القوانين العربية المعاصرة – حتى تلك التى تنزع إلى التمذهب بمذهب المالكية – قد أخذت بنهج الحنفية فى أركان الزواج ( )،
و لقد قضت محكمة النقض ما مفاده "" بان عقد الزواج عقد رضائى قوامة الايجاب و القبول – ملزم للولى – تتطلب القانون توثيقة لا ينفى عنة طبيعتة الأصلية و لا يمس القواعد الشرعية المقررة ، عدم التعارض بين الشروط الموضوعية لصحتة و الشروط الشكلية لتوثيقة ، بحث الشروط الموضوعية و حسم الخلاف حولها منوط بالقضاء دون جهة التوثيق ( )

شروط العقد
ذكر الفقهاء شروطا متنوعة للعقد تصنف فى البحث إلى :
- شروط انعقاد.
- شروط صحة.
- شروط نفاذ.
- شروط لزوم.
ولعله من الأنسب قبل بيان هذه الشروط أن نبين معنى الانعقاد ، والصحة واللزوم والنفاذ .

شروط انعقاد : وهى التى يلزم توافرها فى أركان العقد ، بحيث يترتب على فواتها البطلان بالاتفاق .

وشروط الصحة : وهى التى يلزم توافرها لترتب الأثر الشرعى على العقد ، ويترتب على فواتها فساد العقد عند الأحناف وبطلانه عند الجمهور .
وشروط النفاذ : وهى التى تلزم لتنفيذ العقد بعد انعقاده وصحته ، ويترتب على فواتها أن يكون العقد موقوفا .
وشروط اللزوم : وهى التى يترتب عليها استمرار العقد وبقاؤه ، ويترتب على فواتها أن يكون العقد جائزا أو غير لازم ، مما يتيح لكل من طرفيه أو لغيرهما فسخه .

أولاً: شروط الانعقاد
1- أن تكون صيغة العقد مستوفية شروطها، كاتحاد مجلس العقد وتنجيز الصيغة- يعنى ألا يكون الزواج بعبارة فيها تسويف مثل قوله زوجينى نفسك غدا ، أو العام القادم ونحو ذلك – وأن يوافق القبول الإيجاب صراحة أو ضمنا ، وأن يكون الإيجاب والقبول مؤبدين ، فلا يحل أبدا أن يتلفظ بعبارة فيها تأقيت ولو بذكر مدة طويلة ، فمن قال أتزوجك مائة عام مثلا فكلامه لاغ ولا ينعقد به عقد ، ولم يخالف فى هذا إلا الشيعة الجعفرية ، فهم فقط من يقول بحل زواج المتعة ، وكلامهم مرفوض من قبل جماهير العلماء على طول التاريخ ، ومثل المتعة عند الله نكاح المحلل ، قال ابن عمر فى من نكح نكاح تحليل " لا يزالان – الرجل والمرأة – زانيين وإن مكثا عشرين سنة " بل يقول ابن تيمية رحمه الله أن من التحليل ما هو شر من نكاح المتعة، وغيره من الأنكحة التى تنازع فيها السلف … فنكاح تنازع السلف – الصحابة – فى جوازه أقرب من نكاح أجمع السلف على تحريمه ، وإذا تنازع فيه الخلف – التابعون ومن بعدهم – فإن أولئك – أى السلف – أعظم علما ودينا"( ).

2-أن يكون كل وأحد من العاقدين أهلاً لمباشرة العقد، وقد اتفق العلماء على أن يكون العاقد بالغا عاقلا ، واختلفوا فى شرط الرشد ، وشرط الذكورة .
فمن العلماء كالشافعى يرى أن غير الرشيد – كالسفيه – وناقص الأهلية لا يزوج نفسه ، وجمهور العلماء يقولون له الحق فى ذلك ، وقد ذهبت محكمة النقض المصرية إلى اعتبار قول الجمهور ، فأبطلت عبارة المجنون ( ) وقضت بأن عبارة المعتوه كعبارة المميز تتوقف على إجازة الولى الأقرب فإن أجازها جازت وإلا ردت ( ) .

أما شرط الذكورة فجمهور العلماء على اعتباره لأدلة من القرآن والسنة ، غير أن أشهرها قول النبى صلى الله عليه وسلم " لا نكاح إلا بولى " ( ) فأفاد انتفاء النكاح الشرعى بانتفاء الولى ، وما أفاد هذا المفاد اقتضى أن ذلك شرط لصحة النكاح ، لأن الشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط "( ).
وعلى رأى أبى حنيفة وبعض العلماء – وهو المعتبر عملا فى مصر – فإن مباشرة عقد الزواج لا تتوقف على وجود الولى و لا على ذكورة العاقد ، فللمرأة أن تتولى بنفسها عقد زواجها ، وعندئذ لا يملك وليها إلا طلب فسخ الزواج إن زوجت نفسها بغير كفء أو بأقل من مهر المثل ولم يرض الولى بذلك ، ولم تحمل الزوجة أو تلد .
وفى رأينا أن الأخذ بمذهب الحنفية فى هذا الموطن قد أسهم فى مشكلة الزواج العرفى بشكل موفور جدا ، ونود لو نجد من سيدات المجتمع عندنا من يشغلهن العلاج الجدى ولا يصرفهن عن قول الجمهور فى الولى المبالغة التجارية فى دعأوى المسأواة ، فخلط الأوراق فى قضية الذكورية هنا ضره الأكبر يحيق بالمرأة ، ومتى ؟ فى مقتبل عمرها . ألا ليت قومى يعلمون .
ثانيًا: شروط الصحة
شروط صحة الزواج هي التي تجعل العقد صالحًا لأن تترتب عليه أحكامه وإذا انعدم شرط منها يكون العقد فاسدًا وهذا بالضرورة لا يكون إلا بعد توافر شروط الانعقاد.
وللعلماء فى حصر شروط الصحة اتجاهات ، لعل أدقها ما يحصر شروط صحة الزواج فى :
الشرط الأول: حل المرأة للتزوج بالرجل الذي يريد الاقتران بها فيشترط ألا تكون محرمة عليه بأي سبب من أسباب التحريم المؤبد - أى على الدوام - أو المؤقت – أى المحدد بحالة أو ظرف معين يزول بزواله .

النوع الأول : المحرمات تحريما مؤبدا
وهؤلاء هن المحارم من النسب أو الصهر أو الرضاع ، ونعددهن فيما يلى:
أ – المحرمات بسبب النسب :
النسب أو القرابة تعبير عن الصلة الناشئة من قرابة الولادة ، ويعبر عن صاحبها بذى الرحم المحرم ، وقد جمع هؤلاء المحرمات قول الله تعالى "حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت"( ) .
فبنيت الآية أنهن سبعة أصول وهن : -
1- الأم : وتشمل كل امرأة لها عليك ولادة مباشرة أو بواسطة فالوالدة المباشرة هى الأم ، وغير المباشرة هى الجدة وإن بعدت ، فالجدات يسمين أيضا أمهات .
2- البنت : وتشمل كل أنثى لك عليها ولادة مباشرة كالبنت الصلبية أو بواسطة كبنت الابن وبنت البنت مهما نزلن .
3- الأخت : وتشمل جميع الأخوات سواء كن شقيقات أو لأب أو لأم، فجميع الأخوات محرمات .
4- العمة : وهى أخت الأب الشقيقة أو من أبيه فقط أو من أمه فقط .
5- الخالة : وهى أخت الأم الشقيقة أو من أبيها فقط أو من أمها فقط .
6- بنت الأخ : ويراد بها كل أنثى لأخيك – شقيق أو لأب أو لأم – عليها ولادة مباشرة كبنته الصلبية ، أو غير مباشرة كبنت ابنه وبنت بنته وإن بعدن .
7- بنت الأخت : وتشمل كل امرأة لأختك عليها ولادة وإن بعدت ، كبنتها ، وبنت ابنها وبنت بنتها.. إلخ ، ويراعى أن المراد بالأخت : الشقيقة أو لأب أو لأم.
ويلاحظ أن بعض النساء يشتبهن بالمحرمات ولسن محرمات ( ) كأخت أخيك غير الشقيق من أم غير أمك ، فهذه أخت لأخيك فقط وليس بينك وبينها قرابة. مثلا : أخوان من أم وأحدة هما حسن وحسان ، وحسن هو ابن محمود وحسان هو ابن محمد ولمحمد هذا ابنة من امرأة غير أم هذين الولدين – حسن وحسان – تدعى صفاء وبنت محمد . فلحسن أن يتزوج من صفاء هذه رغم أنها أخت أخيه .
كما لا تحرم أم العمة غير الشقيقة إذا لم تكن جدة ، وكذلك أختها إذا كانت من غير الجد والجدة ، ونفس الأمر بالنسبة للخالة المهم أن المعتبر فى التحريم هو قرابة المرأة إلى الرجل ذاته لا إلى أقاربه.
ب – المحرمات بسبب الرضاع :
وظاهر النص القرآنى أنهن صنفان فقط ذكرهما الله تعالى بقوله " وأمهاتكم اللاتى أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة " ( ) ولسن كذلك فالقاعدة فى التحريم بالرضاع بنص الحديث الشريف " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"( ) كما أن الله تعالى سمى المرضع أما ، كما سمى الشريكة فى الارتضاع أختا ، والأمومة والأخوة قرابتان نسبيتان ، فيكون حكم الرضاع حكم النسب ( )
وفى الرضاع المحرم تفصيلات لا يتسع المقام للإسهاب فيها فننبه عليها بإيجاز ، ومن ذلك :
1- أن مذهب الجمهور أن قليل الرضاع و كثيره سواء ، ومن رأى الشافعى أن المحرم من الرضاع ما بلغ خمس رضعات مشبعات .
2- أن الرضاع المحرم ما كان فى الحولين .
3- أن من رأى جمهور الفقهاء أن التحريم كما يعتبر فى جانب المرأة التى أرضعت يعتبر أيضا فى جانب الرجل الذى هو زوج المرضعة ، فقد سئل ابن عباس عن رجل له امرأتان ، أرضعت أحداهما غلاما ، والأخرى جارية – أى فتاة – فهل يتزوج الغلام الجارية ؟ قال : لا ، " اللقاح وأحد " ( ) أراد أن ماء الفحل الذى حملت منه كلتاهما – أى المرأتان – وأحد ، واللبن الذى أرضع به الصبى والجارية ، كان أصله ماء الفحل.
4- أنه على رأى الجمهور يحرم بالرضاع ما يحرم من النسب والمصاهرة ، فيحرم على الرجل فروع إمرأته من الرضاع إذا دخل بها ، وفروع فروعها . وتحرم عليه أصول زوجته – أمها وجدتها – من الرضاع وإن علون . وتحرم عليه زوجة أحد فروعه من الرضاع – كزوجة ابنه من الرضاع وزوجة حفيده – كما تحرم عليه زوجة أحد أصوله من الرضاع – كأبيه من الرضاع ، وهو طبعا زوج المرأة التى رضع من لبنها .
والمعتمد عند الحنفية ( ) أن الرضاع المحرم لا يثبت إلا بالشهادة التى تثبت الحقوق المالية، وهى شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، لأن الحكم بثبوت الرضاع يقتضى زوال ملك النكاح إن كان موجوداً، فالشهادة به شهادة بالفرقة اقتضاء.
فإن نقصت البينة عن هذا النصاب فإنه يستحب ديانة المفارقة ، وقيل يجب، أما فى القضاء فلا يفرق إلا ببينة تامة.
وكما يثبت الرضاع بالبينة يثبت بالإقرار، فإن أقرت المرأة أن زوجها كان قد رضع منها، أو أنه أخوها من الرضاع ، أو ابن أختها من الرضاع ، وهكذا فرق بينهما، سواء صدقها أو كذبها.
ولكن المقرر كما قالوا له أن يرجع عن إقراره – قضاء لا ديانة – فإذا أقرت برضاع زوجها مثلا ثم رجعت قبل رجوعها ولم يفسخ نكاحهما .
والذى ينبغى التنبيه عليه أن أمر الرضاع خطير جدا ، فلتحترز نساؤنا فى الإرضاع وليحفظن أسماء من أرضعن ويشعن ذلك حتى يعرف ، و على من يكتشف أن زوجه أو زوجته أخ أو أخت له فى الرضاع أن يعتزلها حتى يتيقن من توفر شروط الحل أو الحرمة ، وإن كان الرباط لم يبتدىء بعد فالأفضل تركه .
ج- المحرمات بسبب المصاهرة :
وتحرم بسبب المصاهرة :
1- زوجة أصل الشخص وإن علا ، فلا يحل للشخص أن يتزوج زوجة أبيه أوجده ، سواء فى ذلك أبوه من النسب أو من الرضاع ، وقد أجمع علماء المسلمين على حرمة الزواج بزوجة الأصل سواء نكحها فى عقد زواج، أو وطئها بشبهة ، وسواء دخل بها أم لم يدخل( ).
2- زوجة فرع الشخص وإن نزل ،وسند هذا التحريم قول الله تعالى " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم"( ) فحليلة الابن أى من حلت له ، ولا تحل المرأة للرجل إلا بزواجه منها ، وعلى رأى الجمهور ومنهم الحنفية فإن حليلة الابن من الرضاع كحليلة الابن من النسب .
3- أم الزوجة – مباشرة أو جدتها – وإن علت ، سواء دخل الرجل بالبنت أم لم يدخل .فالعقد على البنات يحرم الأمهات .
4- بنات وحفيدات الزوجة المدخول بها فى نكاح صحيح أو فاسد ، بل على رأى الحنفية أن من زنى بامرأة حرمت عليه أمها ، وهو قول بعض الصحابة وبعض التابعين ورواية عن مالك( ).
ونظرا لعدم وجود نص فى القانون المصرى فإن المرعى قضاء هو الراجح فى المذهب الحنفى ونص عبارة مرشد الحيران فى ذلك :
1- المادة 23 : يحرم على الرجل أن يتزوج بنت زوجته التى دخل بها وهو مشتهى وهى مشتهاة ، سواء كان فى نكاح صحيح أو فاسد ، فإن دخل بها وهو غير مشتهى ، أو هى غير مشتهاة ، أو ماتت قبل الدخول أو طلقها ولم يكن دخل بها فلا تحرم عليه بنتها ، وتحرم عليه أم زوجته بمجرد العقد الصحيح عليها وإن لم يدخل يها ، وزوجة فرعه وإن سفل وأصله وإن علا ولو لم يدخل بها فى النكاح الصحيح .
2 - المادة 24 : يحرم على الرجل أن يتزوج أصل مزنيته وفرعها ، وتحرم المزنى بها على أصوله وفروعه ، ولا تحرم عليهم – أى أصول الزانى وفروعه - أصولها وفروعها .

أما المحرمات تأقيتا فهن – بالنسبة للمسلم - :
1- المشركات – اللاتى لايدن بدين الإسلام أو باليهودية أو المسيحية – حتى يؤمن , أما المسلمة فلا يحل لها إلا المسلم فقط .أما الارتباط بغير المسلم – كتابيا أى يهودى أو نصرانى أو غير كتابى – فحرام باتفاق و لا ينعقد أصلا ، ومن أقضية النقض المصرى فى ذلك " أن المرأة المسلمة إذا ارتدت ثم تزوجت لا ينعقد لها الزواج ، لما كان ذلك فإن معاشرة والدة الطاعنين لوالد المطعون ضده المسيحى ، سواء قبل ردتها أوبعدها محرمة شرعا ، ولا تنتج فراشا ولا تثبت نسبا يتولد عنه أى حق فى الميراث .( )
كما قضت بأن " عقد زواج المطعون ضدها من والد الطاعن المسيحى الديانة ، وعلى أرجح الأقوال من مذهب أبى حنيفة يكون فاسدا ، طالما أن المطعون ضدها كانت جاهلة بالحرمة فيترتب على الدخول بها آثاره ، ومنها ثبوت النسب " ( )
2- والمطلقة ثلاثا على مطلقها حتى تنكح زوجا غيره .
3- وزوجة الغير ومعتدته – فإن عقد على امرأة فى عدتها فعقده باطل ، ويجب أن يفرق بينهما حتى تنقضى – على قول الحنفية - عدتها ، ثم له إن شاء أن يخطبها ( ) ، وإن كان قد عقد عليها غير عالم بالعدة فالعقد ينعقد فاسدا ، فلا يترتب عليه بمجرده أثر ، ويجب التفريق بينهما ، وإن دخل بها مع الجهل فلا حد ، ولها الصداق بما استحل من فروجها ، وتكمل ما أفسدت من عدة الأول وتعتد من الآخر ( ) ويثبت نسب ما تأتى به من ولد من الآخر إن ألحقته القافة به .، وإن عقد عليها مع العلم بكونها فى العدة فهو آثم ديانة ومؤاخذ قضاء ، وعقده باطل لا يترتب عليه أثر ، وإن دخل بها فحكمه حكم الزانى فى الحد وغيره ( ) .

وعلى رأى جمهور العلماء فإن المزنى بها كالزوجة لا تنكح حتى تعتد ، أما أبو حنيفة ومحمد والشافعى فأجازوا العقد ولكن إن تبين أنها حامل فإن الدخول بها يحرم ( ) حتى تضع ، لأن العلة عندهم فى تحريم العقد على الحامل من زواج هى احترام صاحب الماء ولا حرمة لماء الزنى ، ولكن لا يحل وطؤها حتى تضع مراعاة للنهى عن سقى زرع الغير.

4- ويحرم على الشخص مؤقتا أن يجمع بين امرأتين لو فرضنا أحديهما ذكرا لحرمت عليه الأخرى ، فلا يحل الجمع بين الأختين ، ولا المرأة وعمتها والمرأة وخالتها ، وكذا بنت أخيها وبنت أختها ، ومثل الرضاع فى ذلك مثل النسب .
وكثيرا ما يثور فى العمل أثر الجمع بين المحارم على صحة النكاح وآثار الزواج ، وقد تعرضت محكمة النقض المصرية لواقعة من هذا القبيل فقضت بمذهب الحنفية ومما جاء فى حكمها ." أن من شروط صحة الزواج محلية المرأة ، وأن لايقوم بها سبب من أسباب التحريم ، ومنها الجمع بين الأختين ، والمحققون من الحنفية على أنه إذا تزوج أحداهما بعد الأخرى – أى كان زوجا لوأحدة ثم تزوج عليها الثانية – جاز زواج الأولى ، وفسد زواج الثانية ، وعليه أن يفارقها أو يفرق القاضى بينهما ، فإن فارقها قبل الدخول فلا مهر ولا عدة و لا تترتب بينهما حرمة المصاهرة ولا النسب و لا يتوارثان ، وإن فارقها بعد الدخول فلها المهر وعليها العدة ويثبت النسب ، ويعتزل من امرأته حتى تنقضى عدة أختها " ( ).
5- ويحرم على الرجل أن يجمع فى عصمة وأحدة بين أكثر من أربع نسوة ، فيحرم التزوج بخامسة حال قيام زوجية الأربع ، وإن وقع كان باطلا ، لأنه يخالف حكم الله عز وجل ( ) وتعتبر الزوجية قائمة وإن كن الأربع أو أحداهن فى عدة طلاق رجعى ، لأنه كما قلنا لا يخل بشئ من أحكام الزوجية ، ولكن إن كان الطلاق بائنا فهل له أن يتزوج بأخرى قبل انتهاء عدة المطلقة طلاقا بائنا ؟ خلاف ( يذكر بقضية رجل الأعمال رجب السويركى الشهيرة )
و الحنفية وأكثر الصحابة وعامة الفقهاء يقولون لا يتزوج من طلق أحدى نسائه الأربع حتى تنقضى عدتها ( ) لأن العدة تمنع مما يمنع منه النكاح ، لقيام بعض أحكام النكاح كحرمة التزوج بأخر وثبوت النسب ، ومنع المرأة من الخروج – فى أثناء العدة ، وإذا ثبت قيام النكاح من وجه ألحق بالثابت من كل وجه فى باب الحرمة احتياطا ، يقول الإمام محمد بن الحسن الشيبانى " لا يعجبنا أن يتزوج الخامسة، وإن بث طلاق أحداهن حتى تنقضى عدتها ، لا يعجبنا أن يكون ماؤه فى رحم خمس نسوة حرائر " ( ) . ومعلوم أن هذا هو المعتمد قضاء فى مصر .
6- الزوجة التى لا عنها زوجها ففرق القاضى بينهما حتى يكذب الزوج الملاعن نفسه . ونتنأوله بشىء من التفصيل .
اللعان وسيلة شرعية للرجل الذى يرمى زوجته بالزنا أو ينفى نسب ولد فراشه منها دون بينة له على ذلك أو تصديق منها .
ويعرف فقـــها بأنـــه عبارة عن " شهادات أربع مؤكدات بالأيمان مقرونة شهاداته باللعن ، وشهاداتها بالغضب ، قائمة شهاداته مقام حد القذف فى حقه ، وشهاداتها مقام حد الزنا فى حقها " ( ) فهو حالة خاصة يرمى فيها الرجل زوجته بالزنا أو ينفى ولدها عن نفسه دون شهود وهى تكذبه ، فإن ترافعا إلى القضاء والحال كذلك أمرهما أن يتلاعنا كما أمر الله فى سورة النور( ) .
فإن تلاعنا سقط عنه حد القذف ، وعنها حد الزنا ، وفرق بينهما القاضى فى الحال .
ولكن هل تحرم الملاعنة على الملاعن تحريما مؤبدا أم تحريما مؤقتا ؟
جمهور الفقهاء يرون : أنها تحرم عليه حرمة مؤبدة فلا تعود إليه لقول النبى صلى الله عليه وسلم " المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا " ( ) وعن على بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود أنهما قالا " مضت السنة أن لا يجتمع المتلاعنان أبدا " ( ) وقال أبو حنيفة ومحمد وبعض التابعين : تحرم باللعان حرمة مؤقتة تزول بزوال سببه ، فإن أكذب الزوج نفسه زال التحريم وكان له أن يتزوجها بعقد جديد ، لأن فرقة اللعان عند أبى حنيفة تقع طلقة بائنة .
ولا شك أن حديث " لا يجتمعان أبدا " هو الذى عليه مدار الحكم ، فإن صح فالقول ما قال الجمهور ، وإن ضعف أو احتمل الصرف عن ظاهره فمذهب الحنفية أولى .
ويظهر من عبارة الشيخ أبى زهرة أنه يرتضى مذهب الحنفية لأن علة الفرقة فى رأيه غياب الثقة ، فإذا أكذب الزوج نفسه عادت الثقة ( ) .
ويسلك الدكتور سعيد الجليدى بالترجيح مسلكا أوضح فيقول ( ) " والذى يترجح أن اللعان من أسباب التحريم المؤقت ، وذلك لعدة أسباب منها :-
1- أن قول النبى صلى الله عليه وسلم " المتلاعنان لا يجتمعان أبدا " معناه : لا يجتمعان أبدا ما داما على حالهما من اللعان ، أما إذا أكذب الزوج نفسه فإنه لا يكون ملاعنا لوجوب الحد عليه ولحوق الولد به ، ونظير هذا قول الله تعالى " ولا تصل على أحد منهم مات أبدا " ( ) أى ما دام منافقا .
2- أن المحرمات على سبيل التأبيد قد ذكر معظمهن فى القرآن ، وما لم يذكر منهن فيه فقد بينته السنة بيانا وافيا ، كما أنه قد وضحت فيه العلة فى التحريم ، أما تحريم الملاعنة مؤبدا فلم يذكر فى الكتاب عند ذكر اللعان ، ولا عند ذكر المحرمات على التأبيد ، وما ذكر فى تحريمها بالسنة يحتمل التحريم المؤبد ،و التحريم المؤقت بالبقاء على اللعان ، ويرجح الثانى أنه بالرجوع عن اللعان تبطل آثاره ولا شك أن منها التحريم فيجب أن يزول كذلك . كما أن تأبيد التحريم باللعان بعد الرجوع عنه لا تظهر له حكمة ، وليس هناك ما يدعو إليه ، اللهم إلا أن يقال إن الزوجين بعد لعانهما ورمى الزوج لزوجته ، وتكذيب الزوجة لزوجها لا يؤمن أن تكون بينهما حياة زوجية مثلى وإن أكذب الزوج نفسه ، إلا أن هذه حجة واهية فى نظرنا ، لأنه إذا رماها ولاعنها وامتنعت هى عن اللعان وحدت للزنا ، أو رماها ولم يلاعن وحد هو للقذف ، فإنه لم يقل أحد بانتشار التحريم بينهما مع أن تأثرهما واحتمال وقوع البغض بينهما وأحد فى كلا الحالتين .
3- إنه لا معنى للتفريق بين الأحكام المترتبة على اللعان عند الرجوع عنه ، فكما وجب بالرجوع الحد ، ولحوق النسب تنتفى الحرمة ما لم يكن هناك مانع أخر " .

وقد فاجأنى ما فهمه الأستاذ كمال صالح البنا المحامى من عبارة المادة 15 من المرسوم بقانون رقم 25لسنة1929 ونصها " لا تسمع عند الإنكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقى بينها وبين زوجها من حين العقد ، و لا لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها ولا لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة " حيث فهم منها أنها خصصت أو حددت وسائل إثبات ونفى النسب " والعمل بحكم هذه المادة يترتب عليه أن على المدعى إثبات ما يدعيه فى حدود المقرر بالمادة المذكورة ، فلا ينتفى النسب إلا إذا أثبت الزوج ما جاء بهذا النص ، أى قام الدليل على عدم التلاقى بينه وبين زوجته من حين العقد ، أو أنها أتت به بعد أكثر من سنة من تاريخ غيبته عنها ، فإذا عجز عن الإثبات رفضت دعواه وظل الأصل على حاله ، أى يثبت النسب بالفراش إذا توافرت الشروط الشرعية له ، وأهمها أن تكون المرأة قد حملت ثم وضعت الولد المدعى نسبه ، ومفاد هذا كله – والكلام للأستاذ البنا – أن القانون قد أوجب على مدعى النسب بوجهيه إثبات دعواه بالبينة الشرعية ، وفى حدود المقرر بالمادة 15 سالفة الذكر فلا يجوز فى رأينا اللجوء إلى إجراءات اللعان تخصيصا للقضاء ، وهو المقرر فقها ، وعليه عمل المحاكم " .
وينتهى سيادته إلى تقرير أن اللعان نظام غير معمول به حاليا فى قانون الأحوال الشخصية المصرى ( ) .
وهذا فى رأينا استنتاج خاطىء ، بل يبدو أنه فسر حكم النقض المبتور الذى عرض له سيادته تفسيرا خاطئا وحمله على غير وجهه – ومن أسف أنه لم يعرض لنا حيثيات هذا الحكم لنشاركه قراءته – والغالب على ظننا أنه اختلط عليه حق محكمة الموضوع فى تقدير توافر شروط اللعان وعدم توافرها ، وبوجه أخص عدم تناقض دعوى الزوج مع فعله ،فظنه رفضا منها لقبول اللعان جملة ، وليس الأمر كذلك إذ البين من القضاء أنه رد اللعان لانتفاء شروطه فمن شروط اللعان ألا يكون الزوج قد أقر - قبلاً - بالولد صراحة أو دلالة ، ومن قبيل الإقرار دلالة قبول الزوج التهنئة بالمولود ، والاحتفال بأسبوعه وشراء أغراض الاحتفال ، فإن لاعن مع ذلك فلعانه مردود عليه لتناقضه .
يؤيد ذلك فى رأينا أن عمل المحاكم على خلاف ما ادعى تماما ، ففى حكم حديث نسبيا قضت محكمة استئناف القاهرة بأنه : إذا ثبت نسب الولد بالزواج الصحيح لاستيفاء شروطه الثلاثة _ فأتت المرأة بالولد لمدة لا تقل عن ستة أشهر من وقت الزواج ، وكان الزوج ممن يتصور منه الإحبال ، وكان من المتصور حصـــــول تلاقى بين الزوجين فعلا ، ولولم يقع دخول فعلا _ فقد انغلقـــــــت – كما تقول المحكمة أمام الزوج وسائل نفيه إلا باتخاذ طريق الملاعنة .( )
وقد أغنانا المستشار الدكتور عبد العزيز عامر عن الكدح فى إثبات عمل المحاكم فى ظل القانون 25لسنة1929 باللعان كوسيلة لنفى النسب الثابت بالفراش إعمالا للإحالة إلى المذهب الحنفى والتى كانت مقررة بالمادة 280 من اللائحة – واستبدلت الآن بالمادة الثالثة من القانون 1 لسنة 2000- فأورد فى باب النسب - الباب الأول من موسوعته الأحوال الشخصية فى الشريعة الإسلامية فقها وقضاء – طائفة كبيرة من أحكام المحاكم جزئية ، وابتدائية ، واستئناف انصب الحكم فيها حول اللعان ، وأن رفض المحاكم اللعان كان بسبب انتفاء شرط أو أكثر من شروط اللعان ، لا سيما وأن من المبادىء الشرعية المعتبرة أن النسب يثبت مع الشك ، فالأصل الاحتياط فى ثبوت النسب ما أمكن ، ولذا فقد حكم بأنه عند التعارض يقدم الإثبات الدال على النسب ، وأنه إذا تعارض ظاهران فى ثبوت النسب قدم المثبت له لوجوب الاحتياط فيه ، وأنه تطبيقا لذلك لا يقبل من الزوج نفى نسب الولد فى دعوى نفقته بعد إعلانه بها بأشهر بحجة إقامته فى غير الجهة التى تقيم بها زوجته من قبل الولادة بسنة ، متى ثبت إمكان التلاقى فى فترات سابقة على الحمل ، وأنه لا يقبل منه طلب إثبات عدم التلاقى بينهما أوتحليل دمه ودم الولد ، حيث لا موجب له مع ما سبق ما ذكره من قيام الزوجية ، إذ الولد للفراش . ( ) وبذلك يتضح بما لا يدع مجالا للشك أن الأستاذ البنا قد أخطأ قراءة الحكم الذى بنى عليه دعواه .
**************

الشرط الثاني: الإشهاد على الزواج :
والحديث عن الشهادة في عقد الزواج ينحصر في:
1- حكم الإشهاد على عقد الزواج.
2- الوقت الذي تلزم فيه الشهادة.
3- الشروط التي يجب توافرها في الشهود.
1- حكم الإشهاد على عقد الزواج:
فى رأى جمهور الفقهاء- ومنهم الحنفية - أن الشهادة شرط في الزواج لا يصح بدونها ففى الحديث الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل ".
وهذا الحديث وإن كان فى آحاد طرقه ضعف لكن مجموعها وماله من شواهد يرتقى بها درجة الصحة ( ).
وفيما روى الترمذى عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " البغايا اللاتى ينكحن أنفسهن بغير بينة " ورأويه ثقة ( ).
قال الشوكانى " وظاهر الأحاديث المقتضية للنفى أن الإشهاد شرط للنكاح لا يصح بدونه ، لأن النفى حقيقة يتوجه إلى الذات الشرعية، فيفيد ارتفاعها بارتفاعه ، وذلك معنى الشرط، وعلى فرض وجود قرينة تدل تمنع من اعتبار المعنى الحقيقى فنفى الصحة أقرب المجازين إلى الذات ، وذلك يفيد الشرطية أيضا ، قال الترمذى : والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبىصلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين وغيرهم ، قالوا : لا نكاح إلا بشهود ، لم يختلفوا فى ذلك إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم " ( ).،

2- الوقت الذي تلزم فيه الشهادة:
يرى الجمهور- ومنهم الحنفية - أن الوقت الذي تلزم فيه الشهادة هو وقت العقد. بينما يرى المالكية: أن الشهادة لا يشترط أن تكون وقت إنشاء العقد وساعة إجرائه.
وعلى رأى الحنفية يجرى العمل فى مصر ، وقد قضى بأن ( ....... المقرر فى الفقه الحنفى الواجب الاتباع أنه يشترط لصحة الشهادة عدم الاختلاف فيها متى كان المشهود به قولا ملحقا بالفعل ، من قبيل النكاح ، لأنه وإن كان عبارة عن إيجاب وقبول ، وهما قولان ، إلا أنه يشترط لصحته حضور شاهدين ، وهو فعل ، فألحق بالفعل ... ) 0( ) وقضى بأن الزواج الذى لا يحضره شهود زواج فاسد ( ) وقضت بأن " الزواج يصح سببا لإثبات النسب باعتباره كذلك متى حضره شهود ، واستوفى أركانه وسائر شروط صحته شرعا سواء وثق رسميا أو أثبت بمحرر عرفى ، أو كان بعقد غير مكتوب " ( )
3- الشروط التي يجب توافرها في الشهود:
حسب المذهب الحنفى فإنه لا يلزم فى الشاهد البلوغ عند تحمل الشهادة ، فيكفى – حسب عبارة النقض المصرى – لإمكان علمه بالحادثة وفهمها وقت حدوثها أن يكون عاقلا ، فيصح تحمله بها ولو كان صبيا مميزا . ( ) والمقرر على ما جرى به قضاء النقض المصرى أن شهادة الأصل لفرعه والفرع لأصله غير مقبولة شرعا ، لعدم انتفاء التهمة عنهم .( ) ،" اعتبارا بأن الولد بضعة من الوالد ، دون تفرقة بين كون الواقعة المشهود عليها من المسائل الشرعية أو الخلافات المالية لتوافر التهمة فى الحالين ( ) وذلك على خلاف المشهور عند الحنفية من أن شهادة الأصل لفرعه والفرع لأصله فى الزواج مقبولة ، قالوا لأن الشهادة فى الزواج للإعلان والإظهار وليست لمجرد الإثبات ، وقطعا متى جازت شهادة الأصول والفروع جازت شهادة الحواشى ( ) وكذلك صلة المصاهرة ليست بمانع من قبول الشهادة . ( ).
كما تصح شهادة النساء على الزواج ، لقول الله تعالى " واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء " ( ) فهذا حكم عام لم يخص منه إلا الحدود والقصاص فيبقى ما وراءها على الأصل ( ). وأخيرا فإن الزوجة إن كانت كتابية صحت شهادة أهل الكتاب عليها، فهم أولياء بعض ( ) وذلك عند أبى حنيفة وأبى يوسف وبعض الحنابلة لأن الشهادة فى الزواج تقع على المرأة ، لأن الاستمتاع بها مقصور على الرجل بخلافها ، فإن استمتاعها به يحتمل المشاركة بزواجه بغيرها ، لذا فإن حقه أكثر من حقها ، فلزم أن تكون الشهادة للزوج عليها ، فيراعى لذلك جانب المشهود عليه .
.
*******************************

ثالثًا: شروط نفاذ عقد الزواج:
وهي التي يتوقف علي وجودها ترتب أثر العقد عليه بالفعل ، فإن تخلفت توقف نفاذ العقد . فالعقد النافذ هو الذي يترتب عليه أثره الشرعي ويكون ذلك بتحقق الشروط المعتبرة لذلك بعد توافر شروط الانعقاد وشروط الصحة.
وشروط النفاذ هى :
1- أن يكون كل من العاقدين الذين توليا إنشاء العقد كامل الأهلية ، وكمال الأهلية بالعقل والبلوغ ، فإن زوج القاصر نفسه فزواجه موقوف على إجازة وليه ، فإن أجازه نفذ ، وإن رده بطل .وبذلك يعلم خطأ من يجمع إلى المجنون والمعتوه - وهما من عديمى الأهلية – السفيه وذى الغفلة – وهما من ناقصى الأهلية - فيقرر أن زواج كل هؤلاء لا ينعقد بحجة " عدم توافر التمييز - حسب عبارة الكاتب – اللازم لانعقاد العقد " ( ) .
وينبغى ألا يغيب عن البال أن مثل هذه الزيجة التى يباشرها ناقص الأهلية لا تتصور عملا إلا فى حالات الزواج العرفى غير الموثق ، أما فى حالات الزواج الموثق فلن تقع حيث توجب لائحة المأذونين أن يكون الزوج بالغا الثامنة عشرة من عمره ، والزوجة قد بلغت السادسة عشرة من عمرها ، فإن نقصت سن أحدهما عن الحد الأدنى المحدد وجب على الموثق الامتناع عن التوثيق .
2- أن يكون الذي تولى إنشاء عقد الزواج له الحق في إنشائه ، ومن ذلك فى مصرنا أن يزوج الأب أو غيره البنت البالغة العاقلة دون توكيل منها ، فإن فعل فعقده موقوف على قبولها وإجازتها ، فإن أجازته جاز ، وإن ردته رد . قال ابن عابدين " وإن زوجها بغير استئمار فقد أخطأ السنة وتوقف على رضاها "( ).ومستند ذلك عند الحنفية أن النبى صلى الله عليه وسلم خير الفتاة التى زوجها أبوها ابن أخ له ، فقالت " اخترت ما فعل أبى " قالوا " فلما خيرها ، والخيار لا يثبت فى اللازم ولا فى الفاسد ، دل على أنه كان موقوفا على خيارها وإجازتها "( ).
ومجمل أحكام الفقه الحنفى فى هذا الخصوص جمعها العلامة محمد قدرى باشا صاحب مرشد الحيران فى النصوص القانونية الآتية:
أ- للأب والجد وغيرهما من الأولياء ولاية إنكاح الصغير والصغيرة بشروطه جبرا ولو كانت ثيبا ، وحكم المعتوه والمعتوهة والمجنون والمجنونة شهرا كاملا كالصغير والصغيرة . م(44)
ب- للحر البالغ العاقل التزوج ولو كان سفيها بلا توسط ولى ، وللحرة المكلفة أيضا أن تزوج نفسها بلا ولى بكرا كانت أو ثيبا ، وينفذ نكاحها ويلزم إذا كان الزوج الذى تزوجت به كفؤا لها ، وكان المهر مهر مثلها . م(51)
ج- لا تجبر الحرة البالغة على النكاح بكرا كانت أو ثيبا ، بل لا بد من استئذانها واستئمارها ، فإن كانت بكرا واستأذنها الولى القريب أو وكيله أو رسوله أو فضولى عدل ، وعلمت بالزوج وبالمهر فسكتت عن رده مختارة….. فذلك أذن فى صورة استئذانها قبل العقد ، وإجازة بعده ( ).
وإن استأذنها غير القريب من الأولياء وعين لها الزوج والمهر فسكتت أو تبسمت أو ضحكت أو بكت فلا يعد ذلك منها رضا ، بل لا بد من الإفصاح بالرضا أو وقوع ما يدل عليه .(مادة 53).
د- البالغ الثيب .. لا يكون سكوتها رضا ، بل لا بد أن تعرب عن نفسها مفصحة برضاها ، أو يقع منها ما يدل عليه .(م 54).
ه- من زالت بكارتها بعارض أو تعنيس فهى بكر حقيقية ، …. ومن زالت بكارتها بزنا فهى بكر حكما ما لم يتكرر منها أو تحد ، فإن تكرر منها أو لو يتكرر وحدت – عوقبت بالحد – فهى ثيب كالموطؤة بشبهة أو بنكاح فاسد.(م55)( ).

3-ألا يكون العاقد وكيلاً خالف موكله فيما وكله فيه.، ومثال ذلك أن أن يكون الوكيل مقيدا بشخص معين ، أو مهر محدد ، فإن خالف فالحكم كما يلى :
أ- إذا كان الموكل هو الرجل وحدد للوكيل امرأة معينة ، أو بمهر بمعلوم ، أو قيده بأحدهما فإن العقد ينفذ فى حق الموكل ما لم يتجأوز الوكيل الحدود التى قيده بها الموكل فلا ينفذ العقد إلا بإجازته ما لم يزوجه بأقل من المحدد ، فإن العقد ينفذ بدون إجازة الموكل لتحقق مصلحته فى دفع الأقل من المهر .
ب- إذا الموكل هو المرأة وحددت للوكيل رجلا معينا أو مهرا معلوما أو قيدته بأحدهما فإن الزواج ينفذ فى حدود هذه الوكالة وفى حالة المخالفة لا ينفذ إلا بإجازة الموكلة ، ما لم يكن فى المخالفة مصلحة لها ، ولكن إذا كان للموكلة ولى عاصب ، وكان الزواج من غير كفء فإنه لا ينفذ ، وإن من كفء ولكن بأقل من مهر المثل فالزواج صحيح نافذ ولكن لا يلزم الولى فله الاعتراض عليه ويطلب من القضاء فسخه ، ما لم يكمل الزوج مهر المثل .( )
4- ألا يكون العاقد فضوليًا.أى لا صفة له فى مباشرة العقد ، ويعتبر الوكيل فى ما جأوز حدود الوكالة فضوليا فيتوقف عقده على إجازة صاحب الشأن فإن أجازه جاز وإلا بطل .
بقى أن نقول إن القول بكل هذه الآثار المتعلقة بشروط النفاذ مبنى على القول بتقبل فكرة العقد الموقوف فى الزواج ، وقد قال بها الأحناف والمالكية ورواية عند أحمد ، أما أصح الروايتين عن أحمد‘فتوافق قول الشافعية ( ) الذين ينكرون هذه النظرية أصلاً ، متمسكين بحديث الخنساء أن أباها زوجها وهى كارهة فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم نكاحها " ولم يقل إلا أن تجيزى ما فعل أبوك ، مع حثه على طاعة الآباء ، فدل على أنها لو أجازت لم يجز "( ).
والحق فى رأيى مع الشافعية ، لأن العقد الموقوف فيه شبه التوقيت ، والتعليق على خطر الزوال ، وقد نهى الشارع عن التوقيت وما فى معناه كالتحليل ، واتفقوا على عدم صحة تعليقه على شرط أو إضافته إلى زمن .
يقول المأوردى فى رده على الحنفية ما مفاده : أن توقيت النكاح أقرب فى النظر من وقفه ، لأن للتوقيت شبها جائزا ، يقول " إن اشتراط لزوم النكاح إلى مدة أقوى من اشتراط لزومه بعد مدة ، لأن من العقود ما ينعقد إلى مدة كالإجارة ، وليس منها ما ينعقد بعد مدة ، فلما بطل باشتراط لزومه إلى مدة ، كقوله : تزوجتك شهرا ، كان أولى أن يبطل باشتراط لزومه بعد مدة ، كقوله تزوجتها على إجازتها ، لأنه إذا بطل بما له فى الصحة نظير فأولى أن يبطل بما ليس له فى الصحة نظير "( ).

رابعًا: شروط لزوم العقد:
ويراد بها الشروط التى تسقط حق أطرافه فى طلب فسخه ، والتحلل منه .
الشرط الأول: ألا تزوج البالغة العاقلة نفسها من غير كفء أو بأقل من مهر المثل. أي لابد من الكفاءة ، ومن غير خوض فى تفاصيل كثيرة فإننا نستطيع أن نقول باطمئنان ، بناء على استقراء نحسبه دقيقا، إنه يندر أن نجد من بين الفقهاء من لم يعتبر الكفاءة فى الجملة ، فآخر كلام العلامة ابن حزم – وهو حسبما يظهر أكثر الناس رفضا لاعتبار الكفاءة - آخر قوله " والذى نختاره فنكاح الأقارب بعضهم لبعض " ( ).، ومن كلام العلامة سحنون أشهر رواة فقه الإمام مالك " لأن الناس مناكح قد عرفت بهم وعرفوا بها "( ) والشافعى يقول فى الجديد " وليس نكاح غير الكفء بمحرم فأرده بكل حال ، إنما هو نقص على الزوجة والولاة " ( )
وعن الإمام أحمد أن الكفاءة شرط لصحة النكاح ، قال المردأوى " وهى المذهب عند أكثر المتقدمين ، قال الزركشى : هذا المنصوص المشهور ، والمختار لعامة الأصحاب من الروايتين ، وصححه فى المذهب ومسبوك الذهب والخلاصة ، قال ابن منجا فى شرحه : هذا المذهب وقطع به الخرقى ، وقدمه فى الهادى والرعايتين ، والحأوى الصغير ، وهو من مفردات المذهب"( ).

الأمور التي تعتبر فيها الكفاءة:
على الراجح فى المذهب الحنفى فإن الكفاءة تعتبر فيما يلى :
1- الدين- فليس غير المسلم كفئا للمسلمة فضلا عن حرمة نكاحه ، ولكن مما يثبته الحنفية وينكره عليهم جمهور العلماء أن للتناسل من غير المسلمين – كما لو كان الرجل دخل الإسلام دون أبويه أو كانت أمه غير مسلمة وإن كان أبوه مسلما أو كان جده غير مسلم – أثر فى عدم الكفاءة ، يقول أبو حنيفة " عدم تكافؤ الآباء ينفى تكافؤ الأبناء ( ) وجمهور العلماء يخطئونه ويقولون فضل النسب يتعدى ، وفضل الدين قاصر ، وأن الصحابة رضوان الله عليهم ، أكثرهم أسلموا وكانوا أفضل الأمة ، وكان آباؤهم على غير الإسلام ، فهل يجوز أن يقال إنهم غير أكفاء للتابعين؟!!( )
أما التدين بالحرص على الطاعات واجتناب النواهى فلم " ينقل عن أبى حنيفة رحمه الله شئ من ذلك ، والصحيح عنده أنه غير معتبر "( ) واختلف النقل عن محمد ، فقيـــــل لا يمنع الفسق الكفاءة إلا إذا كان صاحبه متهتكا يُصفعُ ويسخرُ الناس منه ، ويخرج سكرانا إلى الأسواق والشوارع ، وقال أبو يوسف يمنع إن جهر بنفسه ( ).

2- النسب. والمعتبر فى ذلك هو العرف الجارى فى بلد الزوجين الذى يحدد ما إذا كانت الزوجة تعير بنسب زوجها من عدمه ، وبخاصة مع تغير البيئات والمجتمعات والأوساط المعيشية للناس من عصر لآخر .
3- الصنعة أو الحرفة ، ومعيار شرف الحرفة من عدمه متروك لتقدير القاضى حسب الجارى فى بلد الزوجين ، فعلى ماذكر السرخسى من تعليل رأى أبى يوسف فى رد حرفة ما .... قال السرخسى " وكأنه - يعنى أبا يوسف - اعتبر العادة فى ذلك " ( )
4- المال : فالأحناف يقولون " إن من لا يقدر على مهر امرأة ونفقتها لا يكون كفؤا لها ، لأن المهر عوض بضعها ، والنفقة تندفع بها حاجتها ، وهى إلى ذلك أحوج منها إلى نسب الزوج "( ).وفى رأى بعض المعاصرين أنه يمكن أن يكون للعرف دور فى تحقيق الكفاءة المالية ، فيعتبر الابن كفئا بيسار أبيه ( ) .

وأبرز أحكام الكفاءة :
أ- وقت اعتبارها : الكفاءة معتبرة حال العقد ، فإن كان الرجل كفئا للمرأة عند العقد ثم تغيرت حاله بعده فليس لها ولا لأوليائها حق الاعتراض " لأن النكاح قد تقرر فلا يفسخ بهذه الأمور العارضة ، ولا عار فى بقاء المرأة مع زوجها وإن تغيرت حاله ، بل هو الصبر والرضى بحكم القدر ، وهما أمران محمودان " ( ) .
ب-الجانب الذى تعتبر فيه الكفاءة
ينص الفقهاء على أن الكفاءة معتبرة فى الرجل دون المرأة ، فالشرط أن يكون الرجل كفئا للمرأة ، ولا يلزم أن تكون المرأة كفؤا للرجل ، وعلة ذلك أن المرأة تعير بضعة زوجها ، وتشرف بشرفه ، ولا يسهل عليها الخلاص منه فالطلاق بيده وحاجتها من المهر والنفقة إليه ، وهذا بخلافه فهو الأسبق بالاختيار عادة ، ويملك طلاقها ولا يناله منها ضرر( ) ، وفى الحديث الصحيح " من كانت عنده جارية فعلمها وأحسن تعليمها ، وأحسن إليها ثم اعتقها وتزوجها فله أجران " ( ) .
ج - واستثناء من هذه القاعدة اعتبر الأحناف الكفاءة فى جانب المرأة فى حالتين ( )
1- إذا زوج غير الأب والجد صغيرا بمن لا تكافئه ، فإن الزواج لا يصح رعاية لحق الصغير وهو فرض مستبعد – الآن - فى الزواج الموثق لاشتراط السن كما ذكرنا .
2- إذا زوج الوكيل موكله بامرأة لا تكافئه ففى هذه الحالة لا ينفذ العقد استحسانا ، لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا ، والغالب فى العرف أن يحرص الراغب على الزواج بمن تكافئه .
د - صاحب الحق فى الكفاءة
الذى عليه الجمهور أن الكفاءة حق للمرأة ولوليها العاصب ،( ) ويثبت هذا الحق لكل منهما على حدة ، بحيث لو أسقطه أحدهما لم يسقط حق الآخر فمثلا إذا زوجت المرأة نفسها – وفق مذهب أبى حنيفة – بغير كفء ، ولم تشترط الكفاءة ، أو علمت أنه دونها فى المنزلة ورضيت ، سقط حقها فى الاعتراض ، ولم يسقط حق وليها ، وكذلك إذا زوجها وليها بغير كفء سقط حق الولى فى الاعتراض وبقى حقها هى ، ما لم يشترط الولى الكفاءة ، أو أخبرهم بها وقت العقد فزوجوها على ذلك ثم ظهر أنه غير كفؤ ( ). والأمر هين إن كان للمرأة ولى وأحد ، ولكن إن تعدد الولاة وكانوا على درجة وأحدة كالأخوة مثلا أو الأعمام فهل يكفى رضاء البعض أم لابد من رضاء الجميع ؟ ( ).
جمهور العلماء يقولون برضاء الجميع ، فلو رضوا به إلا وأحدا كان للوأحد حق الاعتراض لما يلحقه من عاره .
ويرى الحنفية أن رضاء أحدهم يكفى لأن اشتراط الكفاءة حق لا يتجزأ ، وعلى رأى أبى حنيفة يجرى العمل فى القضاء المصرى .
******************

الشرط الثاني من شروط لزوم الزواج :
أن يكون الولي الذي يزوج فاقد الأهلية أو ناقصها أباه أو جده ، فإن كان المزوج غيرهما فللزوج – الرجل أو المرأة حسب الحالة – فسخه عند اكتمال أهليته .

أما شرط ألا يكون بالزوج عيب مستحكم لا تعيش معه الزوجة إلا بضرر (كالجب والعنة والخصاء) فهو معتبر على رأى جمهور العلماء ، أما على راى الحنفية فإنه يجيز للمرأة طلب الفرقة بالطلاق ، لأنها بسبب يرجع إلى الزوج ، فكان الواجب عليه أن يطلق حتى لا يظلم وقد أخذ القانون 25 لسنة1920 بمذهب الحنفية فنص فى المادة 10 على أن { الفرقة بالعيب طلاق بائن } .


**********************






خامســـا
الشروط القانونية
تمهيد:
بالإضافة إلى أركان الزواج وشروطه التي جاءت بها الشريعة الإسلامية وأخذها الفقهاء من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.جاءت القوانين المعاصرة ومنها القانون المصري بشروط قانونية يرجى من تقريرها تحقيق المصلحة العامة. وهو أمر سائغ متى كان في إطار الأصول الشرعية لأن الله تبارك وتعالى أنزل أحكام الشريعة تحقيقًا لمصالح العباد.

وفى استعراض قضية الشروط القانونية يقول المستشار حسن منصور : ( )
المقصود بالشروط القانونية هى تلك الأمور التى تطلبها المشرع القانونى لسماع الدعوى الناشئة عن عقد الزواج فى حالة الإنكار أمام القضاء . وعلى ضوء ذلك فإن هذه الأمور يجب أن تكون محددة بنص تشريعى صادر من الجهة المختصة بإصداره وهى المجلس النيابى الممثل فى مجلس الشعب باعتباره نائباً عن ولى الأمر فى سن التشريعات التى تنظم مصالح الناس فى المجتمع.
فإذا كانت الدعوى كما يقول عنها فقهاء قانون المرافعات هى سلطة لصاحب الحق المعتدى عليه فى الحصول على الحماية القضائية لحقه فإنه يجب أن تتوافر فيها عدة شروط لكى تنتج آثارها فى تحقيق الحماية القضائية لحقه فإنه يجب أن تتوافر فيها عدة شروط لكى تنتج آثارها فى تحقيق الحماية القضائية، وهذه الشروط كثيرة ومتعددة ومبسوط شرحها فى كتب فقه قانون المرافعات ومن بين هذه الشروط التى تتعلق بموضوع الزواج شرط قبول الدعوى الذى يقصد به أن تكون الدعوى قد استوفت شروط الاختصاص القضائى بأنواعه المختلفة ( ولائى وقيمى ومحلى) وشروط قبولها ولكن المشرع يمنع القاضى من سماعها لسبب محدد بنص القانون
و يذكر بعض الفقهاء الشروط القانونية المتعلقة بإثبات عقد الزواج بالمقابلة بالشروط الأخرى التى يطلقون عليها الشروط الشرعية لعقد الزواج وحقيقة الأمر أنه لا تقابل بين هذه الشروط وتلك لأن جميع هذه الشروط شرعية بحكم مصدرها الوأحد وهو الكتاب العزيز والسنة النبوية المطهرة فالمشرع الذي وضع الشروط القانونية استمدها من سلطته الشرعية كولى أمر المسلمين المكلف برعاية مصالحهم يسن التشريعات التى تحقق هذه الرعاية، وقد أوجب الله على كل مسلم طاعته لأنها طاعة الله ورسوله بمقتضى قول الحق تبارك وتعالى " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم " ( سورة النساء: الآية59) فضلاً عن ذلك فإن أى تشريع متعلق بأى مسألة من مسائل الأحوال الشخصية مستمد من أحكام الشريعة الإسلامية ومن ثم كانت جميع الشروط المتعلقة بعقد الزواج شروطاً شرعية ولكن عبارة الشروط القانونية فقط لبيان أنها مستحدثة نظراً لمقتضيات العصر وأن المشرع القانونى صاغها فى أسلوب تشريعى معين تسهيلاً لإجراءات التقاضى وتيسيراً على القاضى فى إثبات الحقوق المعروضة عليه والناشئة عن عقد الزواج، بل ويمكن الاستغناء عن لفظ القانونية ونكتفى بعبارة شروط إثبات عقد الزواج وخاصة أن العقود الأخرى كعقد البيع وغيره لا يقال عن شروطه أنها الشروط القانونية لعقد البيع لأنه من المعلوم أن مصدر هذه الشروط هو القانون . ولكن من باب خطأ شائع خير من صواب مهجور نختار لدراسة هذه الشروط تسميته القانونية لشروط وضعها المشرع استمداداً من الشريعة الغراء لإثبات عقد الزواج.
و حقيقة الواقع أن هذه الشروط ليست لازمة لعقد الزواج عند تكوينه أو عند نفاذه بل هى متطلبة عند الخلاف علىلزومه أو نفاذه ، و بعبارة أخرى فإن عقد الزواج ينفذ ويرتب آثاره تلقائياً بمجرد انعقاده صحيحاً وبالتالى لا حاجة إلى شيء آخر للحصول على الحقوق والواجبات الناشئة عنه ولكن إذا لم يحدث هذا النفاذ التلقائى لعقد الزواج فإن المشرع الوضعى تدخل وأوجد شروطاً يمكن تسميتها بالشروط القانونية لإثبات هذا العقد حتى يتمكن الطرف الذى لم يحصل على حقوقه تلقائياً من العقد أن يصل إليها عن طريق القضاء . أى أن مجال إعمال الشروط القانونية المتعلقة بعقد الزواج هو بعد أن يصل الأمر إلى ساحات القضاء وليس قبل ذلك، ولهذا فإن الوصف المناسب لهذه الشروط أنها متعلقة بسماع الدعوى القائمة على أساس عقد الزواج سواء كانت هى الزوجية نفسها أو أى حق أو واجب ناشئ عنها
ويمكن إجمال فوائد هذه الشروط فيما يلى:
1- المحافظة على حقوق الزوجين المترتبة على عقد الزواج باعتبار أن هذا العقد هو الرابطة بين الطرفين ولا يستطيع أحدهما إنكارها وحتى إذا أنكرها فإنه يكون مجرداً عن الدليل وحينئذ لا يأخذ القاضى بإنكاره بعد أن ثبت عقد الزواج، وهذه الحقوق كثيرة ومتنوعة وفى ضياعها خسارة كبيرة لكل طرف فى عقد الزواج .
2- القضاء على ظاهرة رفع الدعأوى الكيدية المتعلقة بالزواج والتى كانت قد انتشرت قبل تشريع هذه الشروط والتى كان يتضرر منها الكثير من أفراد المجتمع فكان هناك من هو سيء النية يلجا إلى المحكمة طالباً إثبات ما ليس له حق به بإدعاء علاقة زوجية وهمية وإقامة الدليل عليها بطرق سهلة الإثبات ولا سيما إذا استعان بشهود زور فى زمن خربت فيه الذمم.
3- التخلص من الأضرار الصحية والاجتماعية والنفسية الناجمة عن الزواج المبكر بين الجنسين بسبب صغر السن لكل من الزوجين، حيث لا تسمح مثل هذه السن الصغيرة بتكوين أسرة كثيرة الأعباء فى حياة طابعها القسوة فى شتى مناحيها "
و يذكر للمقنن المصرى أنه كان حذرا جدا من الوقوع فى فخ مخالفة الشرع الإسلامى بتقرير شروط ، أو ترتيب آثار لم يأذن بها الشرع ، واحتال فى تقرير الشروط القانونية بما يحقق الهدف المنشود ، أو يدفع أكبر قدر من المفسدة دون خروج صريح على المعتمد عند أكثر فقهاء السلف ، ومثل هذا الصنيع ترى فيه محكمة النقض المصرية فى حكم قديم لها حنكة تشريعية ترعى المصلحة ولا تعود عليها بالإبطال ، وكما تقول " ولكن مهما تكن تلك التدابير ، فلا يجوز قطعا – والكلام لمحكمة النقض المصرية – أن تصل إلى تحريم الزواج على من لم يبلغ تلك السن ، وإلا كان الشارع معاندا للطبيعة ، فلا تلبث أن تثأر لنفسها بإحباط عمله ، ومقابلته بفشو الزنا بين صغار السن ، ويصبح وقد وقع فعلا فيما يريد اتقاءه ، وزاد عليه كثرة النسل الضعيف من الأولاد غير الشرعيين ..... وعلى هذا فإن " من يعقد عقدا مستوفيا شروطه الشرعية الأساسية – مهما تكن سنه – فعقده صحيح ديانة ، وبل وصحيح قانونا فى غير ما نص على اعتباره فيه ، وهو مجرد عدم سماع الدعوى به لأنه لو لم يكن كذلك لاعتبرت مقاربة الزوج للزوجة الصغيرة هتك عرض معاقبا عليه .. وهذا لا يستطيع أن يقول به أحد " ( ).
وحيث لا نود الدخول فى تفصيلات كثيرة فإننا ننبه على أبرز الشروط القانونية التى تلزم قوانين الأحوال الشخصية المتتالية بمراعاتها فى عقد الزواج ، مبرزين الأثر الأهم على تخلفها .
**************************

الشروط التي يجب مراعاتها عند إبرام عقد الزواج
الشروط التي يجب مرعاتها عند إبرام عقد الزواج حتى يمكن الاعتراف به قانونًا هي:
1- توثيق عقد الزواج:
قبل صدور القوانين واللوائح الموجبة للتوثيق كانت عقود الزواج تبرم بصدور صيغة عقد الزواج بعنصريها مع توافر سائر الشروط الأخرى.
وقد صدر المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 1931 ونص في الفقرة الرابعة من المادة 99 منه على أنه: (لا تسمع عند الإنكار دعوى الزوجية أو الإقرار بها إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة زواج رسمية في الحوادث الواقعة من أغسطس سنة 1931.... } وتأكد حرص المقنن المصرى على هذا النهج بالنص عليه فى الفقرة الثانية من المادة 17 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى الصادر بالقانون 1 لسنة 2000 .، وإن كان الأخير قد تلافى ما كان يمكن أن يوجه إلى لائحة المحاكم الصادرة بالقانون 78 من احتمال تخصيص الوثيقة بالوثيقة الصادرة من الموثق المختص بتوثيق عقود الزواج دون غيره ، وفتح الباب لدخول كافة الوثائق الرسمية فى الاعتبار وذلك بحذف كلمة زواج من النص وورود العبارة بلفظ ( لاتقبل ...... إلا إذا كانت ثابتة بوثيقة رسمية ... )
ومعنى ذلك أن القانون المصري و من التاريخ الأول – صدور المرسوم بقانون 78/1931 - يتحفظ على الزواج غير الموثق في ورقة رسمية لكنه التحفظ الذى لا يصل إلى حد إبطال هذا الزواج ، وإنما يكتفى بوضع العراقيل فى طريقه فيهدد بما يكتنفه عدم التوثيق من أخطار وبخاصة عند إنكارها من قبل الطرف الآخر المدعى عليه .


والسؤال الأول الذى يفترض هنا أنه إذا كانت النصوص الشرعية لم تتكلم عن التوثيق، كما أن الفقهاء لم يذكروا شيئًا عنه، فهل يعتبر القانون المصري مخالفًا للشريعة في هذا؟
لقد جاء القانون المصري بهذا الشرط بقصد تحقيق المصلحة؛ لاسيما وأن كثيرا من أحوال الناس قد تغير فاهتزت الضمائر واختلت القيم وضعف الوازع الدينى وغدا احتمال ادعاء الباطل بما لم يكن ، أو التنكر لما هو كائن بالفعل هو الاحتمال الأكبر فاستدعى الأمر التدخل بالحض الشديد على التوثيق والتهديد من الأخطار التى تكتنف الزواج عند تخلفه ، ولم يكن
القدماء بحاجة إلى مثل ذلك حيث كان التزامهم بمبادئ الإسلام الدين الحنيف ظاهرا وواضحا. فالكل كان يؤدي واجبه ويعترف بما له وما عليه.
لذا أصبحت الضرورة داعية إلى تدوين عقود الزواج وتوثيقها في ورقة رسمية ضمانًا لحقوق الزوجة والأولاد وحتى لا تكون هناك ثغرة يتلاعب من خلالها أولئك الذين لا خلاق لهم ولا دين ولا إيمان.، ولعل فى تعقيب القرآن الكريم فى توثيق الدين بالكتابة أو الشهادة أو الرهن بقول الله تعالى { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى أؤتمن أمانته ... الآية } ما يسوغ اشتراط التوثيق عند ضعف الأمانة، بل هو فى الزواج أنسب إذ لا يختلف الفقه أن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان ، وقد أمر الله أو ندب على اختلاف آراء العلماء ( ) بالإشهاد فى المعاملات المالية ، قال سبحانه " وأشهدوا إذا تبايعتم " ( ) " لمصلحة حفظ الأموال والديون " ( ) ومراعاة صلاح ذات البين ، ونفى التنازع المؤدى إلى فساد ذات البين ، لئلا يسول له الشيطان جحود الحق وتجأوز ما حد له الشرع ، أو ترك الاقتصار على المقدار المستحق"( ) وهذا وحده كاف فى اعتبار التوثيق فى الزواج لأنه أولى لما يتعلق به من الحل والحرمة والحد والنسب ، فإذا أمر – أو ندب – إلى الاحتياط فى الأقل فالاحتياط فيما هو أعلى أوجب أو أكثر استحبابا.
ومن هنا فإن علماءنا يوصون " بالتوثيق حتى لا يكون هناك مجال للتلاعب وتعريض الأعراض والأولاد للضياع ومقالة السوء "( ) وأكاد أحس فى عبارة العلامة الشيخ أبى زهرة رحمه الله الدعوة إلى اعتبار الكتابة شرطا فيه ، يقول تحت عنوان " عقد الزواج عقد شكلى " :
" عقد الزواج ينفى الشارع اعتباره ، ولا يرتب أحكامه ، ولا يظللها بحمايته بمجرد تراضى الطرفين عليه ، بل لا بد من الشهر والإعلان ، بالشهادة على مذهب الجمهور ، وبغيرها معها على المشهور عند مالك  ، فهو إذن عقد شكلى ، وإن كان الرضا أساساً فيه عند جمهور الفقهاء . "( ).

وكما قلنا فإن القانون المصري لم يقل ببطلان الزواج غير الموثق وإنما حرم أطرافه من الحماية القانونية التي أضفاها علي عقود الزواج الرسمية ، حيث كان يكتفى فى لائحة تنظيم المحاكم الشرعية - الصادرة بالقانون 78 لسنة 1931 المذكور آنفا - بعدم سماع دعوى الزواج غير الموثق أمام القضاء – فى حال الإنكار - مما يستتبع عدم الاعتراف بأي أثر من آثار هذا الزواج.، إلا النسب ‘ – فالنسب لا يتوقف على ثبوت عقد الزواج ، وسنوضح هذه الاستثنائية لاحقا - .
وبصدور قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى الأحوال الشخصية الصادر بالقانون 1 لسنة 2000 ضيق المقنن المصرى من دائرة المنع من سماع الدعوى – أى رفضها – من جانبين هامين جدا :
1- أنه قصر المنع من سماع الدعوى للسن أو لعدم التوثيق على الدعأوى الناشئة عن عقد الزواج ، أما الدعأوى التى تتعلق بانعقاد عقد الزواج ، أو بشروط صحته أو بشروط نفاذه أو لزومه ، سواء رفعت من الزوج أو الزوجة ، فنص المادة 17 من القانون الجديد ، المذكور ، لم يتنأولها ، وليس حكمها باقيا على حكم المادة 99 /4 من اللائحة لأن قانون إصدار قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى - القانون 1 لسنة 2000- قد ألغى بمادته الرابعة عدة قوانين أولها نص المادة الرابعة لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة بالمرسوم بقانون 78 /1931 ، وبذاك يكون ادعاء الزوجية ذاتها مسكوتا عنه ، فيرجع فيه إلى أرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة بمقتضى الإحالة المقررة بالمادة الثالثة من قانون الإصدار المذكور ، وليس فى مذهب الحنفية ما يمنع من سماع ادعاء الزوجية أو طلب إبطالها أو فسخها لتخلف شرط من شروط الزواج بسبب عدم بلوغ السن ، أو غياب التوثيق .
2- واستثنى صراحة دعوى التطليق أو الفسخ فى الزواج الثابت بأية كتابة وذلك بالنص عليه فى عجز الفقرة الثانية من المادة 17.
وحسب إحصاء المستشار نصر الجندى – ونحن نؤيده – فإن هذا النص يشمل :
أ‌- دعوى التطليق لعدم الإنفاق .
ب‌- دعوى التطليق للعيب .
ج- دعوى التطليق للضرر .
د- دعوى التطليق للزواج بأخرى .
ه- دعوى التطليق لاحتدام الخلاف بين الزوجين .
و- دعوى التطليق لغيبة الزوج أو حبسه .
ر- دعوى إثبات إيقاع الطلاق .
ز- دعوى التفريق لبطلان الزواج أو فساده .
ن- دعوى التطليق للردة .
فهذه الدعأوى جميعها هى دعأوى تطليق . ( ) .

****************


س: وأين ومتى وكيف يتم توثيق عقد الزواج؟
ج: الوضع الغالب أن يتم توثيق عقد الزواج أمام الموظف المختص بذلك قانونًا.
والموظف المختص بتوثيق عقود الزواج هو المأذون بالنسبة لعقود الزواج التي يبرمها المصريون داخل البلاد متى كان الزوجان مسلمين.
أما إذا كان الزوج مسلمًا والزوجة كتابية فإن مكاتب التوثيق هي التي تقوم بإجراء العقد وتوثيقه.
وإن كان الزوجان مصريين غير مسلمين ومتحدى الطائفة والملة فالموظف المختص هو الموثق المنتدب لذلك .
وأما بالنسبة لعقود الزواج التي تبرم خارج البلاد فإن الموظف المختص بتوثيقها هو الممثل الدبلوماسي والقنصلي.
أما متى يتم توثيق العقد، فإن هذا التوثيق يتم فور الانتهاء من الصيغة الصادرة من أطراف العقد حيث تنهى المرحلة اللفظية وتبدأ المرحلة العملية لكي تأخذ هذه الصيغ طريقها إلى التنفيذ واعتراف المجتمع كله بهذا العقد.
ومع هذا فإنه يجب أن يعلم أن المراد بالوثيقة الرسمية المذكورة بالمادة 17 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى ما هو أعم من تلك الوثيقة المعروفة التى تحرر بمعرفة المأذون فيدخل "فى مفهوم هذه الوثيقة كل ورقة رسمية أسبغ عليها القانون حجة بشأن ما يثبت فيها ، فقد تكون الوثيقة الرسمية وثيقة زواج .... إنشائية ، أو تكون بطريق التصادق على الزواج – بمعنى أن الزواج حصل عرفيا ثم ذهب الطرفان والشهود إلى المأذون فأثبتا زواجهما مسندا إلى تاريــخ سابق على تاريخ إثباته – وكلا الاثنين يطلق عليه وثيقة زواج ، وعلى هذا الأساس كل إنشاء زواج ، أو تصادق عليه ، يثبته القاضى فى مضبطته ، أو محضره ، أو أثبته المأذون فى دفتره ، أو القنصل فى سجله ، كان ذلك وثيقة رسمية بالزواج أو التصادق عليه " ( ).
**************

س: وهل هناك سن معينة اشترط القانون بلوغ الزوجين هذه السن حتى يتمكن الموظف المختص من توثيق العقد؟
ج: نعم ، القانون المصري يمنع من توثيق عقد الزواج إذا كان الزوجان أو أحدهما يقل سنه عن تلك التي حددها القانون. وهي بالنسبة للفتاه ست عشرة سنة، وبالنسبة للفتى ثمان عشرة سنة.
ويعد القانون رقم 56 لسنة 1923م والذى صدر بتحديد سن الزواج بالحد الذى بينا هو الأول من نوعه فى مصر والعالم العربى ، وقد تلته نصوص فى لوائح المأذونين المتوالية فى مصر كما كان إماما يقتدى به لسلسلة النصوص التى وردت بتقييد سن الزواج فى أقطار العالم العربى من بعد ، غير أن أكثر القوانين العربية نزلت بسن الفتاة إلى خمس عشرة سنة ، والفتى إلى سبع عشرة سنة ، وتطرف القانونان اللبنانى و الليبى فجعلا السن لكليهما عشرين سنة ، وإن أجازا للمحكمة أن تأذن بالزواج قبل بلوغ – الرجل أو المرأة - هذه السن لمصلحة تقدرها المحكمة أو لضرورة تلجىء إلى ذلك بعد موافقة الولى ، كما تطرف القانون السودانى ولكن إلى أسفل فحدد الحد الأدنى لسن الزواج ببلوغ عشر سنوات لكل من المميز – الصبى – والمميزة – الفتاة ، على أن يكون العاقد هو الولى ، وتكون هناك مصلحة راجحة تدعو إلى التبكير ، بشرط كفاءة الزوج ، ومهر المثل .
ولعل تحديد السن بست عشرة سنة للفتاة وثمان عشرة سنة للفتى مناسب جدا ، بل إن بعض الدول غير المسلمة تقبل الزواج دون هذه السن ، ومن ثم فإننا نضم صوتنا إلى صوت المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون العربى الموحد - ص 65 – ونقول مع واضعيها منذ ستينات القرن الماضى ليس " ثمة ما يدعو إلى رفعها بحجة عدم استقرار الزوجية قبل سن العشرين ، كما يريد بعضهم بحجة التقليد فى التقدمية ، وبقصد تحديد النسل ، تحقيقا لمقاصد الذين يسوءهم كثرة النسل فى الدول العربية ، فلا يخفى أن رفع الحد لسن الزواج أكثر من هذه الحدود الطبيعية التى أخذ بها المشروع – 16 سنة للبنت ، 18 سنة للولد – ليس تقدمية ، فقد رأينا أن معظم دول العالم التى يراد تقليدها فى التقدمية أخذت بأقل من هذه السن التى حددها المشروع ، كما أن تحديد النسل ممكن للحريصين عليه فى ظل الزوجية ، فلم يبق من ثمرة لرفع الحد الأدنى لسن الزواج عن هذا الحد الطبيعى – إلا دفع الشباب إلى سبل المفاسد دون تحميلهم أعباء تأسيس الأسرة ، ونتيجة ذلك هدم كيان الأسرة " .
وتحديد هذا السن يوافق روح الشريعة ويعد من باب تخصيص القضاء ، ويحث على عدم العجلة بالزواج قبل السن التى يرجى معها أن يحفظ الزوجان زواجهما من انفعالات المراهقة المبكرة ، ويخشى من الزواج قبلها أن تتسرب الفتاة خصوصا من التعليم وفى هذا ضرر ، فرؤى من الأنسب تحديد السن على هذا النحو ، وقد نشرت جريدة النبأ المصرية فى عدد 17 أكتوبر 1999 ص 18 أن دراسة اجتماعية تؤكد طلاق 90 تسعين ألف امرأة سنويا فى مصر ، وأن معدل الطلاق ارتفع عام 1993
إلى 7 0/0 بعد أن كان عام 1992 6 0/0 من عدد الزيجات كل عام وأرجع الخبراء ذلك إلى مشكلة الزواج المبكر ، ويتضح هذا الأمر فى الشريحة العمرية من 15 إلى 19 عاما ، وهى مرحلة المراهقة التى تعنى قلة الخبرة والنضج الاجتماعى لكلا الزوجين وبالتالى تكون النهاية دائما هى القرار المتسرع بالانفصال .

والحاصل فى ضوء ذلك كله أن واقع الحياة الآن لا يسمح مطلقًا بزواج دون هذه السن حتى من غير وجود هذا القانون.

*******************

ولكن ما هى الآثار التى يمكن أن تترتب على عدم توثيق الزواج ؟
والجواب : بصريح نص الفقرة الثانية من المادة 17 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية فإنه " لا تقبل عند الإنكار الدعأوى الناشئة عن عقد الزواج فى الوقائع اللاحقة على أول أغسطس 1931 ما لم يكن الزواج ثابتا بوثيقة رسمية ، ومع ذلك تقبل دعوى التطليق أو الفسخ بحسب الأحوال دون غيرهما إذا كان الزواج ثابتا بأية كتابة . "
وواضح من النص أن أثر عدم التوثيق يظهر بوجه أخص عند الإنكار ، وكما جاء فى حكم لمحكمة النقض المصرية فإنه " لما كان ذلك وكان ثبوت زواج المطعون ضده بالطاعنة الأولى هو الأساس الذى يبنى عليه المطعون ضده طلباته ، سواء الطلب الأصلى بإبطال عقد زواج الطاعنين ، أو الطلب الاحتياطى بالتفريق بينهما ، فيعتبر الادعاء بالزوجية مطروحا ضمن حق آخر ، ومتى كانت هذه الزوجية المدعى بها غير ثابتة بوثيقة رسمية ومنكورة من جانب الطاعنة الأولى فإن الدعوى المؤسسة على ثبوتها تكون غير مسموعة " ( ) .
فإن ضم إلى ذلك أن عدم التوثيق قد يرجع لامتناع الموظف المختص عنه بسبب صغر أحد الزوجين أو كليهما عن السن المحددة قانونا ، وافترضنا أن سن أحدهما عند رفع الدعوى لم تزل دون السن المحددة قانونا فإن كافة الدعأوى الناشئة عن عقد الزواج لا تقبل ، وإن كان طرفا الدعوى يقران بالزواج لا ينكرانه ، وقد قضى بأن النهى عن سماع دعوى الزوجية فى قانون تحديد سن الزواج هو نهى مطلق غير مقيد بحالة إنكار المدعى عليه ، وأن دعوى الزوجية فى هذا القانون عام يشمل دعوى عقد الزواج ، وأى دعوى بحق مترتب على عقد الزواج كدعوى النفقة أو دعوى الميراث . كما كانت تشمل – فى ظل المادة 99/ 4 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية - كل دعوى تتعلق بانعقاد عقد الزواج ، أو شروط صحته أو نفاذه أو لزومه ، كما تشمل الدعوى أيضا النزاع حول تأبيد عقد الزواج ، بأن يُدًعى أن عقد الزواج قد اقترن بما يدل على تأقيته صراحة ، ومثل هذا العقد – المؤقت – حكم الفقهاء ببطلانه كما حكموا ببطلان نكاح المتعة ، كل ذلك لا تسمع به دعوى بصريح منشور وزارة الحقانية الصادر بتوضيح النص المحدد للسن فى شرط سماع الدعوى . ولم يكن هناك استثناء على المنع من السماع هذا إلا فى دعوى ثبوت نسب الطفل من الزوج فى الزواج غير الموثق ، ودعوى استحقاق المهر على هذا الشخص ، فالدعوى بهذين الأمرين مسموعة وإن لم يوجد المؤيد لسماع دعوى الزوجية ، لأن القاضى لا يسمع فى ضمن الدعوى بهما دعوى زوجية ، بل يسمع دعوى وطء بشبهة ، والنسب يحتاط لثبوته ،فيثبت بالوطء بشبهة ، وفى الوطء بشبهة استوفى الرجـــــل منافع البضع – أى الاستمتاع بالمرأة - فلزمه البدل من أجل ذلك .( )
وكما بينا قبلا فإن بعض الفقه ونحن معهم على أن المادة 17 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية إذ وردت بلفظ " لا تقبل .... الدعأوى الناشئة عن عقد الزواج .. " فإنها بذلك تكون قد سكتت عن المسائل الخاصة بعقد الزواج ذاته ، فيقضى فيها بأرجح الأقوال فى مذهب الإمام أبى حنيفة ، وليس فى المذهب كما قلنا منع من قبول الدعوى المتعلقة بانعقاد الزواج ، أو بشروط صحته أو نفاذه أو لزومه لعدم توثيقها .
وكما ذكرنا فإن دعوى التطليق أو الفسخ دون غيرهما تقبلان متى كان الزواج ثابتا بأية كتابة حسبما نص على ذلك صراحة فى عجز الفقرة الثانية من المادة 17 .
ويجدر بنا هنا أن ننبه إلى جملة من الأمور :
1- أن الإنكار المانع من سماع الدعوى مما يصح نفيه بكافة طرق الإثبات، فلمن لم تقبل دعواه بسبب عدم توثيقها، مع إنكار المدعى عليه الزواج، أن يدفع هذا الإنكار بكافة طرق الإثبات، فله أن يدفع صدوره أصلا، أو يثبت أن صدوره كان خارج مجلس القضاء، أو يثبت إقرارا سابقا ينفى هذا الإنكار، ولو كان قد صدر – الإقرار – خارج مجلس القضاء متى كان يمكن إثباته قانونا . ( ) .
2- لا عبرة بالإقرار بالزوجية غير الموثقة متى كان الزوجان أو أحدهما دون السن القانونية لسماع دعأوى الزواج وقت رفع الدعوى ، لأن " منع سماع الدعوى ليس مبنيا على بطلان الحق ، وإنما هو – وعلى ما جرى عليه قضاء النقض – نهى للقضاء عن سماعها قصد به قطع التزوير والحيل ، وهو على هذه الصورة لا أثر له على أصل الحق ، ولآ يتصل بموضوعه ، وإنما يقتصر حكمه على مجرد سماع الدعوى أو عدم سماعها " ( )
ومقتضى ذلك أن عدم القبول المقرر بالفقرة الأولى من المادة 17 موجه للقاضى يقضى به من تلقاء نفسه ، وهو غير مقيد بحالة إنكار المدعى عليه .
3- أن الإقرار المعتبر لسماع الدعأوى الناشئة عن الزواج هو الإقرار الذى يحصل فى مجلس القضاء ، أو يحصل خارجــــه ولكن فى ورقة رسمية أمام جهة رسمية مختصة بتوثيق عقود الزواج ، فإن كان الإقرار أمام غيرها فلا يؤخذ به ولا يعول عليه . ( ) .
4- أن الكتابة المقبولة فى حكم المادة 17/ 2 هى الكتابة التى تتوافر لها حجية ملزمة بين طرفيها ، وعلى القاضى مسئولية كبيرة لاستخلاص صلاحية الورقة لأن تكتسب حجية ملزمة لأن ما ثبت بها يتعلق بالحل والحرمة . ( )

واجمالا فإن مقتضى وشرائط الفقرة الثانية من المادة 17 يختصر فيما يلى :
أجازت الفقرة الثانية من المادة (17) قبول دعوى التطليق أو الفسخ بحسب الأحوال دون غيرها من الدعأوى إذا كان الزواج غير موثق بشروط معينة هى :
1- أن يكون الزواج – غير الموثق – ثابتاً بأية كتابة : فلا تكون دعوى التطليق أو الفسخ مقبولة إذا لم تكن هناك كتابة تدل على قيام تلك العلاقة، كأن تطلب المدعية التطليق أو الفسخ وترتكن فى إثبات وجود العلاقة إلى شهادة الشهود ، والمقصود بأن يكون الزواج ثابتاً بأية كتابة، أن تكون هناك كتابة دالة عليه، وينصرف ذلك إلى وجود وثيقة الزواج العرفى أو وجود مكاتبات أخرى قاطعة بوجود الزوجية وإن لم تكن هذه المكاتبات قد أعدت لإثبات الزوجية. مثال ذلك: أن يكون هناك حساب مشترك بين الطرفين لدى أحد البنوك وقد وقع عليه الزوج بهذه الصفة، أو توقيعه على محضر شرطة قرر فيه أن علاقته بالطرف الآخر هي علاقة زوجية فمثل ذلك يعد إقرار غير قضائى بقيام الزوجية .
صورة العقد المحرر العرفى الذى يصح التمسك به فى طلب التطليق أو الفسخ :
وفقا لنص المادة 14 من قانون الإثبات المصرى فإنه " يعتبر المحرر العرفى صادرا ممن وقعه مالم ينكر صراحة ما هو منسوب إليه من خط أو إمضاء أو ختم أو بصمة "
ومن احتج عليه بمحرر عرفى وناقش موضوعه لا يقبل منه إنكار الخط أو الختم أو الإمضاء ، أو بصمة الإصبع ،وحسب المادة 14/3 إثبات ( فإذا أنكر المدعى عليه الخط أو الإمضاء أو الختم أو بصمة الإصبع تعين تحقيق ذلك طبقا لما هو وارد بالمادة 30 إثبات ) و بذلك قضت محكمة النقض المصرية فى الطعن ( مدنى ) رقم 810/ 54 قضائية ، بجلسة 20/12/ 1991 .
ولا يشترط أن يكون المحرر مكتوبا كله أوجزءا منه بخط المدعى عليه ، بل يكفى أن يكون موقعا بخطه أو ممهورا بإمضائه ، أو ببصمة إصبعه ، أو بخاتمه ، وإن جادل فى ذلك بغية التحلل منه فلا سبيل له إلا الطعن بالتزوير ( نقض مدنى فى الطعن رقم 542/52 بجلسة 26/ 3/1986 ) .
ومن جانب آخر فإن المادة 16/1 إثبات تنزل الرسائل الموقع عليها منزلة المحرر العرفى من حيث الإثبات ، ومقتضى ذلك أن لمن ترغب فى التطليق من زواج غير موثق ، أو تتغيا فسخه، لها أن تستند فى دعواها حصول الزواج إلى رسائل أو خطابات صادرة ممن تنسب إليه ارتباطها به بعلاقة زوجية ، شريطة أن يكون الخط خطه ، وزيله بتوقيعه ، وغنى عن البيان أن يكون مضمون الرسالة مفصحا عن وجود العلاقة الزوجية ، ولاشك أن تقدير ذلك مما يخضع لمحكمة الموضوع متى أقامت حكمها على أدلة سائغة .
وتعتبر الرسائل حجة على صدورها ممن أرسلها إلى ينكر توقيعه أو خطه أو بصمته ، فالرسالة رسالته إلى أن يثبت العكس { نقض مدنى أحوال شخصية فى الطعن رقم 33 لسنة 52 أحوال بجلسة 24/4/1984 . }
وإن خلت من التوقيع فالسبيل إلى التمسك بها هو اعتبارها من قبيل مبدأ الثبوت بالكتابة شريطة أن تكون محررة بخط المرسل ، ولطالبة التطليق أو الفسخ أن تتمسك بهذه الرسالة متى كانت قد حصلت عليها بطريقة مشروعة . { نقض مصرى فى الطعن رقم 990 لسنة 46 قضائية ، بجلسة 25/3/1980 .
ومتى نجحت المدعية فى إثبات علاقة الزوجية فقد ثبت قيام الفراش الشرعى ، وبالتالى ينسب إلى هذا الزوج ثمرة هذه العلاقة من الأولاد ، مع مراعاة أن إثبات النسب أيسر كثيرا من إثبات الزواج تطبيقا للمبدأ الشرعى القاضى بالاحتياط فى إثبات النسب على ما سيأتى فى موضعه .
حجية الحكم الثابت بالتطليق أو الفسخ فى الزواج العرفى :
لاجدال أن هذا الحكم يحوز حجية الأمر المقضى فيما قضى به من إجابة هذا الطلب أو رفضه ، ولكن لاحجة له فيما وراء ذلك من المسائل المدنية أو مسائل الأحوال الشخصية ، وعلى ذلك لا يحق لمن صدر لها حكم بالتطليق ، أو الفسخ أن ترتكن إلى هذا الحكم فى المطالبة بنفقة عدة ، أو متعة ، أو مؤخر صداق ، أو تستند إليه فى طلبها التعويض عما لحقها من ضرر جراء هذا الزواج على أساس تعنت المدعى عليه مما ألجأها إلى طلب التطليق . ومتى أقيمت دعوى بأى من هذه الطلبات تعين على المحكمة أن تقضى من تلقاء نفسها بعدم قبولها ، وذلك فيما خلا دعأوى النسب على ما هو مقرر بالمادة السابعة من القانون 1/2000 فى شأن بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية ، والمادة 15 من المرسوم بقانون 25/1929 ، هذا بالطبـــع إذا توافرت شروط قبول دعوى النسب على ما سيأتى فى حينه .


س: وهل يلزم القانون من يريد الزواج بتقديم إقرارًكتابي بحالته الاجتماعية؟
ج: نعم ، لقد استحدث القرار بقانون رقم 44 لسنة 1979م شرط إلزام من يريد الزواج بتقديم إقرار كتابى بحالته الاجتماعية ، حيث أضافت المادة الأولى من هذا القانون إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 بعض المواد الجديدة. ومنها المادة 6 مكررًا وهذه المادة قد نصت صراحة في فقرتها الأولى على الشرط المذكور حيث تقول: (على الزوج أن يقدم للموثق إقرارًا كتابيًا يتضمن حالته الاجتماعية. فإذا كان متزوجًا فعليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته وقت العقد الجديد ومحال إقامتهن. وعلى الموثق إخطارهن بالزواج الجديد بكتاب موصى عليه).
وكما هو ظاهر من النص أن هذا الشرط المستحدث يحمل في طياته شرطًا آخر هو أنه إذا ظهر من الإقرار الذي قدمه الزوج أنه لا يزال متزوجًا فإن على الموثق أن يخطر الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمة صاحب الإقرار بالزواج الجديد والإخطار يكون بكتاب موصى عليه.
وكما هو معروف فإن القرار بقانون 44 لسنة 1979 قد طعن عليه بعدم الدستورية ، فاستجابت لذلك المحكمة الدستورية العليا وقضت بعدم دستوريته لعيب إجرائى شاب إصداره ، ومن ثم فإن البرلمان المصرى سرعان ما أصدر القانون رقم 100 لسنة1985 مستهدفا به إحياء القرار بقانون المحكوم بعدم دستورية ، فتضمن القانون 100/1985 أكثر ما جاء به القرار بقانون44/1979 ، وإن امتدت إلي بعضه يد التعيل الموضوعى وإلى أكثره يد التعديل الشكلى وقد لحق كلاهما المادة 6 مكررا المذكورة آنفا فصدرت برقم المادة 11 مكررا من المرسوم بقانون 25لسنة 1929 ، وإن كان نص الفقرة الأولى منها هو هو نص الفقرة الأولى من المادة 6 مكررا .
وبذلك استقر فى التشريع المصرى التزام الزوج بالإقرار بحالته الاجتماعية ، إقرارا صحيحا مطابقا للواقع ، وعدلت وثائق الزواج وأضيف إلى بنودها بند يتضمن إقرار الزوج بــــأن فى – أو ليس فى – عصمته زوجة أو زوجات أخريات ، فإن وجدت – أو وجدن - فهن :
1- ................... ومحل إقامتها .................... .
2- ............ ومحل إقامتها ...... ..........
3- ................ ومحل إقامتها ..............
وحرصا على عدم الإخلال بهذا الإقرار قرر المقنن بالمادة 23 مكررا عقوبة الزوج بالحبس مدة لاتتجأوز ستة أشهر وبغرامة مائتى جنيه ، أو بأحدى هاتين العقوبتين إذا أدلى للموثق ببيانات غير صحيحة عن حالته الاجتماعية أو محال إقامة زوجته أو زوجاته أو مطلقته على خلاف ما هو مقرر فى المادة 11 مكررا .
ويشترط لقيام هذه الجريمة فى هذه الحالة أن يقع إدلاء الزوج بالبيانات غير الصحيحة فى وثيقة زواج رسمية ، وفى عقد زواج صحيح شرعى ، لأن البطلان إذا لحق عقد الزواج فلا قيمة للإدلاء بالبيانات غير الصحيحة ، ولو كانت فى وثيقة رسمية ، كما لا تقع جريمة الإدلاء ببيانات غير صحيحة إذا وقعت فى عقد زواج عرفى . ويعاقب بهذه العقوبة الموثق إذا أخل بأى من الالتزامات التى فرضها القانون ويجوز أيضا الحكم بعزله أو وقفه عن عمله لمدة لا تجأوز سنة . ( )

س : وهل من التزامات قانونية أخرى على المرأة فى الزواج لتوثيق زواجها؟
نعم ، فلائحة المأذونين الصادرة بقرار وزير العدل فى 10/1/1955 تقرر بالمادة36 منها التزاما على المطلقة بتقديم إشهاد طلاقها ، أو حكم نهائى به ، فقضت أنه " لا يجوز للمأذون أن يوثق عقد زواج مطلقة بزواج آخر إلا بعد الاطلاع على إشهاد الطلاق أو حكم نهائى به .
فإذا لم يقدم للمأذون شىء من ذلك وجب عليه رفع الأمر إلى القاضى التابع له والعمل بما يأمر به .
................ وإشهاد الطلاق الصادر من جهة أجنبية يجب أن يكون مصدقا عليه من وزارة العدل ."
كما تقرر بالمادة 37 منها التزاما على المرأة الأرملة إن أرادت زواجا آخر بتقيم مستند رسمى دال على الوفاة . ونص المادة المذكورة " لا يجوز للمأذون أن يوثق عقد من توفى عنها زوجها إلا إذا قدمت مستندا رسميا دالا على الوفاة ، فإن لم تقدم امتنع المأذون عن العقد إلا بإذن من القاضى ، ويذكر فى الحالة الأولى تاريخ الوفاة وفى الحالة الثانية تاريخ الإذن .
ولا تعتبر تراخيص الدفن مستندا فى إثبات الوفاة .
وأوراق الوفاة الصادرة من جهات أجنبية يجب التصديق عليها من وزارة العدل .

************



س : وما هى الاشتراطات القانونية فى حالة زواج المصرية المسلمة من أجنبى ؟ .
بداية ننبه على أن الأجنبى فى عرف القانون المعاصر هو من لا يتمتع بجنسية الدولة وإن كان مسلما عربيا ، بل وإن كان يحمل الجنسية المصرية سابقا ، وقد سقطت أو أسقطت عنه الآن لأى سبب من الأسباب .
وتحظر المادة 19 من لائحة المأذونين على المأذون أن يوثق عقد زواج إذا كان أحد الطرفين فيه غير مسلم أو أجنبى الجنسية ، ومن ثم فإن مكاتب التوثيق فى داخل مصر ، والقناصل فى الخارج هم المعنيون بتوثيق عقود الزواج المختلط ، وفقا للمادة 14 من القانون رقم 166 لسنة 1954 . " ولا تعتبر وثيقة رسمية أى كتابة أخرى ولو كانت محضرا رسميا كمحاضر الشرطة أو تحقيقات النيابة العامة ، أو عقد إيجار موثق أو محضر حجز قضائى أو شهادة أمام القضاء فى دعوى من الدعأوى ، ومن باب أولى أى ورقة عرفية حتى ولو كانت تتضمن اعترافا بثبوت الزوجية " ( ) .

ومن التعليمات الوزارية الصادرة للموثقين أن يحضر الطرفان شخصيا ، وألا يزيد فارق السن بين الرجل – الأجنبى – والزوجة المصرية عن خمس وعشرين سنة .
وإن تم الزواج خارج مصر فحسب المنشور عن وزارة الخارجية يلزم

عند زواج المصرية من أجنبي يجب ألا يزيد فارق السن بينهما عن 25 عاما.

يتضمن العقد اتفاق الطرفين علي صداق يبين العاجل منه والآجل ، أما إذا كان الصداق مسمي بينهما فلا تذكر قيمة الصداق أو تفاصيله .

لا يجوز توثيق عقد زواج المطلقة إلا بعد الاطلاع علي إشهاد الطلاق أو حكم نهائي بالطلاق لإمكان التحقق من وقوع الطلاق وانقضاء فترة العدة.

لا يجوز توثيق عقد زواج الأرملة إلا بعد الاطلاع علي عقد زواجها السابق وشهادة وفاة الزوج.

علي الزوج أن يقر في وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية ، فإذا كان متزوجا فعليه أن يبين في الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتي في عصمته ومحال إقامتهن حيث تقوم القنصلية بإخطارهن بالزواج

يمكن للزوجين الاتفاق علي شروط خاصة بينهما يتم تسجيلها بعقد الزواج مثل ( الاتفاق علي عدم الاقتران بزوجة أخري إلا بإذن كتابي من الزوجة ، أو الاتفاق علي تفويض الزوجة في تطليق نفسها ) أو أي اتفاق آخر يرتضيه الزوجين بشرط ألا يحل حراما أو يحرم حلالا.

الإجراءات والمستندات اللازمة لإتمام الزواج بالقنصلية أو التصادق عليه بالقسم القنصلى :

يتم الاتصال لترتيب موعد مقدما لعقد الزواج أو التصادق على زواج .

حضور كلا الزوجين معا.

تقديم جوازى السفرل كل منهما .

عدد 4 صور فوتوغرافية حديثة مقاس 4 في 6 للزوجين ( مثل صور جوازات السفر ) و5 صور اذا كان أحدهما أجنبى .

اصل وثيقة الزواج المحلية في حالة التصادق علي الزواج.

يتم إصدار وثيقة الزواج من عدد 4 نسخ تسلم نسخة للزوج ، وتسلم نسخة للزوجة ، وترسل نسخة لمصلحة الأحوال المدنية بالقاهرة لتسجيل واقعة الزواج بسجل المركز الرئيسى للأحوال المدنية بالعباسية للتسجيل مدنيا .

يعد حوالى 6 الى 8 أسابيع تصل الافادة برقم التسجيل حيث يتم تدوينها على وثائق الزواج المحررة .

الرسوم المطلوبة :
رسوم إشهاد الزواج مبلغ 60 دولار إذا كان مبلغ الصداق مسمي مسمى بينهما( أى متفق عليه بينهما ولا يرغبان فى الافصاح عن قيمته ) .
اذا كان الصداق مسمى ( أى محدد القيمة آجله وعاجله ) تكون الرسوم ( 50 دولار + 1.5% على المائة دولار الأولى من قيمة الصداق + 2% من قيمة باقى الصداق ) مع ملاحظة أنه اذا كانت قيمة الصداق محددة بالجنيه المصرى فيتم حساب الرسوم بالدولار بعد معادلة قيمة الصداق المحددة بالجنيه وتحويلها الى دولار ) .
تسدد الرسوم و نقدا أو بشيك مقبول الدفع Money Order باسم القنصلية .


جنسية أولاد المصرية المتزوجة من أجنبى :
وبقيت وأحدة من أسوأ إفرازات الزواج المختلط ، ألا وهى مشكلة جنسية الأولاد ، وهى مشكلة تلقى بظلالها - بوجه أخص - فى : التعليم. - الإقامة. - العمل.- - الزواج. - العلاقة بالآخرين ، وحتى فى ظل التعديلات التى أدخلت على القانون رقم 26 لسنة 1975 بشأن الجنسية المصرية بموجب القانون رقم 154 لسنة 2004، والتى أدخلت المسأواة بين من ولد لأب مصرى أو لأم مصرية فى التمتع بالجنسية بدون قيد أو شرط ، فإن بعضا من مشكلات من يولدون لأم مصرية وأب أجنبى فى خارج مصر لم تزل مطروحة ، فهؤلاء حتى مع التعديل الجديد لا يمنحون الجنسية المصرية إلا إذا إذا اختار هذا المولود الجنسية المصرية خلال سنة من بلوغه سن الرشد بإخطار يوجه إلي وزير الداخلية بعد جعل إقامته العادية فى مصر ولم يعترض الوزير علي ذلك خلال سنة من وصول الاخطار إليه ، وانطلاقا من مسئولياتنا فإننا ننبه المقدمات على الزواج من غير المصريين ، وإن كانوا عربا مسلمين ، أن يقدرن هذه المشكلة حق قدرها ، فلا يتزوجن إلا بمن يؤمل أن يدوم معهم ارتباطهن ، وألا تضن دولهم بجنسيتها على المصرية كزوجة لهذا الزوج ، حتى إذا ما انتهى الزواج لآى سبب من الأسباب لاتجد هذه الأم المصرية ذلك الحرج الذى عاشته – حسب إحصاء سابق على تعديل قانون الجنسية - ما يقرب من 286 ألف سيدة متزوجة من أجنبي ويتعدى أبناؤهن المليون

هل من مطالبات أخرى للمقدمين والمقدمات على الزواج ؟
نعم ، فلائحة المأذونين حسب آخر تعديلاتها بقرار وزير العدل 1727 لسنة 2000 توجب فى المادة 33فقرة 4 على المأذون قبل توثيق العقد أن " يحصل على إقرار بخلوهما من الأمراض التى تجيز التفريق وخاصة : العته ، الجنون ، البرص ، الجزام ، والإيدز " .
وتوجب نفس المادة على المأذون فى فقرتها السادسة أن " يطلب من الزوجين تقديم وثيقة التأمين الخاصة بالأسرة وفقا لأحكام القرار الذى يصدر فى هذا الشأن "
وقد جاءت فكرة إصدار وثيقة ضد مخاطر الطلاق تأسيسًا على إحصائيات صدرت عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء كشفت أن عدد حالات الطلاق في مصر قد بلغت نحو 63 ألف حالة سنويا في الوقت الذي تراجعت فيه معدلات الزواج إلى 351 ألف حالة فقط عام 2001 في حين كانت قد بلغت نحو 759 ألف حالة زواج عام 2000. .
ولعل الأنسب إلى معلجة قضية التأمين ضد مخاطر انتهاء الزواج أن نعالجها ضمن موضوعات النفقة ، ونبرز هنا ما يخص الوثيقة الصحية ، أعنى خلو الزوجين من الأمراض التى تجيز التفريق ، وقد عالج بعض الكاتبين فى موقع " الكبار " قضية الفحص الطبى قبل الزواج ، من أبرز نواحيها ، وتفضل بجمع الاتجاهات الفقهية ، وانتهى إلى استخلاص أبرز جوانبها ، وقد آثرنا أن ننقله بنصه ، ونستغنى به عن ما عداه .

الفحص قبل الزواج .. من أجل أبنائنا
يتفانى الوالدان في توفير حياة أفضل لأبنائهما، ويبذلان كل جهد في إتاحة كل سبل السعادة الممكنة لهم، ولاعجب أن تتعدد صور العناية وتتنوع سبل التأمين من غوائل الزمان .
فهناك من يحرص على الرعاية التعليمية التثقيفية لإخراج جيل ذي وعي أكاديمي ثقافي، وهناك من يحرص على الرعاية التربوية الإرشادية لإعداد شباب ذوي سلوك قويم، وهناك من يحرص على الرعاية الصحية والجسدية ليحظى بأبناء أصحاء معافين، والجميع يسمو إلى توفير كل سبل الرعاية بكل تعددها وتنوعها.
وهنا في هذا المقام نتطرق إلى أحد سبل الرعاية الصحية والوقائية الذي قد أهمله كثير من الناس، إما لجهلهم به أو تجاهلهم له، ألا وهو الفحص قبل الزواج، ولهذا الإجراء أهمية بالغة في تجنب كثير من الأمراض، خاصة ذات الطابع الوراثي والعائلي، والتي يكثر انتشارها في مجتمعاتنا العربية، وقد يعزى ذلك لارتفاع نسبة الزواج بين الأقارب وزيادة احتمال التقاء الجينات المسببة للمرض الوراثي.
ويشمل الفحص قبل الزواج زيارات للطبيب المختص الذي يقوم بدوره بأخذ تاريخ طبي مفصل يتعرف من خلاله على الأمراض الوراثية في العائلة، ويشمل أيضًا فحصًا سريريًا وعمل فحوصات مخبرية تحددها نتائج التاريخ الطبي والفحص الإكلينيكي.
ومن الأمراض التي أصبح بالإمكان الكشف عن حاملها، وبالتالي تفادي إصابة الأطفال بها أمراض الدم الوراثية، كالأنيميا المنجلية أو أنيميا البحر المتوسط، وقد يصبح بالإمكان في المستقبل القريب الكشف عن كثير من الأمراض الوراثية والاستقلالية وأمراض الغدد الصماء الوراثية، خاصة بعد اكتمال ومعرفة خريطة الجينوم البشري، مما قد يشجع المجتمع على الإقبال على فحص ما قبل الزواج.
ولكن يبقى هذا النوع من الفحص محدود الانتشار، وقد يعزف عن القدوم عليه بعض الناس بسبب الخشية من معرفة حقيقة حملهم لمرض وراثي معين، أو خشية تسرب هذه المعلومات أو هذه الحقائق ونشرها بين الناس، لذا فإن تعميم هذا الفحص بين عامة الناس وإقبالهم على إجرائه سيكون مقروناً بتحلي القائمين عليه بالأمانـــــــــة، والتخلق بالمحافظـــــة على سرية المعلومات وخصوصيتها.
ومن الناحية التقنية قد يكون هذا الفحص مقتصرا على عدد قليل من الأمراض الوراثية التي تعرف أسبابها الحقيقية أو الجينات المسببة لها، حيث لا يمكن إجراء فحص وأحد للكشف على جميع الأمراض الوراثية التي قد يزيد عددها على عشرة آلاف مرض، كما أن تكلفة عمل هذه التحليلات باهظة، وإمكانية إجرائها لا تتوفر في جميع المختبرات، لذا يجب على بعض الجهات الصحية الحكومية العمل على إعداد الكوادر الطبية المتخصصة مما قد يعمل على خفض تكاليف إجراء هذه التحليلات.
ولكن على الرغم من هذه الصعوبات يجب إظهار أهمية هذا الفحص، والعمل على تذليل العوائق التي قد تواجه انتشاره لنحظى بجيل ينعم بصحة أفضل ومستقبل أفضل.
نحأول هنا فى هذا الملف تقديم رؤية متكاملة لأهمية الفحص قبل الزواج لارساء دعائم اسرة صحيحة وسعيدة مع عرض لاهم الفحوصات والتحاليل المطلوبة لكل من الزوج والزوجة 00 متمنين لكل قرائنا الاعزاء الصحة والعافية .

الفحص الطبي قبل الزواج :
عادة ما نجد الأشخاص المقبلين على الزواج والحياة الجديدة يهتمون بهذا اليوم السعيد الذي يمثل بالنسبة لهم الانتقال إلى حياة جديدة مملوءة بالتفاؤل و الحياة،و ويتخللها بعد توفيق الله إنجاب ذرية طيبة تزيد حياتهم فرح و مسرة.و قد يفوت عليهم التفكير أن الحمل و إنجاب الأطفال قد يصاحبه أمور لم يطرأ على بالهم ولم يتخيلوا انه من الممكن أن يحدث لهم.و بما انه من الممكن التنبؤ بهذه الأمور طبيا و من الممكن تجنب بعضها لزم أن يقوم هؤلاء ممن يريد الزواج بالتأكد من هذه الأمور عن طريق الفحص الطبي قبل الزواج. و قد سنت بعض الدول العربية أنظمة لتطبيق الفحص قبل الزواج.و إذا كانت السعودية و البحرين و الإمارات تحث بشكل اختياري على القيام بهذه الفحوصات فان الأردن سنت نظاما يجبر من يريد الزواج بالفحص الطبي قبل عقد القران - وقد طلب بعض أعضاء البرلمان المصرى إقرار مثل النظام الأردنى ، ولكن لم يجب إلى طلبه واكتفى بإلزام الموثق بالحصول على إقرار الزوجين بخلوهما من الأمراض التى تجيز التفريق فقط - .
و تعد المجتمعات العربية بشكل عام من المجتمعات التي يشيع فيها زواج الأقارب ضمن نطاق القبيلة، أو العشيرة، أو العائلة والأسرة الوأحدة.وهى أنواع من الزيجات معرضة إلى حد كبير لظهور العديد من الأمراض الوراثية حيث يتوقع إحصائيا أن يصاب طفل وأحد من كل 25 طفل بمرض وراثي ناتج عن خلل في الجينات أو بمرض له عوامل وراثية خلال الخمس وعشرين سنه من عمره .و يتوقع أن يصاب طفل وأحد لكل 33 حالة ولادة لطفل حي بعيب خلقي شديد. كما يصاب نفس العدد بمشكلات تأخر في المهارات و تأخر عقلي. وتسعة من هؤلاء المصابون بهذه الأمراض يتوفون مبكرا أو يحتاجون إلي البقاء في المستشفيات لمدة طويلة أو بشكل متكرر ولها تبعات مالية واجتماعية و نفسية . وهذه الأعداد لها تبعات عظيمة و معقدة على الأسرة وبقية المجتمع.
من هنا كانت أهمية إجراء الفحص الطبى قبل الزواج الذى يمكنه من معرفة العديد من الأمراض الوراثية الخطيرة وحتى على الأقل يمكنه من معالجة بعضها قبل بدء الحياة الزوجية ..

الأمراض المنتشرة في العالم العربي
يصعب معرفة و حصر الأمراض المنتشرة في الوطن العربي و ذلك ناتج عن شح المعلومات الموثقة عن هذه الأمراض، وتفأوت نسب انتشار هذه الأمراض من دولة إلى أخرى .
ولكن و بشكل عام تقسم الأمراض الأكثر شيوعا في العالم العربي إلى عدة أقسام:
القسم الأول :
أمراض الدم الوراثية مثال فقر الدم المنجلي و فقر دم البحر المتوسط و أنيميا الفول.
القسم الثاني:
أمراض الجهاز العصبي كمرض ضمور العضلات الجذعي و أمراض ضمور العضلات باختلاف أنواعها و ضمور المخ و المخيخ.
القسم الثالث:
هي أمراض التمثيل الغذائي المعروفة بالأمراض الاستقلالية التي تنتج بسبب نقص أنزيمات معينة.
القسم الرابع :
أمراض الغدد الصماء خاصة أمراض الغدة الكظرية و الغدة الدرقية، و معظم هذه الأمراض تنتقل بالوراثة المتنحية و التي يلعب زواج الأقارب دور كبير في زيادة أعدادها.

نظرة وراثية:
يقسم الأطباء أسباب العيوب الخلقية و الأمراض الوراثية إلى أربع أقسام رئيسية.
القسم الأول :هي الأمراض المتعلقة بالكرموسومات (الصبغيات) وهذا النوع في العادة ليس له علاقة بالقرابة، و أسباب حدوثها في الغالب غير معروفة. ومن أشهر أمراض هذا القسم متلازمة دأون (أو كما يعرف عند العامة بالطفل المنغولي) . و متلازمة دأون ناتجة عن زيادة في عدد الكروموسومات إلى 47 بدل من العدد الطبيعي 46.
القسم الثاني من العيوب الخلقية و الأمراض الوراثية :
تلك الأمراض الناتجة عن خلل في الجينات، ويتفرع من هذا القسم أربعـــــــــة أنواع من الأمراض :الأمراض المتنحية, والأمراض السائـــدة , و الأمراض المرتبطـــــــة بالجنس المتنحية ، و الأمراض المرتبطة بالجنس السائدة .
الأمراض المتنحية :
هي أمراض تصيب الذكور و الإناث بالتسأوي ويكون كلا الأبوين حاملا للمرض مع أنهما لا يعانيان من أي مشاكل صحية لها علاقة بالمرض. وفي العــــــــادة يكون بين الزوجين صلة قرابة.ولذلك تنتشر هذه الأمراض في المناطق التي يكثر فيها زواج الأقارب كبعض المناطق في العالم العربي . ومن أشهر هذه الأمراض أمراض الدم الوراثية، خاصة مرض فقر الدم المنجلي (الأنيميا المنجلية) وفقر دم البحر المتوسط (الثلاسيميا ) و أمراض التمثيل الغذائي بأنواعها.
أما الأمراض السائدة :
فإنها في العادة ليس لها علاقة بالقرابة, وتتميز بإصابة أحد الوالدين بنفس المرض وأشهر أمراض هذا النوع متلازمة مارفان.و مع أن هذا النوع من الأمراض ليس له علاقة بالقرابة, ولكن عند زواج اثنين مصابين بنفس المرض (وقد يكون بينهما صلة نسب ) فقد تكون الإصابة في أطفالهم أشد أو أخطر وذلك لحصول الطفل على جرعتين من المرض من كلا والديه.

والنوع الثالث من أمراض الجينات :
هي الأمراض المرتبطة بالجنس المتنحية. وهذا النوع من الأمراض ينتقل من الأم الحاملة للمرض فيصيب أطفالها الذكور فقط. وأشهر هذه الأمراض مرض نقص خميرة G6PD (أو ما يسمى بأنيميا الفول) وهذا النوع في العادة ليس لها علاقة بزواج الأقارب، ولكن المرض قد يصيب البنات إذا تزوج رجل مصاب بالمرض بأحدى قريباته الحاملة للمرض.

النوع الرابع و الأخير:
هو الأمراض المرتبطة بالجنس السائدة ، وهي أنواع من الأمراض النادرة والتي في العادة تنتقل من الأم إلى أطفالها الذكور و الإناث, وقد يكون شديدا في الذكور مقارنة بالإناث.

أما القسم الثالث من العيوب الخلقية و الأمراض الوراثية :
فهي الأمراض المتعددة الأسباب ، ومعظم الأمراض تدخل تحت هذا القسم, فمثلا مرض السكر, وارتفاع ضغط الدم, والربو,و الظهر المشقوق(الصلب المشقوق), و الشفة الأرنبية وغيرها من الأمراض كلها تدخل تحت هذا الباب . إن الأسباب وراء هذه الأمراض في العادة غير معروفة ولكن جميع هذه الأمراض لا تحدث إلا في الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي وتعرضوا إلى سبب ما في البيئة المحيطة بهم. وفي العادة ليس لزواج الأقارب علاقة في حدوث هذه الأمراض ولكن إذا تزوج شخصان مصابين بأي نوع من هذه الأمراض زاد ذلك احتمال إصابة الأطفال مقارنة بحالة إصابة أحد الوالدين فقط بالمرض.

القسم الرابع و الأخير من العيوب الخلقية و الأمراض الوراثية :
وهي مجموعه من الأمراض المتفرقة والتي يصعب حصرها ومن أشهر هذه الأمراض,
1- الأمراض المرتبطة بالميتوكندريا والتي تنتقل من الأم فقط إلى بقية أطفالها.
2- الأمراض المعدية:وهذه قصة منقولة من أحدى منتديات الانترنت و لم يذكر رأويها مرجعة و لكن فيها العبرة.
كتب يقول : أود ان أذكر لكم قصة حقيقية لأحد المرضى الذين كنت أشرف على علاجهم وهذه القصة حدثت منذ عدة سنوات. هذه القصة لها معان عدة وأحدها أهمية عمل فحص الرجل أو المرأة قبل الزواج.القصة كانت لشاب عربي طموح تخرج من الثانوية العامة وحصل على بعثة إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة التخصص الذي يرغبه ،وقد قضى ذلك الشاب خمس سنوات في الدراسة هناك. بعد أن حصل على البكالوريس رجع إلى بلده وحصل على وظيفة جيدة في مجال تخصصه وكان سعيداً جداً بذلك. بعدها قرر أن يتزوج وقد حصل له ما أراد ، فقد وفق إلى فتاة وجد فيها المواصفات من الجمال والخلق التي يريدها.بعد مضي عدة سنوات ظهر في جسم زوجته أورام في الغدد الليمفأوية وعند عمل التحاليل والعينات تبين أنها مصابة بسرطان الغدد الليمفأوية (NHL) ومن ضمن التحاليل عمل لها فحص لفيروس نقص المناعة المكتسبة فيروس المسبب للإيدز (HJV) وتبين أنها مصابة بمرض الإيدز وان سرطان الغدد الليمفأوية هو مصاحب لمرض الإيدز (الأورام السرطانية الليمفأوية قد تكون أحدى مضاعفات مرض الإيدز). وقد تم إخبار الزوج بذلك وقد صعق كما صعقت زوجته وأتاه حالة من الهستيريا وذهب يبكي ويقبل زوجته ويقول لها أنه هو السبب، وفعلاً قد تم فحص الزوج وتبين أنه مصاب بفيروس نقص المناعة المكتسبة أيضاً ، أما سببه فقد تبين أنه خلال سفره للولايات المتحدة مارس علاقات جنسية محرمة مع عدة نساء ، والمسكين لم يكن يعلم بتاتاً أنه مصاب بهذا الفيروس وإلاّ لما أقدم على الزواج من هذه الفتاة على حد قوله.وزيادة في المأساة لهذه القصة فقد انتقل فيروس نقص المناعة المكتسبة إلى طفلتهم الوحيدة وكانت بالفعل كارثة لجميع أفراد العائلة. في ذلك الوقت لم تكن هناك أدوية فعّاله وكانت حالة الزوجة متأخرة فتوفاها الله في عدة أشهر ولحق بها زوجها بعد سنتين.
وعلى كل ما تحمله هذه القصة من آلام وحزن لكن فيها دلالة واضحة على أهمية الفحص قبل الزواج..
لكن السؤال هل يكون هذا الفحص إجبارياً لجميع المتقدمين للزواج للتأكد من الأمراض الوراثية والمعدية أو اختيارياً؟
من الأفضل عمل لجنة يتواجد فيها جميع المتخصصين ويتم دراسة الموضوع من جميع جوانبه الطبية والاجتماعية والاقتصادية والفوائد والعقبات والمشاكل لو أمكن تطبيقه أو بالأحرى هل هناك ضرورة من تطبيقه أو الاكتفاء بتوعية الناس وحثهم على عمل الفحوصات أو مراجعة الأطباء المختصين إذا كان هناك شك في مرض وراثي أو معد.الموضوع يحتاج إلى دراسة وتعمق ومعرفة آراء الناس وتفاعلهم قبل أن يكون هناك قرار لصالح أو ضد الفحص الطبي قبل الزواج. والجانب الآخر هل سوف يوضع قانون يقضي بمنع من هو مصاب بمرض معد قد ينقله لشريك حياته أو أطفاله أو مصاب بمرض وراثي ينقله لأطفاله من الزواج ؟ أم يترك الموضوع لحرية الشخص وضميره؟.

س :ما هي أهمية الفحص قبل الزواج؟
تكمن فائدة الفحص قبل الزواج فى عدة نقاط :
1 - أن المقدمين على الزواج يكونون على علم بالأمراض الوراثية المحتملة للذرية إن وجدت فتتسع الخيارات في عدم الإنجاب أو عدم إتمام الزواج.
2 - تقديم النصح للمقبلين على الزواج إذا ما تبين وجود ما يستدعي ذلك بعد استقصاء التاريخ المرضي والفحص السريري واختلاف زمر الدم.
3 - أن مرض (التلاسيميا) هو المرض الذي ينتشر بشكل واسع وواضح في حوض البحر المتوسط وهو المرض الذي توجد وسائل للوقاية من حدوثه قبل الزواج.
4 – المحافظة على سلامة الزوجين من الأمراض، فقد يكون أحدهما مصاباً بمرض يعد معدياً فينقل العدوى إلى زوجه السليم.
5 – إن عقد الزواج عقد عظيم يبنى على أساس الدوام والاستمرار، فإذا تبين بعد الزواج أن أحد الزوجين مصاب بمرض فإن هذا قد يكون سبباً في إنهاء الحياة الزوجية لعدم قبول الطرف الآخر به.
6 – بالفحص الطبي يتأكد كل واحد من الزوجين الخاطبين من مقدرة الطرف الآخر على الإنجاب وعدم وجود العقم، ويتبين مدى مقدرة الزوج على المعاشرة الزوجية.
7 – بالفحص الطبي يتم الحد من انتشار الأمراض المعدية والتقليل من ولادة أطفال مشوهين أو معاقين والذين يسببون متاعب لأسرهم ومجتمعاتهم .

أما السلبيات المتوقعة من الفحص فتكمن في:
1 – إيهام الناس أن إجراء الفحص سيقيهم من الأمراض الوراثية، وهذا غير صحيح؛ لأن الفحص لا يبحث في الغالب سوى عن مرضين أو ثلاثة منتشرة في مجتمع معين.
2 – إيهام الناس أن زواج الأقارب هو السبب المباشر لهذه الأمراض المنتشرة في مجتمعاتنا، وهو غير صحيح إطلاقاً.
3 – قد يحدث تسريب لنتائج الفحص ويتضرر أصحابها، لا سيما المرأة فقد يعزف عنها الخطاب إذا علموا أن زواجها لم يتم بغض النظر عن نوع المرض وينشأ عن ذلك المشاكل.
4 – يجعل هذا الفحص حياة بعض الناس قلقة مكتئبة ويائسة إذا ما تم إعلام الشخص بأنه سيصاب هو أو ذريته بمرض عضال لا شفاء له من الناحية الطبية.
5 – التكلفة المادية التي يتعذر على البعض الالتزام بها وفي حال إلزام الحكومات بجعل الفحوص شرطاً للزواج ستزداد المشاكل حدة، وإخراج شهادات صحية من المستشفيات الحكومية وغيرها أمر غاية في السهولة، فيصبح مجرد روتين يعطى مقابل مبلغ من المال

سؤال وجواب عن الفحص قبل الزواج وهل هو مهم فقط لزواج الاقارب :

زواج الاقارب فى قفص الاتهام :
س : يقال إن أغلب الأمراض التي تنشأ هي نتيجة الزواج من الأقارب فقط، فهل هذا صحيح؟ وإن كان صحيحا فهل يمكن قصر الفحص على الأزواج من الأقارب؟
ج - يلعب زواج الاقارب دورا كبيرا في الإصابة بالأمراض الوراثية الناتجة عن الوراثة المتنحية كفقر الدم المنجلي و أنيميا البحر المتوسط، ولكن هذا لا يعني أن عدم الزواج من إحدى الأقارب يضمن أن تكون الذرية سليمة من أي مرض و راثي ولا حتى من الأمراض الوراثية المتنحية.و لذلك من المهم القيام بتحاليل لكشف إذا ما كان الشخص حاملا للمرض بغض النظر عن صلة القرابة بين الخطيبين.لذلك ففحوصات ما قبل الزواج هي مهمة للأقارب وغير الأقارب. وتكون أكثر أهمية للأقارب اذا كان هناك أمراض وراثية.

س : هل زواج الأقارب بعد التأكد من أن الخطيبين لا يحملان أي مرض ممكن ؟
ج- إن احتمال الإصابة بالأمراض الخلقية عند المتزوجين من أقاربهم أعلى مقارنة بالمتزوجين من غير أقاربهم. و تزداد نسبة هذا الأمراض كلما زادت درجة القرابة. فوراثياً لدى كل إنسان بغض النظر عن عمره أو حالته الصحية حوالي 6.5-10جينات معطوبة (بها طفرة). وهذه الجينات المعطوبة لا تسبب مرض لمن يحملها لان الإنسان دائما لدية نسخة أخرى سليمة من الجين. و عند زواج طرفين لديهما نفس الجين المعطوب فان أطفالهم قد يحصلون على جرعة مزدوجة من هذا الجين المعطوب(أي أن الأب يعطي جين معطوب و الأم أيضا تعطي نفس الجين المعطوب) وهنا تحدث مشكلة صحية على حسب نوع الجين المعطوب. و في العادة تختلف أنواع الجينات المعطوبة بين شخص و أخر و يندر أن يلتقي شخصان لديهما نفس الجين المعطوب.ولكن نوع الجينات المعطوبة عادة تتشابه في الأقارب.فهناك احتمال كبير أن يكون أبناء العم و العمة و الخال و الخالة لديهم نفس الجينات المعطوبة ،و لو تزوج أحدهم من الأخر فهناك خطر على ذريته.

س : هل سلامه التحاليل تعني أن الشخص خالي تماما من الأمراض الوراثية؟
ج : الأمراض الوراثية كثيرة جدا ويصعب الفحص عنها كلها.كما أن الكثير من هذه الأمراض يصعب الكشف عنها نظرا لعدم و جود تحليل لها أو أن التحليل لا يستطيع اكتشاف الشخص الحامل للمرض بشكل دقيق .كما أن الكثير من هذه الأمراض ناتج عن خلل في الجينات و الكثير من الجينات-والتي تراوح حوالي 30 ألف جين- غير معروفــة و لم يتم اكتشافها ولذلك لا يوجد لها تحاليل.لذلك على الذين يتقدمون للفحص الطبي قبل الزواج معرفة أن الطب لا يستطيع الكشف عن جميع الأمراض.و ينبغي على المتقدم التحري عن كل طفل أو بالغ في العائلة و لديه مرض يشتبه أن يكون خلقيا أو وراثيا. لأن التاريخ المرضي لكل عائلة هو الذى ينبه الطبيب عن وجود مرض ما ، و إذا عرف هذا المرض فان على الطبيب التحقق من احتمالية انتقاله لهذه الأسرة الجديدة.

س : لماذا على كل خاطب و مخطوبته القيام بفحص طبي قبل الزواج؟
كثير من الأمراض الوراثية لا يوجد لها علاج أو يصعب علاجها وذات تكلفة عالية و قد يترتب على إجراءات العلاج سواء بتناول الدواء طوال الحياة أو التغذية الخاصة أو نقل الدم بصفة منتظمة أو زرع الأعضاء زيادة في النفقات فالفحص قبل الزواج يشكل وسيلة ملائمة لمكافحة الأمراض الوراثية و وسيلة للوقاية وبأقل تكلفة مقارنة بالفوائد الكبيرة التي تتحقق إذا ما تم حماية المجتمع من الأمراض الوراثية والتي يكلف علاجها مبالغ طائلة.

س : متى يجرى الفحص
بالنسبة للفحص الوراثي كلما كان وقت الفحص مبكرا كان ذلك أفضل حتى يستطيع الطرفان أخذ قرار حاسم بشأن استمرارهما من عدمه .

س :ما هي الأمراض التي تؤثر على الزواج؟
طبعا هذا السؤال يقودنا إلى جميع الأمراض التي من الممكن أن تؤثر على الزواج و على قدرة أحد الزوجين في القيام بدورة بالشكل المطلوب. و هذه الأمراض أمراض نفسية اجتماعية و أمراض عضوية. وعلى سبيل المثال الشخص الذي لدية إصابة في العمود الفقري و هو مقعد قد لا يستطيع أن يؤدي حقوقه الزوجية بالشكل المطلوب بدون مساعدة طبية متخصصة.كذلك الأشخاص المصابون بأمراض في الأعضاء التناسلية أو أي مرض عضوي أو نفسي آخر.و لذلك فحديث الرسول صلى الله علية وسلم القائل تخيروا لنطفكم من الناحية الطبية يشمل جميع الأمور الوراثية و غير الوراثية العضوية وغير العضوية.و لكن ما يهمنا في هذا الحديث هي الأمراض الوراثية التي يمكن تجنبها بإذن الله.
س : كثير من الناس يعتقد أن ظهور شيء في الفحوصات التي تجرى قبل الزواج يعني البحث عن زوج أو زوجة أخرى، كيف توضح هذه الصورة؟
لا شك أنه قد تظهر نتائج غير مرغوبة في هذه الفحوصات.و هذا أمر عصيب ليس فقط على الطرفين و أهلهم ،بل يصل إلى الطبيب الذي عليه أن يوصل تلك المعلومات بالشكل الصحيح .وهنا نود أن نوضح أمرا في غاية الأهمية و قد يساء فهمه، وهو أن الفحوصات التي سوف تجرى للكشف عن الأمراض الوراثية(وهنا لا أتحدث عن الأمراض المعدية)هي للكشف عما إذا ما كان الشخص حاملا للمرض أم لا. والشخص الحامل للمرض ليس شخص مريضا، بل هو شخص سليم و لكنه يحمل صفات و راثية يمكن أن ينقلها لذريته إذا حدث و كانت زوجته ، أو كان زوجها ، أيضا حاملا لنفس المرض. هذا من ناحية ،و من ناحية أخرى ليس هناك بإذن الله مشكلة لو كان واحد من الطرفين حاملا المرض و الطرف الأخر ليس حاملا له . المشكلة فقط تحدث إذا كان الطرفان كلاهما حاملين للمرض.أما لو حدث و كان الطرفان حاملين لنفس المرض فانهما يبلغان بشكل سري عن نتيجة التحليل و يشرح لهما الاحتمالات التي يمكن أن تحدث لذريتهما لو تزوجا.وهنا ننبه أن الطبيب لا يتدخل في القرار النهائي فالرجل و المرأة حرين في اتخاذ القرار المناسب لهما.و ما عليهما إلا أن يستخيرا في قرار الزواج . و لو حدث و تزوجا مع علمهما أنه من المكن أن يرزقا بأطفال مصابين بمرض وراثي فإن معرفتهما بهذا الاحتمال بإذن الله سوف يقوي من ترابطهما ،هذا لو قارناه بمن لم يعلم و فجأه يجده أمام معلومات وراثية خطيرة لم يعلمها ،قد تعصف بأسرته و تشرد أطفاله المصابين بالمرض. هذا إذا قلنا إنهما سوف يتزوجان أما لو قررا أن لا يتزوجا فبإمكانهما البحث عن زوج أخر و عسى أن تكرهوا شيئا و هو خير لكم.

س : هل من الممكن تدارك المشاكل التي قد تكون في الجينات و إصلاحها قبل الزواج؟
للأسف لا يمكن إصلاحها في الأشخاص الحاملين للمرض كان ذلك قبل الزواج أو بعد الزواج.ولكن قد يكون السؤال الأهم كيف تجنب حدوث المرض الوراثي لو كان كلا الزوجان حاملين للمرض؟من الصعب التعميم في هذه المسألة و لكن لو تحدثنا عن أمراض الدم الوراثية فأنه للأسف لا يمكن إصلاح الأمر و إن كان هذا لا ينطبق على جميع الأمراض الوراثية. ولكن هناك أمورا يمكن القيام بها بعد أخذ رأي الشرع فيها و هي عملية الكشف على الأجنة خلال الحمل ، و معرفة إذا ما كانت مصابة أم لا، و إذا علم أنها مصابة فهل يحل أن تسقط ؟ .ويمكن القيام بهذه التحاليل و الوصول للنتيجة في خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الحمل. أما إذا لم يقر الشرع هذا الأمر فان الحل هو إجراء فحص للبويضة الملقحة (و ذلك عن طريق زراعة الأنابيب) و معرفة إذا ما كانت البويضة الملقحة سليمة أم مصابة ، و إذا كانت سليمة فتغرس في الرحم و إذا كانت مصابة يتخلص منها. هذه الطريقة قد تكون هي الأقرب لمجتمعنا الإسلامي و لكنها تحتاج إلى مبالغ باهظة و مختبرات خاصة.


الحكم الشرعي للفحص قبل الزواج :
هل يجوز للدولة أن تلزم كل من يتقدم للزواج بإجراء الفحص الطبي وتجعله شرطاً لإتمام الزواج؟ أم هو اختياري فقط؟
اختلف العلماء والباحثون المعاصرون في هذه المسألة، ويمكن تلخيص آرائهم على النحو التالي:
القول الأول: يجوز لولي الأمر إصدار قانون يلزم فيه كل المتقدمين للزواج بإجراء الفحص الطبي بحيث لا يتم الزواج إلا بعد إعطاء شهادة طبية تثبت أنه لائق طبياً.
القول الثاني: لا يجوز إجبار أي شــخص لإجراء الاخـتـبار الوراثي، ويجوز تشـــجيع الناس ونشـــر الوعي بالوســــائل المختلــفة بأهمية الاخــتـبار الوراثي.

الأدلـة:
استدل القائلون بالجواز:
1 – قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ...النساء من الآية 59) .
وجـه الدلالـة:
أن المباح إذا أمر به ولي الأمر المسلم للمصـلحة العامة يصبح واجباً ويلتزم المسلم بتطبيقه.

2 – قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ..... البقرة من الآية 195) .
وجه الدلالة:
أن بعض الأمراض المعدية تنتقل بالزواج فإذا كان الفحص يكون سبباً في الوقاية تعين ذلك.

3 – قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء ... آل عمران من الآية38).
وجـه الدلالة:
أن المحافظة على النسل من الكليات الست التي اهتمت بها الشريعة، فلا مانع من حرص الإنسان على أن يكون نسله المستقبلي صالحاً غير معيب، ولا تكون الذرية صالحة وقرة للعين إذا كانت مشوهة وناقصة الأعضاء متخلفة العقل، وكل هذه الأمراض تهدف لتجنبها عملية الفحص الطبي.

4 – حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يوردنّ ممر ض على مُصحّ " [ وجه الدلالة:
أن النص فيه أمر باجتناب المصابين بالأمراض المعدية والوراثية، ومثله حديث "فر من المجذوم فرارك من الأسد" وهذا لا يعلم إلا من الفحص الطبي . ( )

5 – إن الفحص الطبي لا يعتبر افتئاتاً على الحرية الشخصية؛ لأن فيه مصلحة تعود على الفرد أولاً وعلى المجتمع والأمة ثانياً، وإن نتج عن هذا التنظيم ضرر خاص لفرد أو أفراد فإن القواعد الفقهية تقرر أن "يرتكب أهون الشرين" وأنه "يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام".( )

6 – قاعدة "الدفع أولى من الرفع" ( )حيث إنه إذا أمكن دفع الضرر قبل وقوعه فهذا أولى وأسهل من رفعه بعد الوقوع .

7 – "الوسائل لها حكم الغايات" ( )
فإذا كانت الغاية هي سلامة الإنسان العقلية والجسدية؛ فإن الوسيلة المحققة لذلك مشروعة، وطالما أن الفحص الطبي قبل الزواج يحقق مصالح مشروعة للفرد الجديد وللأسرة والمجتمع ويدرأ مفاسد اجتماعية ومالية على المستوى الاجتماعي والاقتصادي وهذه من الأسباب المأمور بها شرعاً . ( )

واستدل المانعون عن إجبار الشخص للفحص الوراثي بما يلي:
1 – أن أركان النكاح وشروطه التي جاءت بها الأدلة الشرعية محددة، وإيجاب أمر على الناس وجعله شرطاً للنكاح تَزيّد على شرع الله، وهو شرط باطل، وقد صح قوله عليه الصلاة والسلام: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل...".
2 – أن النكاح لا يلزم منه الذرية، فقد يتزوج الرجل لأجل المتعة فقط فلا وجه لإلزامه بالفحص الوراثي كما هو الحال في كبار السن.
3 – أن الفحص غالباً سيكون على مرضين أو ثلاثة أو حتى عشرة، والأمراض الوراثية المعلومة اليوم أكثر من 8000 مرض، وكل عام يكتشف أمر جديد، فإذا ألزمنا الناس بالفحص عنها جميعاً فقد يتعذر الزواج ويصعب وينتشر الفساد.
4– قـوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتاكم مـن ترضون دينه وخلقه فزوجــوه".( ).
وجـه الدلالة:
لم يقل صلى الله عليه وسلم: "وصحته". والأصل أن الإنسان سليم، وقد اكتفى بالأصول: الدين والخلق.
5 – إن تصرفات ولي الأمر في جعل الأمور المباحة واجباً إنما تجب الطاعة إذا تعينت فيه المصلحة أو غلبت للقاعدة الفقهية "تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة" ( ).
ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إنما الطاعة في المعروف" ( ) وإلزام الناس بالكشف قبل الزواج فيه مفاسد عظيمة تزيد على المصالح المرجوة – وقد تقدم بيانها -.
6 – ما جاء في الحديث القدسي: " أنا عند ظن عبدي بي" ( )
وجـه الدلالة:
أن المتقدم للزواج ينبغي أن يحسن الظن بالله ويتوكل على الله ويتزوج، والكشف يعطي نتائج غير صحيحة أحياناً .
والحق أن الأدلة التى يستند إليها المعارضون للإزام بتوقيع الكشف الطبى على المقبلين على الزواج صحيحة لا شك فى ذلك ، ولكنها لا تفيد المعنى الذى هدفوا إليه ، بل لا يمنع من تقرير الفحص الطبى حديث أقرب فى المعنى إلى دعوى المنع ، وهو صحيح ، بل من رواية البخارى عن أبى هريرة راوى حديث " لا يوردن ممرض على مصح " وذلك قول النبى صلى الله عليه وسلم " لا عدوى ولا هامة ولا صفر " ] ] وفى رواية مسلم عن أبى هريرة أيضا زاد " ولا نوء " وفى رواية مسلم عن جابر بلفظ " لا عدوى ولا صفر و لا غول " ومن رواية الترمذى وأبى داود عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال : كُلْ بسم الله ثقة بالله وتوكلاً عليه" وإن استغربه الترمذى .
أقول هذه الروايات على صحتها ، ومع كونها كالنص – أى ما سيق الدليل لإفادة حكمه قصدا– فى قضية الفحص الطبى ، إلا أنها مع ذاك لا تؤكد المنع منه ، لما فى قوله صلى الله عليه وسلم " لا عدوى " من احتمالات ، ذكر السلف منها وجوها ثلاثة بغرض الجمع بين الحديثين " لا يوردن ... " و " لا عدوى " وذكر الدكتور محمود ناظم النسيمى وجها رابعا وذلك فى بحث رائع له بعنوان " العدوى ومشروعية الوقاية " ضمن عدة بحوث فى الإعجاز الطبى والوقائى على الموقع الألكترونى ( موسوعة الإعجاز العلمى فى القرآن والسنة على الرابط الألكترونى :www.55a.net .
والباحث طبيب ، وهو يقرر تعقيبا على أقوال السلف فى محاولات الجمع : وكان السبب الرئيسي لاختلاف فهمهم وتأويلهم عدم وضوح الناحية الطبية في ذلك في عصرهم فهم معذورون ولسعيهم مشكورون .وقد توسع في ذكر آرائهم وأوجه الجمع بين أحاديث هذا البحث الحافظ ابن حجر المتوفي سنة 852هـ فى كتابه الواسع (فتح الباري بشرح البخاري)، وبما أن بعض تلك المفاهيم والأوجه مفرقة في بطون الكتب، وأن علماء عصرنا قد ينقل أحدهم هذا القول أو ذاك خلال حديثه أو خطبته أو جوابه لسؤال يعرض عليه، فقد رأيت من واجبي أن أدرس مجموعة الأحاديث الواردة في موضوع العدوى وفي الأمراض السارية وما قاله الشراح في ذلك وأن أقابل ذلك بالحقائق الطبية الثابتة اليوم، ليكن فهمي للحديث الواحد منها منسجماً مع مجموعها ، ولأختار من أقوال العلماء وشراح الأحاديث الأبرار ما ينسجم مع حقائق الطب الحديث. ثم أقدم نتيجة بحثي إلى القراء الكرام مستعيناً بالله تعالى العليم الخبير.
وانتهى الدكتور النسيمى إلى أن الفهم الكامل للأحاديث المتعلقة بالطب يتوقف على معرفة الحقائق الطبية الثابتة، وإلى أن الطب في زمان السلف كان قاصراً، وخاصة فيما يتعلق بالأمراض الإنتانية المعدية ( ) ، حيث لم تكن عواملها الجرثومية مكتشفة بعد وبالتالي لم تكن الأمراض مفرّقة بالتشخيص بعضها عن بعض، وكثيراً ما كانت تحشر أمراض عديدة تحت اسم مظهر مرضيّ واحد، ذلك المظهر الذي يعرف في الطب الحديث باسم تناذر مرضيّ، فاقتضى ذلك مني أن أختار من أقوال علماء المسلمين المتقدمين ما يأتلف مع كل زمان وما يوافق الحقائق الطبية الثابتة في زماننا، وذلك في سبيل الجمع والتوفيق بين الأحاديث التي تثبت العدوى والأحاديث التي جاء فيها نفي العدوى. أقول أوجه الجمع والفهم لمجموعها ولا أقول بترجيح بعضها على البعض الآخر، لأنه يمكن الجمع والتوفيق كما سأبين . ومن المقرر الثابت في علم مصطلح الحديث أن (طريق الترجيح لا يصار إليه إلاّ مع تعذر الجمع )
وبعد أن أورد سيادته الأحاديث التى أوجبت شبهة التعارض ختم بقوله :
وأما أوجه الجمع والتوفيق بين الأحاديث السالفة فقد ذكرها الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري عند شرحه لحديث لا عدوى في باب الجذام. واخترت منها ثلاثة مسالك لقوة الحجة فيها ولتلائمها مع ما توصل إليه العلم الحديث من معلومات طبية قطعية، ولإمكان العمل بالأوجه الثلاثة معاً. وسأضيف وجهاً أو مسلكاً رابعاً في الجمع ذهب إليه بعض العلماء وهو ينسجم مع شطر من أحاديث الباب وله فائدة عملية في التطبيق أيضاً.
1. المسلك الأول : (وهو الخامس في فتح الباري ) : إن المراد بنفي العدوى أن شيئاً لا يعدي بطبعه، نفياً لما كانت الجاهلية تعتقده بأن الأمراض تعدي بطبعها من غير إضافة إلى الله تعالى . فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم ذلك، وأكل مع المجذوم ليبين لهم أن الله هو الذي يمرض ويشفي ، ونهاهم عن الدنو منه ليبين أن هذا من الأسباب التي أجرى الله العادة بأنها تفضي إلى مسبباتها . ففي نهيه صلى الله عليه وسلم إثبات الأسباب، وفي فعله إشارة إلى أنها لا تستقل، بل الله هو الذي إن شاء سلبها قواها فلا يؤثر شيئاً، وإن شاء أبقاها فأثرت ، ويحتمل أيضاً أن يكون أكله صلى الله عليه وسلم مع المجذوم أنه كان به أمر يسير لا يعدي مثله في العادة، إذ ليس الجذمى كلهم سواء ولا تحصل العدوى من جميعهم.
وعلى الاحتمال الأول جرى أكثر الشافعية. قال البيهقي بعد أن أورد قول الشافعية ما نصه: الجذام والبرص بزعم أهل العلم بالطب والتجارب أنه يعدي الزوج كثيراً .
وقال : أما ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا عدوى " فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه العيوب سبباً لحدوث ذلك، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وقال : " لا يوردنَّ ممرض على مصح "، وقال في الطاعون :" من سمع به بأرض فلا يقدم عليه "، وكل ذلك بتقدير الله تعالى . وتبعه على ذلك ابن الصلاح في الجمع بين الحديثين من بعده وطائفة ممن قبله أ هـ . ذلكم ما قدمه الحافظ ابن حجر.
وهاكم ما قاله ابن الصلاح في مقدمته في بحث (معرفة مختلف الحديث) : اعلم أن ما يذكر في هذا الباب ينقسم إلى قسمين : أحدهما أن يمكن الجمع بين الحديثين، ولا يتعذر إبداء وجه ينفي تنافيها فيتعين حينئذ المصير إلى ذلك والقول بهما معاً ومثـــاله حديث " لا عدوى ولا طيرة " مع حديث :" لا يورد ممرض على مصح " وحديث " فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد" . وجه الجمع بينهما أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكن الله تبارك وتعالى جعل مخالطة المرض بها للصحيح سبباً لأعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في سائر الأسباب، ففي الحديث الأول نفي صلى الله عليه وسلم ما كان يعتقد ه الجاهلي من أن ذلك يعدي بطبعه، ولهذا قال : " فمن أعدى الأول؟ "وفي الثاني أعلم بان الله سبحانه جعل ذلك سبباً لذلك وحذر من الضرر الذي يغلب وجوده عند وجوده بفعل الله سبحانه وتعالى أ هـ.
إن هذا المسلك في الجمع هو المعتمد لدى المحققين ومعظم العلماء المتقدمين، وهو الذي يصلح للجمع والتوفيق بين كافة الأحاديث الواردة في العدوى والأمراض السارية على مستوى العلوم الكونية الطبية في زمانهم وزماننا، ولذا أوردته كمسلك أول في الترتيب. كما أنه يتعين في فهم الحديث الذي أجــــاب فيه النبي صلى الله عليه وسلم الأعرابي بقوله :" فمن أعدى الأول ؟ " .
وإذا كان هذا المسلك الأول يتكلم عن المرض المعدي بأنه لا يسري إلى آخره إلاّ بمشيئة الله تعالى ولو اجتمعت شروط العدوى، مع التسليم بأن سنة الله في خلقه جرت أن تقع العدوى عادة لدى تكامل شروطها، فإن المسلك الثاني يبين أن الأمراض ليست كلها معدية فهناك أمراض معدية وأمراض غير معدية، كما تقرر كتب الطب والصحة.
2. المسلك الثاني : (وهو الثالث في فتح الباري ) : قال القاضي أبو بكر الباقلاني : إثبات العدوى في الجذام ونحوه مخصوص من عموم نفي العدوى. قال : فيكون معنى قوله " لا عدوى" أي إلاّ من الجذام والبرص والجرب مثلاً.. وقد حكى ذلك ابن بطال أيضاً . فنفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : " لا عدوى " عام، وأما قوله : " وفرَّ من المجذوم كما تفرّ من الأسد " وكذلك باقي الأحاديث التي تثبت وجود العدوى في أمراض معينة، كالأوبئة عامة والطاعون منها بشكل خاص والجرب، فإنها تخصص ذلك العام.
هذا والمعتمد عند الأصوليين أن " العام قطعي ولكنه يصير بالتخصيص حجة ظنية إذا كان قد خصص بقول وبذلك يكون عرضة لأن ينسخ بخبر الواحد وبالقياس . وحجتهم في ذلك أن دليل التخصيص قابل للتعليل، والتعليل من شأنه توسيع محل الحكم فصار العام بذلك محلاً لاحتمال أن يكون المراد به أقل مما يبقى بعد ما دل المخصص على عدم إرادته "
فبتعليل تخصيص الجذام من لا عدوى بأنه مرض سار فيمكننا والله أعلم تخصيص كل الأمراض السارية التي يحددها الطب من قوله صلى الله عليه وسلم " لا عدوى " العام الذي يشمل كل الأمراض، وذلك قياساً على الجذام والجرب والطاعون والأوبئة الوارد فيها ما يثبت أنها أمراض معدية سارية.
ولو أن الجراثيم والأمراض السارية معروفة قديماً، لقال القاضي أبو بكر الباقلاني رحمه الله تعالى : فيكون معنى قوله : " لا عدوى " أي إلاّ من الأمراض السارية، ولما قال : إلاّ من الجذام والبرص والجرب مثلاً. لاحظ قوله مثلاً، فإنه في غاية الدقة العلمية حيث يشير إلى أن الأمراض المعدية لم يرد حصر لها في السنة المطهرة . ( ننبه على ما ذكره ابن رشد فى الحاشية السابقة من الرد بالسواد والقرع " لأنها يخاف سرايتها إلى الأبناء " )
إن هذا المسلك وإن اختلف مع الأول من حيث معنى النفي إلاّ أنه يمكن العمل بهما معاً، لأن المسلك الثاني يدفع التوهم عن الناس ويبين خطأ الاعتقاد بعدوى كل الأمراض، الذي يؤول إلى الوسوسة وتجنب كافة المرضى، ولذلك نفى العدوى عن غير الأمراض السارية. أما الأمراض السارية فالعدوى بها سبب من الأسباب له شروطه لينتج المسبب عادة . ولكن الشرط الأول الخفيّ عنا والذي لا ندركه إلا بعد حدوث المسبب هو إذن الله تعالى ومشيئته، لأن الخالق العظيم كما يملك فإنه يحكم.
فإذا أيقنا بكل ما سبق فهل معنى وجود العدوى في الأمراض السارية أن يتجنب الناس كلهم المرضى بمرض سار تجنباً مطلقاً يؤدي إلى إهمالهم وتناسي الواجبات الإنسانية تجاههم؟ لا فإن صحيح البنية وصحيح التفكير الخالي من الوسوسة، وكذلك أصحاب اليقين بالله تعالى، هؤلاء يأخذون بأسباب الوقاية الصحية العامة والخاصة بمرض من يحتاج إلى تطبيب وتمريض ورعاية، ويقدمون الخدمات الإنسانية كل في حدود اختصاصه. وهذا ما يشير إليه المسلك الثالث التالي.
3. المسلك الثالث (وهو الثاني في فتح الباري ) : هو حمل الخطاب، بالنفي والإثبات على حالتين مختلفتين، فحيث جاء لا عدوى كان المخاطب بذلك من قوى يقينه وصح توكله بحيث يستطيع أن يدفع عن نفسه اعتقاد العدوى كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل أحد، لكن قوى اليقين لا يتأثر به، وهذا مثل ما تدفع قوة الطبيعة لعلة فتبطلها. وعلى هذا يحمل حديث جابر في أكل المجذوم من القصعة وسائر ما ورد من جنسه.
وحديث جابر " فرَّ من المجذوم" كان المخاطب بذلك من ضعف يقينه ولم يتمكن من تمام التوكل، فلا يكون له قوة على دفع اعتقاد العدوى، فأريد بذلك سد باب اعتقاد العدوى عنه بأن لا يباشر ما يكون سبباً لإثباتها.
وقريب من هذا كراهيته صلى الله عليه وسلم الكيّ مع إذن فيه، وقد فعله هو صلى الله عليه وسلم مع إذنه فيه، وقد فعل هو صلى الله عليه وسلم كلاً من الأمرين ليأسّى به كل من الطائفتين أ هـ .
أقول والله أعلم : إن هذا المسلك الذي ذكره الحافظ بن حجر يجب ألا يستقل تماماً عن المسلك الأول السابق، بل يؤخذ المسلك الأول كإيضاح لعقيدة المسلم في العدوى كسبب، ويؤخذ المسلك الثالث كخطة للعمل تجاه المصابين بالأمراض السارية، على أن توضح تلك الخطة بالحقائق الطبية الثابتة.
فحريّ بالطبيب والممرض أن يقوى يقينهما بالله تعالى واعتمادها عليه لتبتعد عنهما الوساوس والأوهام حينما يخالطان المرضى ويزاولان المهنة مع أخذهما بالوسائل الوقائية التي خلقها الله تعالى وجعلها بحكمته وسائل، وبذلك يتأدبان مع الحكمة الإلهية ويعتمدون على القدرة الربانية.
إن الكثير من المرضى بمرض سار أناس بان عجزهم ووضح ضعفهم، يحتاجون في معظم الحالات إلى الخدمة والرعاية فضلاً عن التطبيب والتمريض.
فقوة اليقين بالله وصحة التوكل عليه مطمئنة للنفس رافعة للروح المعنوية مشجعة علي القيام بالمعونة والواجب، ولو كان في أدائهما مصاعب ومخاطر .
أما ضعيف البنية والمقاومة أو ضعيف الاتكال على الله تعالى أو ضعيف النفس صاحب الأوهام سريع الوسواس، فليس بملزم على الاحتكاك بالمرضى، بل عليه في هذه الأحوال أن يبتعد عن أسباب العدوى حفاظاً على سلامة توحيده وعقيدته بالله تعالى، وحفاظاً على صحته الجسمية والنفسية.
وإذا كان المسلك الثالث يبحث في خطة العمل عند التسليم تجاه المريض بمرض سار، فإن المسلك الرابع يبحث في واجب هذا المريض ليحدّ من انتشار مرضه المعدي إلى الآخرين .
4. المسلك الرابع : سمعته من فضيلة أحد العلماء الأعلام وهو أن النفي في قوله صلى الله عليه وسلم : " لا عـــدوى " هو نفي بمعنى النهي على غرار قولــــــه " لا ضرر ولا ضرار " ( ) فإن الضرر بين الناس أمر واقع، فليس المقصود نفي وجوده وإنما المراد النهي عن إيقاعه أ هـ .
إن إيراد النهي بصيغة النفي يدل على المبالغة في النهي، فقولك : لا ضرر أبلغ في النهي من قولك : لا تضرّ وقولك : لا مزاح والأمر جد أبلغ في النهي من قولك : لا تمزح والأمر جد. وكذلك قول المعلم للتلميذ: لا لهو في الصف أبلغ من قوله لا تله.
فمعنى لا عدوى في هذا المسلك نهي عن مباشرة الأسباب التي تؤدي إلى سراية المرض إلى الآخرين . فعلى المصاب بالجرب مثلاً ألا يلمس الآخرين وألاّ ينام في فراش غيره، كما عليه أن يكافح مرضه. ومن كانت إبله مصابة بالجرب فعليه ألاّ يضعها إلى جانب إبل سليمة. ومن كان مصاباً بآفة سليّة مفتوحة على القصبات فعلية ألاّ يخالط الناس وأن يضع أمام فمه ما يصدّ به رذاذ سعاله عنهم إلخ.
إن النهي في مثل تلك الحالات مصرح به في أحاديث أخر، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يورد ممرض على مصح" . وقال في الوباء : " وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه" إن النهي عن الخروج واضح الحكمة بالنسبة لمرضى الوباء، لئلا ينشروا عدواهم إلى أماكن خالية من الوباء .أما حكمة النهي بالنسبة للأصحاء ظاهراً فلأن منهم من يكون حاملات للجرثوم، وهو غير مصاب لمناعته، أو يكون حاملاً للحشرات المحملات بجراثيم الوباء في ثيابه وحوائجه . وكثيراً ما يضطرب في الطب الحديث إلى حجر وعزل فئة أو حيّ أو بلدة أو قطر، وإلى حظر الناس من مغادرة المكان المحجور والدخول إليه، منعاً لانتشار الوباء إلى الأصحاء أو إلى أماكن سليمة. بل قد تضطر الدولة إلى إغلاق حدودها خوفاً من انتشار الوباء إليها كما فعلت بلغارية تجاه جائحة الكوليرا عام 1970، ولا يستثني من ذلك الحجر إلاّ من تسمح له الشروط الصحية التي تختلف بحسب نوع الوباء. وقد يكتفي بحجر السليم حجراً موقتاً بمدة حضانة الوباء ثم يسمح له بالانتقال إذا ثبتت سلامته مع تعقيم ثيابه وحوائجه حسبما يقتضي ذلك الوباء.
إن هذا المسلك الرابع في فهم " لا عدوى " يمكن تطبيقه في قوله صلى الله عليه وسلم " ولا طيره " المعطوف على " لا عدوى " فإن نفي الطيرة وهي التشاؤم لا يمكن أن يكون نفياً لوجودها بالجملة والكلية فإن كثيراً من الناس يتشاءموا .
وإبقاء معنى النفي في " ولا طيرة " يحتاج إلى تأويل هو : لا ارتباط بين وقوع ما تتوقعون من شر بما تتشاءمون منه. وما لا يحتاج إلي تأويل مقدم على ما يحتاج
لقد ورد لبعض العلماء في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى " القول بأنه نهي عن الاعتداء ، قال في فتح الباري في آخر إيراده حديث باب لا هامة (الثاني ): وقيل معنى قوله (لا عدوى ) النهي عن الاعتداء، ولعل بعض من أجلب عليه إبلاً جرباء أراد تضمينه فاحتج عليه في إسقاط الضمان بأنه إنما أصابها ما قدر عليها وما لم تكن تنجو منه أ هـ .
هذا ما انتهى إليه الباحث الطبيب ، وهو ذات ما انتهى إليه الشيخ محمد بن صالح العثيمين ،والشيخ سلمان العودة ، والشيخ القرضاوى فى فتاوى لهم منشورة على مواقع اسلاميات أون لاين ، والإسلام اليوم ، والإسلام على الخط ، وفى الأخير ملف كامل عن الطب النبوى من بين بحوثه رؤية نقدية للدكتور عامر الحريرى مدرس الحديث النبوى بجامعة دمشق ،بعنوان ( أحاديث الطب النبوى واختلافها ) خلص فيه إلى نحو ما عرضنا ، وللشيخ السقاف كلام مقارب تحت عنوان ما ورد فى العدوى تجده بوقعه " الدرر السنية " وللأستاذ الدكتور محمد على البار كتاب جامع فى ( العدوى بين الطب وأحاديث المصطفى ).
وأخيرا نورد كلام العلامة ابن القيم ونصه ( ذهب بعضهم إلى أن قوله " لا يورد ممرض على مصح " منسوخ بقوله " لا عدوى " ، وهذا غير صحيح ، وهو مما تقدم آنفاً أن المنهي عنه نوع غير المأذون فيه ، فإن الذي نفاه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله " لا عدوى ولا صَفَر " هو ما كان عليــــه أهل الإشراك من اعتقادهم ثبوت ذلك على قيـــــاس شركهم وقاعدة كفرهم ، والــــذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من إيراد الممرض على المصح فيه تأويلان :
أحدهما : خشية توريط النفوس في نسبة ما عسى أن يقدره الله تعالى من ذلك إلى العدوى ، وفيه التشويش على من يورد عليه وتعريضه لاعتقاد العدوى فلا تنافي بينهما بحال .
والتأويل الثاني : أن هذا إنما يدل على أن إيراد الممرض على المصح قد يكون سبباً يخلق الله تعالى به فيه المرض ، فيكون إيراده سبباً ، وقد يصرف الله سبحانه تأثيره بأسباب تضاده أو تمنعه قوة السببية وهذا محض التوحيد بخلاف ما كان عليه أهل الشرك .
وهذا نظير نفيه سبحانه الشفاعة في يوم القيامة بقوله { لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة } فإنه لا تضاد الأحاديث المتواترة المصرحة بإثباتها ، فإنه سبحانه إنما نفى الشفاعة التي كان أهل الشرك يثبتونها وهي شفاعة يتقدم فيها الشافع بين يدي المشفوع عنده وإن لــــم يأذن له ، وأما التي أثبتها الله ورسوله فهي الشفاعة التي تكون من بعد إذنه كقوله { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } وقــــوله { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } وقـــــوله { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } ( ) .
ولا يخفى أن الأمر خطير فالبحوث العلمية تؤكد على أن العوامل الجينية أو الوراثية تلعب دورا واضحا فى معظم الاضطرابات النى يعانيها الإنسان ، وبالإضافة إلى الأمراض ذات المنشأ الوراثى والتشوهات الخلقية أصبح معروفا اليوم أن معظم الاضطرابات الشائعة كالسكرى وارتفاع ضغط الدم ، ومرض القلب التاجى ، والفصام ، والعديد من أشكال السرطان إنما تتأتى فى جانب منها من جينات غير سوية ، يمكن أن تنتقل من الوالدين إلى الأطفال ، أو قد يعود إلى الظهور مرة أخرى من جراء طفرة جديدة ، وقد تظهر الملامح السريرية أو الإكلينيكية للمرض عند الولادة ، أو يتأخر ظهورها سنوات عديدة ، وفى كل حال فالأمراض الوراثية تشمل ألوفا من الاختلالات ، بعضها شائع ومعروف وبعضها الآخر نادر الحدوث ، وكما تقرر البحوث فإن 8% من الأطفال فى البلدان الصناعية يولدون وهم معرضون للتعوق المزمن ، وخمسون بالمئة من هذه الحالات يقررها عامل الوراثة ، أو يدخل فى عداد مسبباتها مقومات وراثية رئيسية ، ويموت من جراء هذا النوع من الاضطرابات ما يعادل 2.5 من كل ألف طفل ، وقد سجلت دولة الإمارات للعام 1997 فى وفيات الرضع معدلا بلغ ثمانية بالألف ، وتشير الدلائل المتوفرة فى المناطق العربية إلى ارتفاع نسبى فى معدل الأطفال المولودين وهم مصابون باضطرابات وراثية ، وتشير إحصائيات الإجهاض – فى أبو ظبى- إلى أن ما نسبته 31.5% من جملة الحالات يعزى إلى التشوهات الخلقية ، وأن الزواج القائم على قرابة الدم يؤدى على وجه الخصوص إلى ظهور اضطرابات نادرة موروثة عن طريق الصفات المتنحية ، وأخيرا فإن زواج مريضين بالثلاسيميا يعنى أن خطر إنجاب طفل مصاب بالثلاسيميا مؤكد بنسبة 1 إلى 4 ( ).وأحدث الاحصائيات الصادرة عن منظمة الصحة العالمية تؤكد ان عدد المعاقين فى مصر فى تزايد مستمر وانهم يمثلون حوالى 13% من اجمالى عدد السكان منهم حوالى 73% من اصحاب الاعاقة الذهنية ( )
وحيث كان الأمر كذلك فلا يظن بأهل الشرع والقانون ألا أن يحتموا إجراء الفحص الطبى قبل الزواج ، ويحمد لحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة – فى عهد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن نهيان – مبادرتها باشتراط الفحص الطبى المسبق لطالب منحة الزواج ، وحصوله على شهادة صحية تفيد خلوه من الأمراض المعدية خاصة أمراض العصر ، على ما نص عليه قرار مجلس الوزراء رقم 204/8 لسنة 1995 الصادر بتاريخ 29/5/1995 ، وعلى غرار دولة الإمارات مضت كل من السعودية والاردن ومن المنتظر تعميم التجربة فى انحاء الوطن العربى ، وإن كانت القوانين : الليبى ( مادة 10 ) والسورى ( مادة 15 ) واللبنانى ( مادة 9) والأردنى ( مادة 8) والعراقى ( مادة 7) والكويتى ( مادة 24) والسودانى ( مادة 40 ) واليمنى ( مادة 11) ومشروع القانون القطرى ، ومسودة قانون الأسرة البحرينى ( مادة 8،9 ) ووثيقة مسقط ( م 7) ومن قبل مشروع القانون العربى الموحد ( مادة 20) كلها قيدت زواج المجنون والمعتوه على النحو الذى صير إليه فى المادة 23 من مدونة الأسرة المغربية الجديدة ، ونصها :
يأذن قاضي الأسرة المكلف بالزواج بزواج الشخص المصاب بإعاقة ذهنية ذكراً كان أم أنثى، بعد تقديم تقرير حول حالة الإعاقة من طرف طبيب خبير أو أكثر.
يطلع القاضي الطرف الآخر على التقرير وينص على ذلك في محضر.
يجب أن يكون الطرف الآخر راشدا ويرضى صراحة في تعهد رسمي بعقد الزواج مع المصاب بالإعاقة

وفى ظل غياب تشريع ملزم بإجراء الفحص قبل الزواج – كما هو الحال فى مصر – فإن بعض المهمومين بالمشكلة يقترحون الآتى : ( )
1- لولي المرأة أن يشترط على المتقدم للخطبة إجراء الفحص إذا كانت هناك قرائن تدل على احتمال الإصابة بالمرض سواء للمخطوبة أو للذرية مستقبلا، لاسيما في هذا الزمان الذي انتشرت فيه الأمراض المختلفة مثل نقص المناعة المكتسـب (الإيدز) والزهري والسيلان وغيرها، فانتشار الإيدز بشكل مخيف حسب الإحصاءات غير المعلنة، وكما قرره أهل الاختصاص، بين أوساط الشباب في الأزمنة المتأخرة، والأمانة الملقاة على عاتق ولي المرأة، تجعل القول باشتراط الفحص إن أحب الخاطب الاقتران من الأمور المؤكدة إذا ظهرت القرائن التي تدل على احتمال الإصابة، والخاطب بالخيار إن شاء رضي بذلك وإلا اختار غيرها. وقد جاء في فتأوى اللجنة الشرعية بوزارة الأوقاف بالكويت: "يستحب، بل يجب في بعض الحالات إخبار الراغبين في الزواج بما تكشف عنه الفحوصات، سواء كان حصول التشويه بالحمل مؤكداً أو محتملاً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم "الدين النصيحة" والله أعلم" .

2-إذا انتشر مرض معين في منطقة معينة، وكان المتزوجون من أهل المنطقة، وهم معرضون غالباً لانتقال الأمراض الوراثية للذرية؛ فلا بأس من طلب الفحص قبل الزواج، وليس ذلك على النطاق العام، فلو كان المرض ينتشر في منطقة معينة من بلد ما فقط فيقتصر الحكم على المنطقة .

3-وعلى ما انتهت إليه المناقشات الطبية الفقهية لموضوع الفحص الطبي قبل الزواج التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، والتي ضمت نخبه من الأطباء والفقهاء من ينصح بمراعاة وصايا المنظمة وأبرزها ما يلى :

"1 – تشجيع إجراء الاختبار الوراثي قبل الزواج، وذلك من خلال نشر الوعي عن طريق وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والندوات والمساجد.
2 – تنأشد السلطات الصحية بزيادة أعداد وحدات الوراثة البشرية لتوفير الطبيب المتخصص في تقديم الإرشاد الجيني وتعميم نطاق الخدمات الصحية المقدمة للحامل في مجال الوراثة التشخيصية والعلاجية بهدف تحسين الصحة الإنجابية.


***************************





















لـــزواج العرفى
وحيث إننا نتكلم عن توثيق عقد الزواج فالفرصة مناسبة لنتكلم قليلا عن ذاك الخطر المحدق بشباب مصر وفتياتها والمسمى خطئا " الزواج العرفى " .
لم يعد خافيا أن الزواج العرفي من أكثر الافرازات الاجتماعية الحديثة في المجال الاجتماعي و التي طفت على سطح المجتمع نتيجة لتراكمات اجتماعية كبيرة ساهمت إلى حد كبير في تغيير و إعادة تشكيل منظومة القيم و المبادئ الاجتماعية و الاقتصادية و السياسية في المجتمع المصري الحديث ، وهذا الارتباط البغيض واسع الانتشار لدى الشباب – وإن كان لا يغيب تماماعن ممارسة الكبار سنا ومنزلة اجتماعية - الذين يعتقدون أنه صحيح شرعاً على خلفية أن أيام الإسلام الأولى لم تعرف التوثيق وكان يكتفى بحضور شاهدين لصحة الزواج .
وواضح تماماً حالة اللبس فى الفهم وعدم التزام القواعد الشرعية فى التعاملات والأخذ بظواهر الأمور دون فهم أو وعى ( )
وحسب تعريف مجلة البحوث الفقهية المعاصرة فإن الزواج العرفى هو اصطلاح حديث يطلق على عقد الزواج غير الموثق بوثيقة رسمية سواء كان مكتوبا أو كان غير مكتوب .
وينقل عن الدكتور عبد الفتاح عمرو قوله : "هو عقد مستكمل لشروطه الشرعية إلا أنه لم يوثق، أي بدون وثيقة رسمية كانت أو عرفية".

ويعرفه الدكتور محمد فؤاد شاكر فيقول: "هو زواج يتم بين رجل وامرأة قد يكون قولياً مشتملا على إظهار الإيجاب والقبول بينهما في مجلس وأحد وبشهادة الشهود وبولي وبصداق معلوم بينهما ولكن في الغالب يتم بدون إعلان، وإجراء العقد بهذه الطريقة صحيح ".

ويعرفه الدكتور محمد عقله فيقول عن العقد في هذا الزواج (يتم العقد- الإيجاب والقبول- بين الرجل والمرأة مباشرة مع حضور شاهدين ودونما حاجة إلى أن يجرى بحضور المأذون الشرعي أو من يمثل القاضي أو الجهات الدينية... والزواج المدني - أو العرفي- بهذا المعنى لا يتنافى والشريعة الإسلامية لأنه في الأصل عبارة عن إيجاب وقبول بين عاقدين بحضور شاهدين ولا تتوقف صحته شرعا على حضور طرف ديني مسؤول أو على توثيق العقد وتسجيله. " ( )
ولعل بعض الذى أعان على شيوعه وانتشاره هو تعقيب بعض المتحدثين عنه بمثل قولهم
"إن الوضع الذي كان سائدا منذ صدر الاسلام و حتى صدور لائحة ترتيب المحاكم الشرعية أن الزواج كان يتم بدون توثيق ، فلم يكن المسلمون في يوم من الأيام يهتمون بتوثيق الزواج، ولم يكن ذلك يعني إليهم أي حرج، بل اطمأنت نفوسهم إليه. فصار عرفاً عُرف بالشرع وأقرهم عليه ولم يرده في أي وقت من الأوقات
و لكن نتيجة لتطور المجتمع الاسلامى و فساد الذمم برزت الحاجة إلى توثيق العلاقة الزوجية بما يثبتها بين أطرافها و هو ما كان لة بدايات كثيرة انتهت بصدور لائحة ترتيب المحاكم الشرعية رقم 78 لسنة 1931 ، و التي ألزمت بضرورة توثيق العلاقة الزوجية .( )
والحق أن هذا التبرير يتغافل جملة من الحقائق أبرزها :
1- أن ادعاء أن المسلمين لم يهتموا يوما بتوثيق عقد الزواج ادعاء لا دليل عليه ، وعلى أدنى اعتبار فهو وقوف بالتوثيق عند صورة واحدة من صوره وهى التوثيق على يد مختص بعينه ، هو الموثق ، بيد أن للتوثيق صورا عدة منها ما ذكره الله فى القرآن من الكتابة والإشهاد ، بل والرهن ، وغيرخاف أن من التوثيق المعتبر عند السلف كتاب القاضى ، ودفتر التاجر ، ومتولى الوقف وناظره ، وسجلات العدالة - وهى تشبه قلم الكتاب فى المحاكم الآن - و الدواوين - جمع ديوان وهى الوزارات أو الهيئات العامة – المختلفة ، والديوان كلمة فارسية تعني فى الأصل الدفتر ثم أصبحت تعني المكان الذي توضع فيه السجلات و يعد الخليفة عمر بن الخطاب أول خليفة أدخل نظام الدواوين في الدولة الإسلامية
2- أن من الثابت أنه لما اتسعت الفتوحات وفاضت الأموال لم ير عمر بداً من أن يضبط موارد هذا المال ومصارفه فأمر بإنشاء ديوان لبيت المال يرصد فيه الوارد والمنصرف، ويحصر فيه الجند وأعطياتهم. ويسجل فيه ما يفرض للمهاجرين والأنصار، ثم أمر أن يكون لكل وال من ولاة الأمصار ديوان على شـــــاكلة هذا الديوان يرصد فيه ما يجبي إليه وما ينفق منه . ( )
والسؤال الذى يليق أن يطرح هنا : كيف كان الناس يعطون ما فرض لهم من رواتب ومعاشات ؟
أكانوا يعطون بمجرد دعواهم أنهم متزوجون أو عزبا ، يعولون ، أو لا نسل لهم ؟ أم كان يطلب منهم على إخبارهم دليل ، شهادة أو يمين ؟ .
أليس مثل هذا الطلب – على فرض ثبوتــــه - عند كل استحقاق يدخـــل على الناس المشقة ؟
وإن قدرنا أن العصر الأول للديوان سار على الثقة وقول الصدق فهل ظل الأمر على حاله وقد ركب الناس – كما يقول عبدالله ابن عباس – الصعبة والذلول حتى اضطروه وأمثاله من أهل الفضل أن تركوا التحديث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ .( )أعنى أنه حيث لم يجد بعض الناس حرجا من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما حفز العلماء لوضع ودراسة ما عرف بعلم الرجال فى الحديث ، ألا يحفز مثل هذا الولاة لوضع السجلات تثبت فيها العلائق الأسرية والروابط الاجتماعية حتى يضبط صاحب الديوان الخرج كما يضبط الدخل ؟ إن قولا بغير هذا ليتهم السلف بالتخلف عن معالجة الواقع ، بل ويتهم الشرع بالعجز عن الوفاء بحاجات الناس المتجددة ، وظننا الراجح فى السلف أن هممهم العالية تنفى ذلك ، ويقيننا فى الشرع أنه باب الصلاح الذى لم ولن يوصد .
3- إننا لا نقر بعض الباحثين على طلاقة قولهم "ولأن الزواج عقد رضائي، وليس من العقود الشكلية التي يستلزم لها التوثيق " لأنه قائم على فرض الشكلية المنشئة لا شكلية الثبوت ، ومع هذا فالقراءة المتأنية لعقد الزواج فى مجموع فقه السلف تحتمل القول بالشكلية ، فمن الفقهاء من لا يجيز النكاح إلا بلفظى " أنكحتك ، وزوجتك " بناء على ما فهموا من الحديث الصحيح " اتقوا الله فى النساء ، فإنكم أخذتموهم بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " وكلمة الله فى كتابه " زوج " و " نكح " ولا يصح بلفظ الهبة ، لأن الله – فى القرآن – خص بالهبة فى الزواج النبى صلى الله عليه وسلم ، و إجمالا يقولون " إن النكاح لا ينعقد إلا بألفاظ مخصوصة ، وردت فى لسان الشرع ، فأطلقت عليه إطلاقا حقيقيا، وما عداها ليس بصريح فى النكاح فلا ينعقد به " ( )ولأن عقد النكاح من العقود المطلوبة شرعا ، وفيه ناحية تعبدية يتعين معها التقيد بما ورد عن الشارع من الألفاظ ( ) . بل فى مذهب أبى حنيفة – الذى لا يقيد الزواج بلفظ بعينه - ما نصه فى الدر المختار" وينعقد بإيجاب وقبول……فلا ينعقد بقبول بالفعل كقبض مهر، ولا بتعاط، ولا بكتابة حاضر، بل غائب بشرط إعلام الشهود بما فى الكتاب"( ) .
وإن جاوزنا قضية اللفظ إلى الشهادة استوقفنا قول الشوكانى " وظاهر الأحاديث المقتضية للنفى – لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل - أن الإشهاد شرط للنكاح لا يصح بدونه ، لأن النفى حقيقة يتوجه إلى الذات الشرعية، فيفيد ارتفاعها بارتفاعه ، وذلك معنى الشرط، وعلى فرض وجود قرينة تدل تمنع من اعتبار المعنى الحقيقى فنفى الصحة أقرب المجازين إلى الذات ، وذلك يفيد الشرطية أيضا ، قال الترمذى : والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبىصلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين وغيرهم ، قالوا : لا نكاح إلا بشهود ، لم يختلفوا فى ذلك إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم " ( ).
وهذه لا شك شكلية إثبات تناسب زمانهم ، وهى التى ذاع خبرها فى العقد والإثبات ، لكنها ليست بالضرورة كل شىء ، وإن كان مما نقل عن بعض الحنفية ما يوحى بهجر الكتابة لقلة فائدتها فى الإثبات كقول صاحب الخانية " إن القاضى إنما يقضى بالحجة ، والحجة هى البينة ، والإقرار ، والنكول وأما الصك فلا يصلح حجة ، لأن الخط يشبه الخط ( حموى وتنقيح ) وفى تنقيح الحامدية : وعامة علمائنا على عدم العمل بالخط " ( ) فإن دلالته الصحيحة كما يقول ابن عابدين " المدار على انتفاء الشبهة ظاهرا .... وأن العمل فى الحقيقة إنما هو لموجب العرف ، لا لمجرد الخط ، وحاصله أن ما مر من قولهم لايعتمد على الخط مبنى على أصل المنقول فى المذهب قبل حدوث العرف ، ولما حدث العرف فى الاعتماد على الخط والعمل به فى مثل هذا الموضع أفتوا به " ( ).
وإذا كان عرف المشارقة - أهل المشرق الإسلامى - فى التوثيق بالخط قد تأخر فليس كذلك عرف المغاربة ، فقد حكوا عن ابن لبابة المالكى – وهو من مالقة الأندلسية - المتوفى سنة 314 هجرية قوله " والتعليم على الشهادة فى الوثائق من سنة – أى العادة المتبعة- الحكم ، و لا يكتفى – القاضى – بسماعه للشهادة دون التعليم لأنه يتذكر به ما شهد به عنده " ( ) وقد جاء فى مقدمة مصنف ابن سلمون الكنانى – الرائع – والمعنون " العقد المنظم للحكام فيما يجرى بين أيديهم من العقود والأحكام " . ما نصه " " لما كانت الأحكام الشرعية لها محل كبير من الدين وعمدة فى حفظ نظام أمر المسلمين ، …. لم أزل أعمل النظر فى دواوين العلماء ، وأطيل البحث عن المسائل المحفوظة فى ذلك عن المتقدمين والمتأخرين ، حتى اجتمع لى فى ذلك عدة من المسائل المفيدة وجملة وافرة من الأحكام والنوازل الفردية فأردت أن أضم نشرها ، وأنظم على الاختصار دررها فى ديوان يحتوى عليها، ويكون لى تذكرة عند التشوق إليها، وأضفت إلى ذلك من الوثائق المستعملة ما يكون لفائدتها كالتكملة ، وقد جمعت من ذلك للناظر ما يكثر به بلواه ، ولا يجده مجموعا فى سواه"( )
ويؤكد على هذه الحقيقة ، بل ويبرز أثرها فى الفكر القانونى الغربى الأستاذ جوزيف شاخت بقوله " وهناك تأثير -للتشريع الإسلامى - مهم آخر ، ولكنه ذو صبغة شكلية محضة حدث فى أسبانيا الإسلامية ، حيث نجد أن المسيحيين الذين تعربوا وعرفوا باسم المستعربين أخذوا يستعملون فى وثائقهم وعقودهم الصيغ الفنية المتبعة فى الوثائق الإسلامية، واحتفظوا بهذه الطريقة فى مدينة طليطلة لمدة حوالى القرنين بعد أن استعادها النصارى عام 478هـ – 1085م " ( ) .
وأزيد على عبارة الأستاذ شاخت أن التوثيق شمل العقود والأحكام ، وقد ذكر المعربان – الدكتور حسين مؤنس ، د. إحسان العمد - أنه " توجد فى محفوظات كنيسة طليطلة ألوف من وثائق البيوع والتركات، ومختلف المعاملات المالية ، وقد درس بعضها أول الأمر المستشرق جين روبلز وقد كان من خيرة المستشرقين الأسبان ، ولكنه توفى شابا ، وقام بالعمل بعد ذلك أنجل جنذاليس باليينا فدرس بضعة ألوف من هذه الوثائق ، ونشرها بنصوصها العربية مع ترجمتها الأسبانية فى أربعة مجلدات فى مدريد 1939م ( ) .
إذن لنتمنى على شيوخنا وإخواننا أن يكفوا عن تلك العبارة المرسلة التى أطمعت أصحاب الهوى فيما لا ينبغى الطمع فيه ، إذ الظن المقبول أنها تخالف الواقع فى تاريخ الزواج عند المسلمين ، ولننظر نظرة سريعة فى موقف الفقه الإسلامى من التوثيق بالكتابة .
جاء فى موسوعة الفقه الإسلامى الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فى مادة " إثبات " وتحت عنوان : الخط . ما نصه :

مذهب الحنفية :
اختلف فقهاء الحنفية فى اعتبار الكتابة حجة يؤخذ بها "فى إثبات الحق ويعتمد عليها فى القضاء وعدم اعتبارها كذلك، وبالرغم من اقتناع الكثيرين من عدم جواز العمل بالخط معللين ذلك بأحد أمرين:
الأول: احتمال أن الكاتب لم يقصد بما كتبه إفادة المعانى الحقيقية للكلمات والألفاظ التى كتبها وإنما قصد تجربة خطه أو مجرد اللهو والتسلية.
والثانى: احتمال التزوير فى الخط إذ الخطوط تتشابه كثيرا إلى درجة كبيرة.. وقد قسموا الكتابة إلى ثلاثة أقسام :
أولا: كتابة مرسومة، أى معنونة، ومصدرة بعنوان على ما جرى به العرف المتبع، كأن يكتب من فلان ابن فلان إلى فلان ابن فلان، أو وصلنى فلان ابن فلان، من فلان ابن فلان مبلغ كذا، أو بذمتى لفلان ابن فلان كذا، وهكذا، ومستبينة ، أى ظاهرة ومقروءة.
ثانيا: كتابة مستبينة، غير مرسومة كالكتابة على غير الوجه المعتاد عرفا أو الكتابة على الحائط وأوراق الشجر.
ثالثا: كتابة غير مستبينة، كالكتابة على الماء أو فىالهواء.
وقالوا:إن ما ينبغى فيه الاحتمال الأول، وهو قصد التجربة أو اللهو مع استثناء الاحتمال الثانى، يكون حجة ويعمل به دفعا للضرر عن الناس، ولا سيما التجار، وأخذا بالعرف، وذلك كالكتابة المستبينة المرسومة مطلقا وهى التى عناها الفقهاء حين قالوا إن الإقرار بالكتابة كالإقرار باللسان، وألحقوها بالصريح من القول فى عدم توقف دلالتها على شبه أو إشهاد أو إملاء. وكالكتابة المستبينة غير المرسومة إذا وجدت نية أو كان معها إشهاد عليها أو إملاء على الغير ليكتبها مما ينفى احتمال التجربة أو اللهو. أما إذا لم يوجد معها شىء من ذلك فلا يعمل بها لقيام الاحتمال ، وكذلك إذا قضت العادة بأنه لا يكتب إلا على سبيل الجدية وجرى العرف باعتباره حجة كما فى دفاتر السمسار والتاجر والصرافة، وما يكتبه الأمراء والكبراء ممن يتعذر الإشهاد عليهم من سندات وصكوك، ويعترفون بها أو يعدهم الناس مكابرين حين ينكرونها أو توجد بعد موتهم فإنها تكون حجة عليهم ويعمل بها.

وكذلك من توجد فى صندوقه صرة مكتوب عليها هذه أمانة فلان الفلانى يؤخذ بها لأن العادة تقضى بأن الشخص لا يكتب ذلك علي ملكه.
وقالوا:
إن ما ينبغى فيه الاحتمالان معا يكون حجة ويعمل به كما فى سجلات القضاة المحفوظة عند الأمناء ولو كانت حديثة العهد، فإنه يؤخذ بما فيها من أقوال الخصوم وشهادة الشهود ويحكم بها ويعتمد عليها فى ثبوت وشروط ومصارف الأوقاف المنقطعة الثبوت المجهولة الشرائط والمصارف وكما فى البراءات، والقرارات السلطانية المتعلقة بالوظائف فإنها تعتبر حجة فيما تضمنته واشتملت عليه، إذ العرف جرى باعتبارها من أقوى الحجج والأدلة لبعدها عن احتمال التزوير والتجربة واللهو. أما الكتابة غير المستبينة أصلا فهى لغو ولا أثر لها .

مذهب المالكية:
قال فى الجواهر: لا يعتمد على الخط لإمكان التزوير فيه، وإذا وجد فى ديوانه حكما بخطه ولم يتذكره لا يعتمد عليه لإمكان التزوير، ولو شهد به عنده شاهدان فلم يذكر.
قال القاضى أبو محمد: ينفذ الحكم بشهادتهما، أى لا يعتمد على المدون، وما وجد فى ديوان القاضى من شهادات الناس لا يعتمد القاضى منه إلا ما دونه بخطه أو بخط كاتبه العدل المأمون إذا لم يستنكر فيه شيئا .
ونقل ابن القيم فى " الطرق الحكمية " أن ابن وهب روى عن مالك فى الرجل يقوم فيذكر حقا قد مات شهوده ويأتى بشاهدين عدلين على خط كاتب الخط، قال: تجوز شهادتهما على كاتب الكتاب إذا كان عدلا مع يمين الطالب، وهو قول ابن القاسم، وأنه يجوز عند مالك الشهادة على الوصية المختومة.
مذهب الشافعية :
المشهور من مذهب الشافعى أنه لا يعتمد على الخط لا فى القضاء ولا فى الشهادة، لاحتمال التزوير فيها، فإن كانت محفوظة وبعد التزوير فيها وتذكرها القاضى أو الشاهد يجوز الاعتماد عليها، وإن لم يتذكرها ما فالصحيح عدم جواز الاعتماد .
مذهب الحنابلة :
إذا رأى القاضى حجة فيها حكمه لإنسان وطلب منه إمضاؤه، فعن أحمد ثلاث روايات:
أحداها: أنه إذا تيقن أنه خطه نفذه، وإن لم يذكره، واختاره فى الترغيب، وقدمه الشيخ مجد الدين فى التحرير ومثله الشاهد إذا وجد شهادة بخطه.
الثانية: أنه لا ينفذه إلا إذا تذكره فان لم يتذكره لم ينفذه.
الثالثة: إذا كان فى حرزه وحفظه كقمطره نفذه ، وإلا فلا.
وقال إسحاق بن إبراهيم: قلت لأحمد - رضى الله عنه - : الرجل يموت وتوجد له وصية تحت رأسه من غير أن يكون قد أشهد عليها أحداً، فهل يجوز إنفاذ ما فيها؟ قال: إن كان قد عرف خطه وهو مشهور الخط، فإنه ينفذ ما فيها.
قال الزركشى:. نص عليه الإمام أحمد - رضى الله عنه- واعتمده الأصحاب.
وقد نص فى الشهادة على أنه إذا لم يذكرها ورأى خطه لا يشهد حتى يذكرها. وقال الإمام فيمن كتب وصيته وقال لهم اشهدوا على بما فيها: أنهم لا يشهدون إلا أن يسمعوها منه أو تقرأ عليه فيقر بها.
فنص الإمام - رضى الله عنه- على الصحة وجواز التنفيذ بعد معرفة الخط فى الصورة الأولى.
ونص على عدم الصحة وعدم جواز الشهادة إلا بعد السماع أو الإقرار بعد القراءة فى الصورة الثانية.
وقد اختلف أصحاب أحمد فى ذلك ، فمنهم من خرج فى كل مسألة حكم الأخرى وجعل فيها وجهين بالنقل والتخريج، فجوز عدم الصحة فى الأولى أخذا من الثانية، وجعل فى الثانية وجها بالصحة أخذا من الأولى، ومنهم من منع التخريج وأقر النصين، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وفرق بين الحالتين بأنه فى الحالة الأولى اتنفى احتمال التغيير فى الوصية بالزيادة والنقص بعد موت الموصى، فلم تمنع الشهادة عليها.
وفى الثانية هذا الاحتمال قائم لوجود الموصى فمنعت الشهادة عليها ما لم يتحد بالسماع أو الإقرار.. فالروايات عن الإمام مختلفة فى الأخذ بالخط واعتباره حجة .
مذهب الزيدية :
وفى مذهب الشيعة الزيدية لا يحكم القاضى بما وجده فى ديوانه من خطه ولو عرفه لأن الخطوط تشتبه.
جاء فى " البحر الزخار" : ولا يحكم بما وجد فى ديوانه ولو عرف خطه لقوله تعالى:
) ولا تقف ما ليس لك به علم ...الإسراء : 36.)
وقال ابن أبى ليلى وأبو يوسف : يصح بمعرفة الخط، قلنا: تشتبه الخطوط.
وفى باب الشهادة منه أنه لا تجوز الشهادة ولو عرف خطه أو خط غيره بإقرار بحق لاحتمال التزوير .
وجاء فى " شرح الأزهار" ولا يجوز للحاكم أن يحكم بما وجد فى ديوانه مكتوبا بخطه وختمه سجلا أو محضرا إن لم يذكر، هذا مذهبنا، فقيده بما إذا لم يذكر.
مذهب الإمامية:
وفى مذهب الشيعة الإمامية جاء فى " كشف اللثام" من باب القضاء: لا يجوز للحاكم أن يعتمد على خطه إذا لم يتذكره وكذا الشاهد وإن شهد معه آخر ثقة لإمكان التزوير عليه.
واكتفى الحفيد والقاضى وأبو على بخطه مع شهادة ثقة والصدوقان كذلك مع ثقة المدعى، وجاء فيه: أنه لا يكتفى بما يجده مكتوبا بخطه وإن كان محفوظا عنده. وعلم عدم التزوير، وكذا ما يجده بخط مورثه كما هو الشأن فى الشهادة، لاحتمال اللعب أو السهو أو الكذب فى الكتابة. واعتمد الشيخ جعفر الكبير على الكتابة فى إثبات الوقف إذا كانت مضبوطة مرسومة تظهر منها الصحة وإن لم تبلغ حد العلم وإلا ضاعت الأوقاف، لأن طريقها الكتابة وفى "الجواهر" من باب القضاء: التحقيق أن الكتابة من حيث هى كتابة لا دليل على حجيتها من إقرار أو غيره.
نعم، إذا قام القرينة على إرادة الكاتب بكتابته مدلول اللفظ المستفاد من رسمها فالظاهر جواز العمل بها. للسيرة المستمرة فى الأعصار والأمصار علي ذلك بل يمكن دعوى الضرورة على ذلك " . انتهى بنصه .

وخاتمة بحث الإمامية كما نرى نصا أن الظاهر جواز العمل بالكتابة للسيرة – أى العادة المرعية – المستمرة فى الأعصار والأمصار على ذلك ، يقول : بل يمكن دعوى الضرورة على ذلك .
وهذا ما انتهى إليه العلامة ابن عابدين قال " فى خزانة الأكمل : صراف كتب على نفسه بمال معلوم ، وخطه معلوم بين التجار ، وأهل البلد ثم مات ، فجاء غريم يطلب المال من الورثة عرض خط الميت بحيث عرف الناس خطه بذلك يحكم به فى تركته إن ثبت أنه خطه ، وقد جرت العادة بين الناس بمثله حجة ، انتهى ما فى البيرى وقد قال العلامة العينى ، والبناء على العادة الظاهرة واجب ....... قلت – والكلام لابن عابدين – ويزاد أن العمل فى الحقيقة إنما هو لموجب العرف لا لمجرد الخط . والله أعلم " ( )
وغاية ما نود الوصول إليه أن قضية الإثبات تدور حول العرف ، وجودا وعدما ، وتنعكس عليها ألوانه ، وبالتالى فالبناء على عرف الماضين فى توثيق الزواج أمر ينبغى التحرز منه فهى مسألة عرفية أكثر منها شرعية ، وإذا كانت الكتابة تحتمل المشابهة والمحاكاة والتزوير والافتعال ، فالشهادة لا تخلو من الطعن أيضا للعيوب التى تعترى شهادة الشهود من محاباة ورشوة وفساد ذمة وكذب ومبالغة ، و " ما يقع من أخطاء الشهود بسبب ما يعوزهم من دقة الملاحظة ، أو قوة الذاكرة فضلا عن ندرة احتمال وجودهم ، إذا كان العهد قد تقادم على الوقائع ، والواقع – والعبارة للمذكرة الإيضاحية للقانون المدنى المصرى – أن تحريف الشهادة أو تلفيقها لا يعد أهم خطر بشأن الإثبات بالبينة ، وإنما يتمثل هذا الخطر فى انتفاء ضمانات فعلية لا حيلة للقانون فيها . فقد أسفرت أحدث الدراسات النفسية ، كما أسفرت تجارب القضاء عن تناقض أقوال من يسمعون من الشهود فى يوم وقوع الحادث مع القطع بتوافر حسن النية فيهم . فأى ضمان يكفل صحة الشهادة ودقتها إذا سمع الشهود بعد بعشر سنين أو أكثر " ( )

وحيث إن المسألة كذلك فقد وجب على كل المتحدثين فى هذا الشأن التأكيد على قول العلامة ابن حزم فى المحلى تعقيبا على آية الدين " قال أبو محمد: فهذه أوامر مغلظة مؤكدة لا تحتمل تأويلا، أمر بالكتاب في المداينة إلى أجل مسمى وبالإشهاد في ذلك في التجارة المدارة – الحاضرة - كما أمر الشهداء أن لا يأبوا أمرا مستويا ،..... وأخبر تعالى أن الكاتب لا يضار - ولا شك في أن امتناعه من الكتاب مضارة وان امتناع الشاهد من الشهادة إذ دعى - فسوق، ثم أكد تعالى أشد تأكيد ونهانا ان نسأم كتاب ما أمرنا بكتابه صغيرا كان أو كبيرا وأخبر تعالى أن ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى من أن لا نرتاب، وأسقط الجناح في ترك الكتاب خاصة دون الإشهاد في التجارة المدارة ولم يسقط الجناح في ترك الكتاب فيما كان دينا إلى أجل مسمى، وبهذا جاءت السنة " ( ) .
وحيث لا يختلف الفقه فى أن حقوق الأموال أخفض من حقوق الأبدان فما المانع أن توجب الفتوى فى الأعلى – حقوق الأبدان ومن قبيلها الزواج – ما وجب فى الأدنى ، وهو حقوق الأموال ، وحيث كانت كيفية التوثيق – شهادة أو كتابة أو غيرها – مبناها كما قال ابن عابدين وغيره على العرف ، ويؤكد ذلك ابن بن تيمية بقوله " لم يكن الصحابة يكتبون (صداقات) لأنهم لم يكونوا يتزوجون على مؤخر، بل يعجلون المهر، وإن أخّروه فهو معروف، فلما صار الناس يزوجون على المؤخر، والمدة تطول وينسى صاروا يكتبون المؤخر، وصار ذلك حجة في إثبات الصداق وفي أنها زوجة له" ( )
وحيث يؤكد ربنا – عز وجل – فى آية الدين - أن ذلك أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا نرتاب ، وحذر من أن تركه فسوق وخروج بنا عن السلامة إلى الخطر ، وعن الاستقرار إلى الاضطراب وفساد الحال ، فلم الحذر من التصريح من اشتراط الكتابة فى النكاح ؟ .

ولعل قائلا يصر على دعوى أن تاريخ المسلمين خلا من توثيق الزواج ، وجوابه عندى قول ابن حزم فى الرد على مثله "فان قالوا: هذا مما تعظم به البلوى فلو كان واجبا ما خفى على كثير من العلماء ؟ قلنا: هبكم موهتم بهذا في أخبار الآحاد أترون هذا يسوغ لكم في القرآن الذى لم يبق من لم يعلمه؟ ( ) يعنى لو سلمنا اطراد العرف بغير الكتابة ، وأن توثيق الزواج بالكتابة تاريخيا خاف علينا فأين نحن من نص القرآن الكريم " ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا " ؟؟؟
و حسبنا هنا أيضا قول العلامة ابن حزم فى مناقشة مخالفيه" وأيضا فإنهم مهما خالفونا في وجوب الإشهاد،والكتاب فإنهم مجمعون معنا على أنهما فعل حسن مندوب إليه" ( ) فهل يليق ترك الحسن ، أو الاستغناء بما دونه عنه ؟ .
وأخيرا فإن حق ولى الأمر فى تقييد المباح لا ينكر ، فإن فرضنا أن التوثيق بالكتابة الرسمية من المباح فلم لا يملك – بتشديد اللام - ولى الأمر حق إيجابه لما فيه من المصلحة ؟ .
الحق أننى أجدنى أميل إلى مطالبة المستشار أشرف مصطفى كمال – وهو الخبير المتضلع فى قضايا الأحوال الشخصية – حيث أنه دعا في مقال له نشر في جريدة الأهرام بتاريخ 1/11/1985 إلى منع إبرام عقود الزواج العرفي بين المواطنين، والنص على بطلان هذا العقد، وعدم الاعتداد بأي آثار قانونية له. ولاشك أن هذا قرار خطير يحتاج إلى فتوى جماعية ، وحتى يلتقى أهل العلم على هذا القرار فليكف المتحدثون عن دعوى عرفية الزواج تاريخيا ، فالمعروف هو الأمر المستحسن ، وكلنا يجمع أن ما يجرى فى الواقع الآن مستهجن أشد الاستجهان .
وحتى نصل إلى هذا القرار الذى يسد باب الفساد لا مفر من أن نتتبع الشائع فى حكم الزواج العرفى فى صورته الراهنة ، ونعرض له بإيجاز فيما يلى .
الرأى في الزواج العرفي
الاساس في تحديد شرعية الزواج العرفي هو مدى استيفاء هذا الزواج للاركان الشرعية للزواج بصفة عامة .
فان كانت الاركان الشرعية للزواج هى الإشهار و الإيجاب و القبول و التأبيد و استوفى الزواج العرفي هذة الأركان فإنه يصبح زواجا شرعيا صحيحا و لا يؤثر عدم التوثيق على صحة الزواج العرفي لأن التوثيق ليس ركنا من أركان الزواج على ما نقل عن الفقهاء .
و لكن استجلاء لدقة الحكم يجب التفرقة في إطار الزواج العرفي بين صورتين :
الصورة الأولى : أن يستوفى العقد كامل حظه من الإشهار ، ويخلص قصد طرفيه إلى دوام العشرة والمودة ، ولا يتخلف من الإجراءات المعتادة فى الزواج إلا إفراغ الاتفاق فى الوثيقة الرسمية المعدة لذلك ، لداع يقدره طرفا الزواج ، ويرتضيانه سببا يقعدهم عن التوثيق ، مثل أن تستمر الزوجة في الحصول على معاش زوجها السابق المتوفى عنها ، أو الا يرغب الزوج في إخبار زوجته الأولى بزواجه الثاني ، فمثل هذا العقد صحيح فى ذاته ،وإن أثمت الزوجة فى استمرارها فى قبض مالا تستحق ، واشتبه أن يكون الزوج غاشا لزوجته الأولى بكتمان زواجه الثانى عنها .
الصورة الثانية : و هى الصورة الغالبة فيه ، ويدعى أنها تغلب فى مجتمع طلبة الجامعة أو الشباب ، ومبلغ علمنا أن كثيرين ممن يتشدقون ويتشدقن بالكلام حول تعدد الزوجات إنكارا له ولا يتوقف سيل كذبهم فى ما يدعى من دعم حريات المرأة حقوقها ، لهم وهن أحرص على ممارسة الصورة الثانية من فتيان وفتيات الجامعة ، المهم أن الغرض هنا لا ينصرف إلى دوام العشرة و المودة و في الأغلب الأعم لا يغادر إرادة تمتع كل طرف بالأخر ، وغالبا ما يكون هذا الارتباط متسما بالتأقيت ، و الزواج العرفي في هذة الصورة يكون اقرب إلى زواج المتعة المحرم شرعا عند جمهور المسلمين .
ولا شك أن ارتباطا بهذه الصورة لا يعتبر زواجا شرعيا و إنما هو أقرب إلى الزنا الذي يحاول الطرفان إسباغ صفة شرعية عليه .
الآثار المترتبة على عرفية الزواج :
1 ـ ضياع حقوق الزوجة حيث إن دعواها بأى حق من حقوق الزوجية لا قيمة لها أمام القضاء لعدم وجود وثيقة الزواج الرسمية
2 ـ أن الزوجة قد تبقى معلقة لا تستطيع الزواج بأخر ـ إذا تركها من تزوجها عرفياً دون أن يطلقها وانقطعت أخباره عنها أو أصابته أى حاله عصبية أو نفسية فقد فيها قدرته العقلية .
3 ـ أن الأولاد الذين يأتون نتيجة للزواج العرفى قد يتعرضون لكثير من المتاعب التى قد تؤدى بهم إلى الضياع والتمزق داخل مجتمعهم بل وكثيرا ما ينكر نسبهم ، ومما يفزع كل غيور أن يطالع ما نشرته بعض الصحف السيارة عن دراسة مصرية تنبه إلى أن قضايا إثبات النسب أمام المحاكم المصرية تبلغ 14 ألف قضية ، وحسب نص بيان منظمات أربع - من المنظمات المعنية بقضايا المرأة والطفل - حول الأطفال معدومي النسب بمصر فإنه:
بلغ عدد قضايا إثبات النسب المرفوعة أمام المحاكم المصرية 14 ألف قضية، حسب الإحصاءات الأخيرة الصادرة عن الإدارة العامة للأسرة والطفل بوزارة الشئون الاجتماعية، أي إن هناك 14ألف طفل في أقل التقديرات بلا اسم، ولا هوية، إنهم 14 ألف طفل بلا وجود قانوني، ولا قبول اجتماعيا؛ فلا يعترف بهم أحد ولا يسمع لاستغاثاتهم أحد، بعضهم نشأ نتيجة زواج عرفي أنكره الأب، وبعضهم كان نتيجة لزواج فقيرات من أجانب بأوراق عرفية. تكشف الأرقام أن المحاكم المصرية تلقت في الفترة من أواخر سبتمبر 2004 وحتى أوائل مارس 2005 عددا من القضايا كان منها 122 ضد سعوديين، و252 قضية ضد كويتيين، 184 قضية ضد إماراتيين، وعمانيين، وبحرينيين، كما كشفت الإحصائيات أن 84 سيدة ممن رفعن قضايا نسب ضد سعوديين هن من منطقة الحوامدية وطموة وهى قرى في محافظة الجيزة اشتهرت بتزويج فتياتها إلى خليجيين.
أن هؤلاء الأطفال ليس لهم وجود رسمي فلا يمكن استخراج شهادات ميلاد لهم. مما يعنى عدم قدرة أمهاتهم على إعطائهم التطعيمات ضد الأمراض، أو الحصول على الرعاية الصحية المناسبة خاصة مع ظروف الأمهات التي في الغالب لن يستطعن الإنفاق على الطفل في المستشفيات الخاصة، أو أي شكل من أشكال الرعاية التي تحتاج إلى أوراق رسمية.

الإحصاءات المعلنة تشير إلى 14 ألف حالة، ولكن كم من الحالات التي فضلت التكتم درءا للتشهير والنبذ الاجتماعي وسجلت الطفل باسم أحد أقارب الأم " انتهى البيان وبقيت العبرة لمن يعتبر .
4 ـ انقطاع أواصل المودة والتقارب بين أهل الزوجين ، بل عادة ما يتهم أهل المرأة الرجل بالاختطاف ، ويتهم أهل الرجل المرأة بالغواية ، وبدلا من تبادل التهانى يتبادل الأطراف الاتهامات الشائنة التى تنال من الأغراض والأخلاق .
5 ـ ماذا لو تقدم شاب يريد الزواج ممن تزوجت عرفياً .. ماذا سوف يكون موقفها أمام أهلها وأمام أهل من تقدم للزواج بها وماذا ستقول لهم .
إن الظاهرة خطيرة وتحتاج كما انتهى باحثوها إلى تضافر الجهود فى الحد من أسبابها وعلاج آثارها وليبن الرأى فيها على ما تثبته الإحصاءات والاستبانات لدراسة المصالح والمفاسد الناتجة عن الزواج العرفي، ومن ثم الموازنة بينها، عوضاً عن الفتوى بمنعه بمعزل عن الدوافع التى تؤدى إليه قسرا ، وعن التى تجيزه دون تنبه إلى مفاسده التى لاتحد ، وقبل هذا وذاك ألا ينسى المتكلمون أن عقول العامة فى آذانها ، والمضطرون والطامعون جميعهم يبحثون عن أى مسوغ يسترون به انحرافهم ، فلا نفتن الناس بقولنا : الزواج عرفى تاريخيا . اللهم قد بلغت .
شروط التصادق على الزواج العرفى :
يحصل التصادق على التصرف العرفى بالالتجاء إلى الموثق أو المأذون ، طوعا أو اضطرارا لتحرير المستند الرسمى بالزواج مع إسناد واقعته إلى تاريخ مضى هو تاريخ الزواج العرفى ، مع مراعاة أن الموثق أو المأذون لن يجيب الطالبين إلى طلبيهما ما لم تتوافر الشروط اللازمة للعقد ، وهى
1- السن فلا يجوز للمأذون توثيق عقد الزواج إلا إذا بلغ الزوج سن 18 سنة والزوجة 16 سنة.
2- لابد من توثيق الزواج أمام المأذون فى القرية والمدينة أو القاضى فى المحكمة أو القنصل فى الخارجية .
3 - وإذا كان الزوج غير مصرى الجنسية فحسب تعليمات وزارة العدل يمتنع توثيق زواج الأجانب من مصريات إذا كان فارق السن بين الرجل والمرأة أكثر من خمس وعشرين سنة

********************
سادسا
الاشتراط فى عقد الزواج

الأصل أن تصدر الصيغة – الإيجاب والقبول – مطلقة عن الشروط والقيود، فترتب آثارها على أساس هذا الإطلاق، ولكن قد يجد المتعاقدان أو أحدهما أن هناك مصلحة تقتضى تقييد الصيغة ، فيلجآن أو أحدهما إلى الاشتراط، كمن يتزوج امرأة فتقبل بشرط أن يكون أمر طلاقها بيدها، أو ألا يسافر بها، أو ألا يتزوج عليها.
ومن المقرر فى نظرية العقد أن من أسس التعاقد حرية التعاقد، والحرية هى أهم ركائز الحقوق الإنسانية فى الإسلام ، ولا شك أن حرية التعاقد تكفل حرية الاشتراط، غير أن هذه الحرية مقيدة بجعلية العقود، بمعنى أن آثار العقود ونتائجها تترتب بجعل الشارع ووضعه ليتوصل بها إلى مسبباتها التى أوجبها وجعلها آثاراً لها ، ومن ثم لا يجوز اشتراط ما يضاد وضعية الشارع ، فإن اشترط ما يؤدى إلى ذلك فشرط باطل .
ومن جانب آخر فإن الشروط تتبع رغبات المتعاقدين، مما يجعلها بابا براحا للرغبات، وتركها بلا قيود قد يؤدى إلى تغيير الموضوع، وتبديل نظم التعامل المشروع لهذا فقد أجاز الشارع من الشروط ما يلائم المشروعية ويحفظ مقاصد التشريع، وعلى هذا اتفق الفقهاء فى الجملة، ولكنهم اختلفوا فى نقطتين أساسيتين:-
أولهما: هل الأصل فى الاشتراط الحظر أم الإباحة ؟.
الثانية: أثر الشرط فى العقد.
أما عن النقطة الأولى : فالفقهاء فى تقديرها على فريقين إجمالا ، فبعضهم يرى أن الأصل الحظر، ومن ثم فإنه يرى الاشتراط استثناء على الأصل فلا يجيزه إلا بقدر إعمالاً لنص أو إجماع أو مراعاة لعرف، أو لكون الشرط يقتضيه العقد، أو يلائم مقتضاه.
والفريق الآخر : يرى أن الأصل فى الاشتراط الإباحة، ومن ثم فإنه لا يرفض الشرط إلا اعتبارا لنهى شرعى ، أو نظرا لطبيعة الشرط التى تنافى مقتضى العقد، أو تعلق الالتزام على أمر خارج عن طرفى العقد…
ويظن بعض الناس أن الاشتراط فى الزواج مما استحدث بقرار وزير العدل 1727 لسنة 2000 والذى استبدل جملة من نصوص لائحة المأذونين الصادرة بقرار وزير العدل المؤرخ 4 يناير 1955 ومنها المادة 33 وقد نص فيها على : فقرة (5) يبصر الزوجين أو من ينوب عنهما بما يجوز لهما الاتفاق عليه فى عقد الزواج من شروط خاصة ، ومنها على سبيل المثال :
أ‌- الاتفاق على من تكون له منقولات الزوجية .
ب‌- الاتفاق على من يكون له حق الانتفاع وحده بمسكن الزوجية فى حالتى الطلاق أو الوفاة .
ج- الاتفاق على عدم اقتران الزوج بأخرى إلا بإذن كتابى من الزوجة .
د- الاتفاق على رصد مبلغ مقطوع أو راتب دورى يدفعه الزوج لزوجته إذا طلقها بغير رضاها .
ه- الاتفاق على تفويض الزوجة فى تطليق نفسها .
وذلك كله فيما يزيد على الحقوق المقررة شرعا وقانونا و لا يمس حقوق الغير .
وعلى المأذون أن يثبت ما تم الاتفاق عليه من المسائل السابقة ، أو أى اتفاق لا يحل حراما أو يحرم حلالا فى المكان المعد لذلك بوثيقة الزواج " .
والحق أن الاشتراط قديم قدم الزواج غير أنه لم يذكر صراحة فى القانون المصرى قبل القرار بقانون 44لسنة 1979 حيث وردت عبارة الفقرة الثانية من المادة 6 مكررا والمضافة إلى القانون 25 لسنة 1929 " ويعتبر إضرارا بالزوجة اقتران زوجها بأخرى بغير رضاها ، ولو لم تكن اشترطت عليه فى عقد زواجهما عدم الزواج عليها ..... " وفيما قبل ذلك كان حكم الاشتراط فى العقد خاضعا لأرجح الأقوال فى المذهب الحنفى ، وعلى أساس ما كان قضى بأن " عقد الزواج لا يثبت فيه خيار الرؤية أو الشرط أو العيب ، وعلى ذلك إذا تم الزواج فليس لأحد من طرفيه فسخ العقد مدعيا بأن له خيار الرؤية ، وذلك لأن الشارع قد أباح لكل منهما رؤية الآخر والنظر إليه قبل العقد ، فإن لم يحصل ذلك فالتقصير منهما ، وإذا اتفق الطرفان فى العقد على أن لأحدهما أو كلاهما الخيار فى مدة معينة صح العقد ويبطل الشرط ، وكذلك الحال إذا اشترط الزوج فى العقد جمال امرأته أو بكارتها أو سلامتها من العيوب ، أو اشترطت المرأة سلامة الرجل من الأمراض والعاهات والعقد يقع صحيحا ويبطل الشرط ، وإن وجد الرجل زوجته ثيبا على خلاف الشرط أو وجدت المرأة زوجها مريضها على خلاف ما اشترطت " ( ).
وأكثر ما كان يقع من اشتراط فى ظل التنظيم السابق كان اشتراط المرأة – عند إنشاء عقد الزواج – على زوجها أن يكون أمر طلاقها بيدها تطلق نفسها متى شاءت ، وهو ما اشتهر عند العامة بمصطلح " العصمة بيد الزوجة " وهو شرط جائز على مذهب الحنفية ، جاء فى حاشية ابن عابدين " ذكر الشارح في آخر باب الامر باليد نكحها على أن أمرها بيدها صح ا ه‍. لكن ذكر في البحر هناك أن هذا لو ابتدأت المرأة فقالت زوجت نفسي على أن أمري بيدي أطلق نفسي كلما أريد، أو على أني طالق فقال قبلت وقع الطلاق وصـــــــــــار الامر بيدها، أمـــــــا لو بدأ هو لا تطلق ولا يصير الامر بيــــدها ا ه‍.) )

وفى استعراض موجز نحاول أن نستعرض أبرز ما يثور حول الاشتراط فى العقد من شروط .

المقصود بالشروط المقترنة بالعقد:
أما الشروط المقترنة بعقد الزواج فهي شروط مصاحبة لهذا العقد بعد أن نشأ صحيحًا مستكملاً سائر الأوصاف المطلوبة. وبعبارة أخرى فإن الشروط المقترنة بعقد الزواج ليست مرتبطة بجوهر العقد. وإنما هي شروط أضافها الزوجان أو أحدهما تحقيقًا لمصلحة يريدها.
فمثلاً لو أن الزوج اشترط أن تلتزم الزوجة بالسفر معه إلى مكان عمله.فإن هذا الشرط مقترن بعقد الزواج لأن العقد يتم بدونه فهو قد تم صحيحًا ولكن الزوج أضاف هذا الشرط بعد أن استوفي العقد شروطه وأركانه.
فالشروط المقترنة بعقد الزواج هي شروط لا صلة لها بجوهر العقد وإنما هي شروط يضيفها الزوجان أو أحدهما تحقيقًا لمصلحة خاصة.
س: وما هي أهمية هذه الشروط؟
الشروط المقترنة بالعقد لها أهمية عملية ظاهرة؛ حيث يتساءل الناس كثيرًا عن حكم الشروط التي يشترطونها في عقود الزواج مثل عدم سفر الزوجة مع زوجها إلى مقر عمله. أو مثل شرط أن تكمل تعليمها أو تستقيل من علمها إلى غير ذلك من الشروط التي اعتاد الناس اشتراطها وهم يريدون معرفة الحكم الشرعي لها. أي هل يجب الوفاء بها أو لا يجب؟ وما أثر هذه الشروط على عقد الزواج؟
س: وما الحكم الفقهى فى اشتراط شرط ما فى عقد الزواج ؟
يقسم الفقهاء – الحنفية وغيرهم - الشروط المقترنة بالعقد إلى قسمين شروط صحيحة يجب الوفاء بها، وشروط غير صحيحة لا يجب الوفاء بها وهذا التقسيم لا يكاد يكون محلاً لخلاف. ولكنهم اختلفوا حول مدلول هذا التقسيم فالكل يقول باحترام الشرط الصحيح ولكن الاختلاف في تحديد المقصود من الشرط الصحيح، ومثل ذلك يقال في النوع الآخر من هذه الشروط.
س: إذا ما هو الشرط الصحيح عند الفقهاء؟
ج: الشرط الصحيح عند الحنفية هو ما كان موافقًا لمقتضى العقد أو جاء به الشرع أو جرى به العرف. ومثال الشرط الذى ورده بجوازه الشرع كل أمر لم يمنعه الشرع ولا ينافى مقتضى الزواج كقبولها الزواج على أن تتم تعليمها أو أن يكون أمر طلاقها بيدها تطلق نفسها متى شاءت وهكذا ، ومثال ما يجرى به العرف: الاشتراط فى المهر نوعا وكيفية آداء ، ومثال ما يؤكد مقتضى العقد: أن تشترط الزوجة على زوجها أن يكون والده ضامنا للمهر، أو يشترط هو أن تكون سالمة من العيوب التى تمنع الاستمتاع…وإنما جاز هذا النوع من الشروط لأن من مقتضى الزواج ثبوت المهر للزوجة والاستمتاع بها للزوج – ولها هى أيضا كذلك – واشتراط الضامن يؤكد حقها واشتراط السلامة يؤكد حقه.
أما ما يقتضيه العقد فشرطه وعدمه سواء فمن تشترط على زوجها أن يحسن معاملتها ، كمن لا تشترط.
والشرط الصحيح يلزم الوفاء بــــه، ولكن لا يترتب على عدم الوفاء به فسخ العقد لما سنرى . "( )
و مذهب المالكية كمذهب الحنفية فى الجملة ، إلا أنهم قالوا فى الشرط الذى لا يقتضيه العقد و لا ينافيه كأن تشترط على زوجها ألا يتزوج عليها أو أن لا يخرجها من بلدها أو يسكنها فى بيت أبيها ، قالوا فى ذلك : هذا شرط مكروه لما فيه من الحجر على الزوج وتقييده بما لم يقيده به الشارع ، ولا يجب الوفاء به ، وإنما يستحب فقط . ( )



مذهب الحنابلة فى الاشتراط فى الزواج :
الحنابلة هم أكثر الفقهاء توسعة فى إجازة الاشتراط ، وبخاصة فى باب النكاح ، تمسكا بقول النبى صلى الله عليه وسلم " إن أحق ما أوفيتم به من الشروط ما استحللتم به الفروج"( )
وهم وإن كانوا موسعين ابتداء إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه النجيب ابن قيم الجوزية زادا من هذه السعة.
يقول شيخ الإسلام :
" ويجوز أحمد أيضا فى النكاح عامة الشروط التى للمشترط فيها غرض صحيح ، لما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم " إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" ومن قال بهذا الحديث قال إنه يقتضى أن الشروط فى النكاح أوكد منها فى البيع والإجارة … فيجوز أحمد أن تشترط المرأة ما يملكه الزوج بالإطلاق ، فتشترط أن لا تسافر معه ، ولا تنتقل من دارها وتزداد على ما يملكه بالإطلاق، فتشترط أن تكون مخلية به فلا يتزوج عليها، ويشترط كل واحد من الزوجين فى الآخر صفة مقصودة كاليسار والجمال ونحو ذلك، ويملك الفسخ بفواته، وهو من أشد الناس قولا بفسخ النكاح وانفساخه، فيجوز فسخه بالعيب كما لو تزوج عليها، وقد شرطت عليه ألا يتزوج عليها ، وبالتدليس كما لو ظنها حرة فبانت أمة، وبالخلف فى الصفة على الصحيح"( )
ومعنى هذا أن كل شرط لم ينه عنه الشارع سبحانه فهو جائز، والجائز من الشروط يجب الوفاء به للحديث الذى روينا، وأيضا لقول النبى صلى الله عليه وسلم "المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا"( ) ومقصود الشرط الصحيح عامة " وجوب ما لم يكن واجبا ولا حراما"( )


س: وما هو ا لشرط غير الصحيح عند الفقهاء؟
الشرط غير الصحيح عند الحنفية – والمالكية - هو ما كان غير موافق لمقتضى العقد ولا مؤكدًا لمقتضاه ولم يرد به الشرع ولم يجر به عرف وذلك مثل أن تشترط الزوجة أن لا يتزوج عليها أو ألا ينقلها إلى مكان بعيد عن موطن والديها. أو غير ذلك من الشروط المشابهة.
أما الحنابلة فالدائرة عندهم أضيق ، فالشرط غير الصحيح هو ما نهى الشارع عنه ، أو كان مما ينافى مقتضى الزواج .
س: وما حكم هذا الشرط غير الصحيح؟
فى مذهب الحنفية :الشروط غير الصحيحة تبطل ولكنها لا تؤثر على العقد ، فيبقى صحيحا لازما ، لأن القاعدة عندهم أن النكاح لا تبطله الشروط الفاسدة ، وعلة ذلك كما يقول السرخسى " أنه عقد لا يحتمل الفسخ بعد تمامه ويقول لا معتبر لتمام الرضا فى باب النكاح فإنه لو تزوجها بشرط أنها بكر شابة جميلة ، فوجدها ثيبا عجوزا شوهاء لها شق مائل وعقل زائل، ولعاب سائل فإنه لا يثبت له الخيار ، وقد انعدم الرضا منه بهذه الصفة"( )
أما الحنابلة فيفرفون بين صورتى الشرط غير الصحيح :
فإن كان الشرط باطلا للنهى عنه فإنه يبطل النكاح أيضا كالمتعة واشتراط التأقيت، واشتراط الخيار ، وكذلك إن جعل صداقها تزويج امرأة أخرى وهو نكاح الشغار( ).
وإن بطل الشرط لأنه ينافى مقتضى العقد، فإن بطلانه لا يؤثر على صحة العقد ، فيسقط الشرط – أى يعتبر كأن لم يكن – ويصح العقد ومثاله كما فى المغنى " أن يشترط ألا مهر لها، أو يعزل عنها – تجنبا لحدوث حمل – أو يقسم لها أقل من قسم صاحبتها أو أكثر – فى حالة النهار دون الليل، أو شرط على المرأة أن تنفق عليه أو تعطيه شيئا، فهذه الشروط كلها باطلة فى نفسها، لأنها تنافى مقتضى العقد، ولأنها تتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده فلم يصح، فأما العقد فى نفسه فصحيح، لأن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد فى العقد لا يشترط ذكره، ولا يضر الجهل به فلم يبطل"( )
وواضح من ذلك أن الشرط متى كان باطلا فلا يجب الوفاء به مطلقًا. بل يلغو – و لا يلتفت إليه ، ويظل عقد الزواج صحيحًا باستثناء حالة واحدة وهي ما إذا كان من شأن الشرط غير الصحيح أن يدخل التأقيت على عقد الزواج وذلك مثل أن يتزوجها ويشترط أن يطلقها بعد فترة معينة. فهذا شرط باطل ويسري بطلانه إلى عقد الزواج فيبطله لأنه يجعله في معنى الزواج المؤقت وهو زواج باطل فى رأى عامة الفقهاء خلافا لطائفة من الشيعة .

المعتبر من اتجاهات الفقهاء فى قضية الاشتراط فى الزواج :
لاشك أن مذهب الحنابلة هو الأوفق إلى الرغبات ، وحماية المصالح الخاصة، لا سيما وقد ظهر أن أكثر ما يبديه الخاطبان قبل الزواج من عهود ومواثيق لولاها ما تم الزواج ، كثيرا ما لا ينجز ، فينشأ الشقاق، وتسوء العشرة، ويتعرض الطرفان خاصة المرأة لمتاعب جمة.
إزاء هذا عدلت تقنيات عربية كثيرة عن الأخذ بمذهب الحنفية فى دائرة الشروط إلى مذهب الحنابلة، مع الإبقاء على قاعدة الحنفية الشهيرة " أن الشروط الفاسدة لا تبطل النكاح" وهى أعم مما عند الحنابلة( ). ومن هذه القوانين القانون المصرى ، وقد وضح ذلك تماما من الفقرة الخامسة من المادة 33 من لائحة المأذونين والمضافة بقرار وزير العدل رقم 1727 لسنة 2000 ، بل الواضح تماما من الفقرة المذكورة – أعلاه – أنها سارت بالشرط الذى يحقق مصلحة لأحد الطرفين – خصوصا الزوجة – إلى أقصى مداه ، فنصت – من بين ما نصت عليه – على الاتفاق على رصد مبلغ مقطوع أو راتب دورى يدفعه الزوج لزوجته إذا طلقها بغير رضاها . وهذا فيما يزيد على الحقوق المقررة شرعا وقانونا ، أى أن مثل هذا الشرط يثبت للزوجة حقا عند الطلاق بغير رضاها فى تعويض زائد على ما تستحقه من نفقة عدة ومتعة ومؤخر الصداق . وهو مما يحتمل الاعتراض عليه بدعوى : التزام ما لا يلزم . ( )

والمعتبر من الشروط الصحيحة " ما ذكر فى صلب العقد كأن يقول زوجتك ابنتى فلانة بشرط كذا، ويقبل الزوج على ذلك ، وكذا لو اتفقا عليه قبل العقد..قاله الشيخ وغيره..لأن الأمر بالوفاء بالشروط والعقود والعهود يتناول ذلك تناولا وأحداً، وقال فى فتاويه : إنه ظاهر المذهب ومنصوص أحمد ، وقال فى الإنصاف وهو الصواب الذى لاشك فيه ، ولا يلزم الشرط بعد العقد ولزومه لفوات محله"( ).
وعلى هذا فإن المشترط قبل إجراء العقد أو فى صلبه له أن يطالب بما اشترط ما دام صحيحا، فإن لم يجب ، أو أخل الطرف الثانى بالشرط فإن له الحق فى طلب الفسخ ، أما الاشتراط بعد العقد فلا عبرة به.
هذا هو مذهب الحنابلة فى توقيت الاشتراط الملزم ، ولكننا لا حظنا أن التقنينات التى أخذت به، قد اكتفت بالمجمع عليه فى المذهب فقط ، وهو الاشتراط فى صلب العقد ( )، وأغفلت الاشتراط قبل العقد، وهذا فى رأيى قصور، لأن من الناس من يرضى على نفسه شروطا ولكنه يأنف من ذكرها فى مجمع الناس عند العقد، كذلك المشترط قد تكون له رغبة فى شرط مشروع ، ولكن يمنعه من التصريح بها الحياء من المحفل، وإتاحة الفرصة للاشتراط فى حضرة شاهدين مرتضين يحقق هذا.
ومن ناحية أخرى فإن أكثر هذه التقنينات حرصت على النص على رسمية الاشتراط ، أعنى ذكر الشرط صراحة فى وثيقة العقد ، وهذا لاشك يقطع النزاع حول الشرط مستقبلا سواء بالنظر إلى وجوده أو إلى مضمونه.( )
وفى دائرة الشروط الصحيحة:
برز فى أكثر التقنينات اشتراط المرأة على زوجها فى عقد نكاحها ألا يتزوج عليها، وإذا لم يف الزوج بما التزم به يبقى للزوجة حق طلب فسخ النكاح ، وبرز فـــى التقنين الكويتى ( مادة 40/2-3 ) أن فوات الوصف المعين المشروط فى أحد الزوجين ينزل منزلة عدم الوفاء بالشرط الصحيح ، فإن فات كان للمشروط له حق طلب الفسخ .، وقد عرضنا فى أول كلامنا لكامل نص الفقرة الخامسة من المادة 33 من لائحة المأذونين المصرية ، وعباراتها تدل عليها .

ويعاب على القانون اللبنانى أخذه بقول أبى الخطاب من الحنابلة فى صحة اشتراط طلاق الضرة،" لأنه – فى رأيه – لا ينافى العقد ولها فيه فائدة" ونص على هذا الشرط خاصة فى المادة (38) بعبارة " إذا تزوج امرأة وشرطت عليه ألا يتزوج عليها أو إن تزوج فهى أو المرأة الثانية طالق ، فالعقد صحيح، والشرط معتبر" وهذا خطأ لأن اشتراط طلاق الضرة شرط باطل بالحديث الصحيح " لا تسأل المرأة طلاق أختها لتكتفئ ما فى صفحتها، ولتنكح فإن لها ما قدر لها"( ).
وأخيرا فإن مذهب الحنابلة يقرر أن " كل موضع فسخ فيه النكاح مع صحته – أى بناء على عدم الوفاء بشرط – قبل الدخول فلا مهر لها لحصول الفسخ منها أو بسبب من جهتها ، وإن فسخ بعده أو بعد الخلوة وجب المسمى فى العقد لتقرره".
ولكن المقنن الأردنى – بوجه أخص - انزلق فى هذه الجزئية وقرر حكما غريبا نصه(م19/ب ) " إذا اشترط الزوج على زوجته شرطا تتحقق له به مصلحة غير محظورة شرعا، ولا يمس حقوق الغير…..فإن لم تف الزوجة فسخ النكاح بطلب من الزوج، وأعفى من مهرها المؤجل ومن نفقة عدتها" فأعفى من المهر مع تقرره.


















زواج المســــــــــــــــيار
وإلحاقا لكلامنا فى اقتران الشروط بعقد الزواج نعرض لعلاقة زواجية اشتهرت فى الآونة الأخيرة تحت مسمى " زواج المسيار " فهذا مكانه الملائم بين موضوعات عقد الزواج .وننبه إلى أن المادة الأساسية لهذا الملف مصدرها دراسة نشرها موقع للكبار وقد وجدنا أنها مكتملة ومتميزة فنقلناها عنه ، راجين لأصحابها ثوابا من الله وجزاء شكورا على هذا الجهد الطيب .
أسباب نشأة وظهور زواج المسيار

أولا: أسباب تتعلق بالنساء ومنها:
1- عنوسة المرأة أو طلاقها أو ترملها:
من أهم الأسباب التي أدت إلى وجود زواج المسيار وانتشاره، هو وجود عدد كبير من النساء في المجتمعات الإسلامية- وخاصة الخليجية- بلغن سن الزواج ولم يتزوجن بعد، أو تزوجن وفارقن الأزواج لموت أو طلاق ونحو ذلك. ولقد أصبحت العنوسة ظاهرة اجتماعية مؤرقة أفرزتها الحياة المعاصرة، وهي تكبر وتتسع وتفرض نفسها على المجتمع كأمر واقع وخطير.
وقد ظهرت إحصائيات كبيرة حول عدد العوانس في البلدان العربية عامة ودول الخليج على وجه الخصوص 0
والنفس البشرية: يساورها القلق عندما تمكث المرأة من دون زواج، مما يدفع المرأة أو وليها إلى تقديم تنازلات من أجل الحصول على زوج يعف المرأة، ويكون لها منه الولد تستأنس به بإذن الله.
وفي استطلاع للرأي أجرته مجلة الأسرة السعودية وشمل 363 فتاة من المملكة العربية السعودية رأت 46.62% من الفتيات أن سبب ظهور زواج المسيار هو عنوسة المرأة، أو طلاقها أو حاجتها إلى الأطفال.
وبدراسة بعض الحالات المتزوجة عن طريق المسيار قالت إحدى الحالات: "إن الزواج بهذه الصورة كان هو الحل الأخير لزواجها، حيث إنها مطلقة مرتين ومتواضعة الجمال.

2- رفض كثير من النساء لفكرة التعدد:
حيث إن كثيرا من النساء لا يقبلن بالتعدد، مع تسليمهن بأن هذا هو شرع الله -عز وجل- إلا أن الغيرة الطبيعية لدى المرأة تجعلها لا تقبل به كواقع عملي.
وهذا الرفض أدى إلى زيادة نسبة العنوسة، حيث إن المرأة لا تقبل بزوج له زوجة أولى، حتى إذا تقدم بها العمر ولم تحصل على زوج اضطرت لتقديم تنازلات من أجل الزواج كما في زواج المسيار.
وقد أدى هذا الرفض أيضاً إلى لجوء الرجال إلى الزواج عن طريق المسيار بدافع الحرص على عدم علم الزوجة الأولى، وكذلك الخوف على كيان أسرته من الاهتزاز، حيث عدم المبيت وعدم السكن وغلبة الكتمان، مما يجعل من الصعب على زوجته الأولى أن تعرف به. وفي الإستبيان: رأى 66.25% من العينة أن السبب في لجوء الرجال إلى الزواج بهذه الصورة هو التحرز من علم الزوجة الأولى، مع رغبتهم في التعدد.


3- حاجة بعض النساء إلى المكث في بيت أهلها لرعاية أبويها:
فربما لا يوجد عائل لهم إلا هي، أو يكون عندها بعض الإعاقة التي تمنعها من تحمل مسئولية البيت، ويرغب أولياؤها في إعفافها والحصول على الذرية ولا يكلفون الزوج شيئاً.
وفي دراسة بعض الحالات المتزوجة عن طريق المسيار قالت إحداهن عن السبب الذي دعاها للزواج عن هذا الطريق: إن عندها خمسة أطفال وهي موظفة وتريد أن ترعاهم رعاية حسنة بعد وفاة زوجها وتقدم لها الكثير لكنها رفضت لانشغالها مع أولادها، ولما تقدم لها شخص يريد أن يتزوجها مسياراً على أن يأتيها في نهاية كل أسبوع قبلت ذلك لأنها وعلى حد قولها ستجمع بين الزواج والحرية والوقت الكافي لتربية الأطفال.

ثانيا: أسباب تتعلق بالرجال:
1- رغبة بعض الرجال في المتعة:
يرغب بعض الرجال في التعدد من أجل المتعة التي ربما لا يجدها مع زوجته الأولى، بسبب كبر سنها مثلا أو انشغالها مع أولادها ونحو ذلك، وهذا حق مشروع ولكن خوفهم من علمها، وحرصاً على شعورها و على كيان الأسرة، أدى إلى ظهور هذا النوع من الزواج. حيث الحصول على المتعة وإعفاف النفس من دون المبيت أو التغيب طويلاً عن مسكنه الأول. وفي استبانة مجلة الأسرة رأت 52.9% من الفتيات اللاتي شاركن في الاستبيان أن من أسباب ظهور هذا النوع من الزواج هو رغبة الرجال في المتعة.
وفي أحد استطلاعات الرأى التى تمت على عدد من المواطنين الخليجين ظهر ان 66.25% أن من أسباب ظهور هذا النوع من الزواج هو رغبة الرجل في المتعة وتحرزاً من علم الزوجة الأولى.

2- عدم رغبة بعض الرجال في تحمل المزيد من الأعباء:
بعض الرجال ليس لديهم الاستعداد أو القدرة على تحمل المزيد من الأعباء الإضافية في حياته الأسرية، خصوصاً في العصر الحاضر والتكلفة الباهظة في الزيجات، مع رغبته في زوجة من أجل المتعة والعفاف، وقابلت رغبته هذه رغبة كثير من المطلقات والأرامل والعوانس في الزواج، فأدى ذلك إلى ظهور هذا النوع من الزواج.
وفي أحد استطلاعات الرأى رأى 58.75 % ممن شملهم الاستطلاع أن من أسباب ظهور هذا الزواج هو هروب بعض الرجال من تبعات الزواج العادي وواجباته.

3- عدم استقرار الرجل بسبب العمل:
قد يكون عمل بعض الرجال غير مستقر، فهو يتردد على بعض المدن أو البلدان في عمل رسمي، أو تجاري، ويحتاج في أثناء وجوده في هذا البلد إلى امرأة تحصنه، مع عدم استعداده لتحمل مسئولية الزواج كاملة، فيلجأ إلى زواج المسيار، لأنه لن يستقر معها ولن يأتيها إلا أثناء وجوده في هذا البلد أو تلك المدينة وليس مستعداً لنقلها إلى بلده أو مدينته.


ثالثاً: أسباب تتعلق بالمجتمع:
1) غلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج:
يرغب بعض الرجال في الارتباط بزوجة تعفه ويسكن إليها، سواء كانت الأولى أو الثانية، ولكن هناك عقبة تقف في هذا الطريق ألا وهي: مغالاة الأسر في المهور، وإلزام الزوج بتكاليف باهظة قد تفوق قدرته المالية. وقابل ذلك وجود عدد كبير من المطلقات والأرامل اللاتي قد يمتلكن المال ويرغبن في الزواج من زوج كفء وصالح، وعدد كبير من العوانس اللاتي يرغب أولياؤهن في تزويجهن رغبة في الإعفاف والولد، حتى ولو أنفقوا عليهن. فأدى ذلك إلى ظهور هذا النوع من الزواج. رغبة في تخطي أعباء الزواج العادي. وفي استطلاع للرأي رأى 51.25% من العينة على أن هذا الزواج فيه تخطي لأعباء الزواج العادي.

2) نظرة المجتمع بشيء من الازدراء للرجل الذي يرغب في التعدد:
فيتهمه المجتمع بأنه شهواني ولا هم له إلا النساء، وقد يكون هذا الرجل بحاجة فعلية إلى امرأة تعفه لظروف خاصة قد تكون عند زوجته، مما يدفعه للبحث عن زواج فيه ستر وبعد عن أعين المجتمع، فكانت هذه الصورة.
وهذه النظرة للتعدد غير صحيحة وتحتاج إلى تصحيح فإن التعدد أباحه وفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
زواج المسيار وزواج المتعة
يخلط بعض الناس بين زواج المسيار وما يقره بعض الشيعة من نكاح عرف باسم " نكاح المتعة "وهو ما يتفق أهل السنة والزيدية والإباضية على أنه نكاح باطل لا يمت بصلة للزواج الشرعي، ومن خلال البحث ومراجعة نقول السلف وأدلتهم يتبين أن نكاح المتعة يختلف تماماً عن زواج المسيار إلا في نقطة واحدة: وهي عدم وجوب النفقة والسكنى على الرجل.
أوجه الفرق بين زواج المسيار وزواج المتعة :
1) المتعة مؤقتة بزمن، بخلاف المسيار، فهو غير مؤقت ولا تنفك عقدته إلا بالطلاق.
2) لا يترتب على المتعة أي أثر من آثار الزواج الشرعي، من وجوب نفقة وسكنى وطلاق وعدة وتوارث، اللهم إلا إثبات النسب، بخلاف المسيار الذي يترتب عليه كل الآثار السابقة، اللهم إلا عدم وجوب النفقة والسكنى والمبيت.
3) لا طلاق يلحق بالمرأة المتمتع بها، بل تقع الفرقة مباشرة بانقضاء المدة المتفق عليها، بخلاف المسيار.
4) إن الولي والشهود ليسوا شروطاً في زواج المتعة، بخلاف المسيار فإنه شرط في صحته، وكذا الولي عند الجمهور.
5) إن للمتمتع في نكاح المتعة التمتع بأي عدد من النساء شاء. بخلاف المسيار فليس للرجل إلا التعدد المشروع وهو أربع نساء حتى ولو تزوجهن كلهن عن طريق المسيار.
آراء العلماء في زواج المسيار:
لم يقع ما اشتهر باسم " زواج المسيار " فى العصور السابقة ، وبالأدق لم يشتهر حصوله ، حيث نقل صاحب المغنى الحنبلى حالات مشابهة سئل عنها الإمام أحمد بن حنبل ، وكانت صاحباتها يعرفن ب " النهاريات والليليات " ولكن يبدو أنها حالات كانت من القلة بمكان ، ومن ثم ندر الحديث عنه فى عموم فقه الأقدمين ، وحصر فقهه فى كلام المعاصرين من علمائنا ، وحيث كان أكثر حالاته وقوعا فى مجتمعات الخليج العربى فأكثر المجيبين فى فتواه من علماء الخليج ، وقليل من غيرهم ، ويأتى على قائمتهم الدكتور يوسف القرضاوى ، وقد ناقش فضيلته هذه القضية على الهواء مباشرة من خلال فضائية الجزيرة / برنامج الشريعة والحياة من تقديم أحمد منصور مساء يوم 3/5/1998 ، ويمكن للراغبين والراغبات فى مراجعة حديث الشيخ الاطلاع على الحلقة التلفزيونية مفرغة من خلال موقع أمان على الرابط التالى : http://www.amanjordan.org/aman_
وقد اختلف العلماء في حكم هذا النوع من الزواج، ويمكن القول أنهم ذهبوا في هذا إلى قولين:
الأول: القول بالإباحة أو الإباحة مع الكراهة.
الثاني: القول بعدم الإباحة.

القول الأول: القائلون بالإباحة أو الإباحة مع الكراهية وأدلتهم:
من الذين قالوا بالإباحة: فضيلة الشيخ عبد العزيز ابن باز- رحمه الله- فحين سئل عن زواج المسيار والذي فيه يتزوج الرجل بالثانية أو الرابعة، وتبقى المرأة عند والديها، ويذهب إليها زوجها في أوقات مختلفة تخضع لظروف كل منهما. أجاب رحمه الله: "لا حرج في ذلك إذا استوفى العقد الشروط المعتبرة شرعاً، وهي وجود الولي ورضا الزوجين، وحضور شاهدين عدلين على إجراء العقد وسلامة الزوجين من الموانع، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" (رواه البخاري). وقوله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم ". فإن اتفق الزوجان على أن المرأة تبقى عند أهلها أو على أن القسم يكون لها نهارا لا ليلا أو في أيام معينة أو ليالي معينة، فلا بأس بذلك بشرط إعلان النكاح وعدم إخفائه".

وهو قول الشيخ عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء، ورئيس إدارة البحوث العلمية والدعوة والإرشاد، حيث أجاب سماحته عندما سئل عن حكم زواج المسيار: إن هذا الزواج جائز إذا توافرت فيه الأركان والشروط والإعلان الواضح، وذلك حتى لا يقعان في تهمة وما شابه ذلك، وما اتفقا عليه فهم على شروطهم، ثم ذكر حفظه الله أن هذا الزواج قد خف السؤال عنه هذه الأيام وقد كان يسأل عنه قبل سنتين تقريباً.

ويوافقهما الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين -عضو الإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية- حيث قال: " اعلم أن هذا الاسم مرتجل جديد ويراد به أن يتزوج امرأة ويتركها في منزلها ولا يلتزم لها القسم ولا بالمبيت ولا بالسكنى وإنما يسير إليها في وقت يناسبه ويقضي منها وطره ثم يخرج، وهو جائز إذا رضيت الزوجة بذلك، ولكن لابد من إعلان النكاح مع الاعتراف بها كزوجة لها حقوق الزوجات، ولأولاده منها حقوق الأبوة عليه.

ولا تخرج فتوى الشيخ يوسف محمد المطلق- عضو الإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعوديةعن ذلك ، إفتاء وتأسيسا ، ويمتدحه فضيلة الشيخ إبراهيم بن صالح الخضيري -القاضي بالمحكمة الكبرى بالرياض بالمملكة العربية السعودية- إذ يرى أنه شرعي وضروري في عصرنا هذا، خاصة مع كثرة الرجال الخوافين؟؟ ومع اشتداد حاجة النساء إلى أزواج يعفونهن، والتعدد أصل مشروع، والحكمة منه إعفاف أكبر قدر ممكن من النساء، لذا يقول فضيلته :لا أرى في زواج المسيار شيئاً يخالف الشرع ولله الحمد والمنة، بل فيه إعفاف الكثير من النساء ذوات الظروف الخاصة، وهو من أعظم الأسباب في محاربة الزنا والقضاء عليه ولله الحمد والمنة، ومشاكله كمشاكل غيره من عقود الزواج ،ويوافقه على ذلك مع ذكر دليل الجواز الدكتور سعد العنزي حيث أكد أن زواج المسيار عقد صحيح مكتمل الأركان، وأن زواج الرجل دون علم زوجته الأولى لا يشوبه شائبة، مشيراً إلى أن زواج المسيار هو اتفاق رضائي بعد إتمام العقد بين الرجل والمرأة على إسقاط النفقة، كأن تكون المرأة غنية ولا تحتاج إلى نفقة ولا مسكن وإنما رغبت في الزواج من أجل المعاشرة أو الولد، وهذا الزواج لا ينافي مقاصد الشرع. وأضاف قائلا: إن زواج المسيار يحد من الانحرافات في المجتمع، فالمرأة أرادت السكن والعفة وأرادت الزوج بمقتضى هذا العقد الذي تتوافر فيه جميع الشروط. واستدل على جواز إسقاط الزوجة لحقها في القسم بتنازل السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها وأرضاها زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلتها لعائشة رضي الله عنها. وأما ما يتعلق بالنفقة فأوضح أنه لا خلاف على أن النفقة واجبة على الزوج، ولكنه قال: إذا أسقطت حقها في النفقة كما لو كانت غنية... وتم الاتفاق بين طرفي العقد فيصح، ولها أن تطالب بحقها في النفقة مستقبلا إذا تضررت بعدم الإنفاق. وأما فيما يتعلق بالإعلان فإنه أوضح أن زواج المسيار زواج معلن وليس بسر، قائلا بأن الفقهاء متفقون في كل العصور على أن الغاية من الإشهاد شهر الزواج.

وعلى هذا الرأى من علمائنا المعروفين فضيلة شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي، حين سئل عن زواج المسيار وأنه زواج يتم بعقد وشهود وولي، ولكن بشرط ألا يلتزم الزوج بالوفاء بالحقوق الواجبة عليه نحو الزوجة. فقال: "ما دام الأمر كذلك، العقد صحيح شرعا، وتم الاتفاق على عدم الوفاء بحقوق الزوجة، وهي رضيت بذلك فلا بأس، لأن الزواج الشرعي الصحيح قائم على المودة والرحمة، وعلى ما يتراضيان عليه، ما دام حلالا طيبا بعيدا عن الحرام}.
وفضيلة مفتي جمهورية مصر العربية الأسبق ، أستاذنا الدكتور الشيخ نصر فريد واصل حيث قال :"زواج المسيار مأخوذ من الواقع، واقتضته الضرورة العملية، في بعض المجتمعات، مثل السعودية، التي أفتت بإباحته. وهذا الزواج يختلف عن زواج المتعة والزواج المؤقت، فهو أي: زواج المسيار، زواج تام تتوافر فيه أركان العقد الشرعي، من إيجاب وقبول، وشهود، وولي، وهو زواج موثق، وكل ما في الأمر أن يشترط الزوج أن تقر الزوجة بأنها لن تطالبه بالحقوق المتعلقة بذمة الرجل، كزوج لها، فمثلاً لو كان متزوجاً بأخرى لا يعلمها، ولا يطلقها، ولا يلتزم بالنفقة عليها، أو توفير المسكن المناسب لها، وهي في هذه الحالة تكون في بيت أبيها، وتتزوج في بيت أبيها، ويوافق على ذلك، وعندما يمر الزوج بالقرية أو المدينة التي بها هذه الزوجة يكون من حقه الإقامة معها ومعاشرتها معاشرة الأزواج، وفي الأيام التي يمكثها في هذا البلد، ومن هنا لا يحق للمرأة- الزوجة- أن تشترط عليه أن يعيش معها أكثر من ذلك أو أن تتساوى مع الزوجة الأخرى" ولكنه أضاف قائلاً: "ويمكن لهذه الزوجة أن تطالب بالنفقة عليها عند الحاجة إليها، رغم الوعد السابق بأنها لن تطالب بالنفقة".

ومن علمائنا من يفتى بالجواز مع الكراهة ، أمثال الدكتور حسين بن محمد بن عبد الله آل الشيخ الأستاذ المساعد بجامعة الإمام محمد بن سعود بالمملكة العربية السعودية سابقا، لكنه تحفظ عليه تحفظا شديدا ويرى حصره في حالات خاصة جدا. وفي ذلك يقول: "إن زواج المسيار بالنظر العام إلى أركانه وشروطه جائز شرعاً، ولكن لما في هذه الشروط من نتائج سيئة، فهي فاسدة وحدها دون العقد. وأرى أن هذا الزواج جائز شرعاً مع قصره على حالات فردية خاصة كالمعاقة جسدياً مثلا، أو نحو ذلك من الأمور التي يتحتم عليها البقاء مع أهلها.
أما انفتاحه بهذه الصورة فإني أنظر إليه بالخطورة القصوى التي قد تعصف بالمجتمع، وكذلك قد يتساهل الناس به مما يسبب العزوف عن الزواج العادي، ويصير الزواج وكأنه متعة فقط. ولا ننسى أن العقد في الزواج ليس كغيره من العقود، فهو يتعلق بالأبضاع ومعلوم أن:(الأصل في الأبضاع التحريم) (وإذا تقابل في المرأة حل وحرمة غلبت الحرمة)
لذا يجب الاحتياط في أمر الزواج ما لا يحتاط في غيره، ولذا تبقى الشبهة قائمة في زواج المسيار، والله أعلم.
وهو قول الدكتور وهبة الزحيلي. يقول: "هذا الزواج صحيح غير مرغوب فيه شرعا.. لأنه يفتقر إلى تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية في الزواج من السكن النفسي، والإشراف على الأهل والأولاد ورعاية لأسرة بنحو أكمل، وتربية أحكم".
ومنهم الشيخ عبد الله بن منيع، عضو هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية، والقاضي بمحكمة التمييز بمكة المكرمة. يقول: "هذا الزواج بهذا التصور لا يظهر لي القول بمنعه، وإن كنت أكرهه، وأعتبره مهينة للمرأة وكرامتها، ولكن الحق لها، وقد رضيت بذلك، وتنازلت عن حقها فيه". واستدل على جوازه بأنه عقد مستكمل الأركان والشروط ويترتب عليه كل الحقوق المترتبة على عقد الزوجية من حيث النسل، والإرث، والعدة، والطلاق، واستباحة البضع، والسكن، والنفقة، وغير ذلك من الحقوق والواجبات إلا أن الزوجين قد ارتضيا واتفقا على ألا يكون للزوجة حق المبيت، أو القسم، وإنما الأمر راجع للزوج متى رغب فى زيارة زوجته- عن طريق المسيار- في أي ساعة من ساعات اليوم والليلة فله ذلك. وقال فضيلته: إن تنازلت المرأة عن بعض حقوقها فهذا لا يضر.
ولكنه يرى مع ذلك أنه مباح وليس فيه شبهة حرام، ويرفض القول بتحريمه بل وحتى يرفض التوقف في شأنه. وفي ذلك يقول: "الأصل في العقود الشرعية، ومنها الزواج هو الإباحة، فكل عقد استوفى أركانه وشرائطه الشرعية كان صحيحاً ومباحا، ما لم يتخذ جسرا أو ذريعة إلى الحرام، كنكاح التحليل، والزواج المؤقت، وزواج المتعة، وليس في المسيار قصد حرام... وأستهجن القول بتحريمه، أو التوقف في شأنه".
واستدل على جوازه بأنه عقد مستكمل الأركان والشروط، وأن تنازل المرأة عن بعض حقوقها لا مانع منه شرعاً، وتساءل قائلا: نظرا لأن المرأة تتنازل في هذا العقد عن حقها في المبيت والنفقة فأي مانع شرعي يمنعها من ذلك؟ فهي راضية بذلك. ولكنه طالب الزوجين بعدم التصريح عن هذا التنازل في العقد بل جعله ودياً بعدئذ.
ومن هذا الفريق الشيخ سعود الشريم- إمام وخطيب المسجد الحرام ، والدكتور أحمد الحجى الكردى ، والدكتور محمود أبو الليل .

وأبرز القائلين بالتكريه شيخنا العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، وفي ذلك يقول: "أنا لست من دعاة زواج المسيار ولا من المرغبين فيه، فلم أكتب مقالة في تحبيذه أو دفاعا عنه ولم أخطب خطبة تدعو إليه. كل ما في الأمر أني سئلت سؤالا عنه فلم يسعني أن أخالف ضميري، أو أتاجر بديني، أو أشتري رضا الناس بسخط ربي فأحرم ما أعتقد أنه حلال".
ويقول أيضاً: "ويقول بعض المعترضين على زواج المسيار: إن هذا الزواج لا يحقق كل الأهداف المنشودة من وراء الزواج الشرعي، فيما عدا المتعة والأنس بين الزوجين، والزواج في الإسلام له مقاصد أوسع وأعمق من هذا، من الإنجاب والسكن والمودة والرحمة. وأنا لا أنكر هذا، وأن هذا النوع من الزواج ليس هو الزواج الإسلامي المنشود، ولكنه الزواج الممكن الذي أوجبته ضرورات الحياة، وتطور المجتمعات وظروف العيش، وعدم تحقيق كل الأهداف المرجوة لا يلغي العقد، ولا يبطل الزواج إنما يخدشه وينال منه".
وقد استدل على جوازه بأنه عقد متكامل الأركان والشروط، وإن تنازلت فيه المرأة عن بعض حقوقها، فلها ذلك، لأنها مالكة الحق ولها أن تتنازل عنه وأن ذلك لا يؤثر على العقد. واستدل بتنازل سودة بنت زمعة عن ليلتها للسيدة عائشة رضي الله عنهما جميعاً.
ولكنه علق قائلا: "وأنا أفضل ألا يذكر مثل هذا التنازل في صلب العقد، وأن يكون متفاهماً عليه عرفيا. على أن ذكره في صلب العقد لا يبطله. وأرى وجوب احترام هذه الشروط".

القول الثاني: القائلون بعدم الإباحة وأدلتهم:
من الذين قالوا بعدم إباحة زواج المسيار فضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى حيث قال: إن فيه مضارا كثيرة على رأسها تأثيره السلبي على تربية الأولاد وأخلاقهم.

ومن الذين قالوا بعدم إباحته أيضاً: الشيخ عبد العزيز المسند، المستشار بوزارة التعليم العالي بالمملكة العربية السعودية والداعية المعروف بالمملكة ، والدكتور عجيل جاسم النشمي، عميد كلية الشريعة بالكويت سابقاً ،والدكتور محمد الزحيلي، والدكتور محمد عبد الغفار الشريف، عميد كلية الشريعة الإسلامية والدراسات الإسلامية بالكويت‘و الدكتور إبراهيم فاضل الدبو: الأستاذ بكلية الشريعة والقانون بسلطنة عمان، و الدكتورجبر الفضيلات، والدكتور علي القرة داغي والدكتور عبد الله الجبوري والدكتور عمر سليمان الأشقر ،
ومن الذين قالوا بعدم إباحته أيضاً الشيخ محمد الراوي- عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.
أدلة القائلين بعدم الإباحة ومناقشتها :

من خلال سرد آراء العلماء القائلين بعدم إباحة زواج المسيار، نرى أنهم استدلوا على رأيهم هذا بعدة أدلة:
1) أن العقد في هذا الزواج مقترن ببعض الشروط التي تخالف مقتضى العقد، كشرط تنازل المرأة عن حقها في القسم والنفقة ونحو ذلك، وهذه الشروط فاسدة ، وقد تفسد العقد.
2) أن زواج المسيار هذا: مبني على الإسرار والكتمان، وعدم إطلاع الناس عليه، والأصل في الزواج الإعلان.
3) أن هذا الزواج يتنافى مع مقاصد الشريعة الإسلامية من الزواج، كتحقيق السكن والمودة، ورعاية الأبناء.
4) أن هذا الزواج فيه مهانة للمرأة، وتهديد لمستقبلها بالطلاق إذا طلبت المساواة في القسم أو النفقة، وفيه استغلال لظروفها، فهي لو وجدت الزواج العادي لما قبلت بزواج المسيار.
5) أن الله شرع لنا وسيلة أخرى غير هذا الزواج وهو التعدد.
6) أن هذا الزواج يترتب عليه الإضرار بالزوجة الأولى، لأنه سيذهب إلى الزوجة الثانية دون علمها، وسيقضي وقتاً معها ويعاشرها على حساب وقت وحق الزوجة الأولى في المعاشرة.
7) أن هذا الزواج ينطوي على كثير من المحاذير، إذ قد يتخذه بعض النسوة وسيلة لارتكاب الفاحشة بدعوى أنها متزوجة عن طريق المسيار. لذا يجب منعه سداً للذرائع حتى ولو كان مستكمل الأركان والشروط قياساً على زواج المتعة والمحلل.


مناقشة بعض أدلة المانعين:
مناقشة الدليل الأول:
مبنى هذا الدليل على أن تنازل المرأة عن حقها فى القسم والنفقة وبقية حقوقها يفسد العقد
وعلى ما ذكر العلماء فى النفقة كما سيأتى تفصيلا ‘ وعلى أساس من الأدلة الشرعية التى سنعرض لها هناك فإنه ليتضح لنا أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج بالإجماع دون خلاف، ولكن ماذا لو لم ينفق الزوج على زوجته؟ هل يفسخ العقد أم ماذا؟ ( )
يرى الحنفية: أن الزوج إذا لم ينفق على زوجته صارت نفقتها دينا عليه، ولها أن ترفع أمرها للقاضي أو يتراضيا، وللمرأة الحق في أن تسقط النفقة الماضية عن زوجها وإبرائه منها كسائر الديون، ولكن لا يجوز أن تبرأه عما يستقبل من النفقة، لأنه إسقاط لواجب لم يجب بعد، فلم يصح.

ويقول المالكية: والنفقة واجبة على الزوج..، وتسقط النفقة عن الزوج المعسر سواء كانت الزوجة مد خولاً بها أم لا، وللزوجة في هذه الحالة الخيار، فإن شاءت طلبت الطلاق، وإن شاءت بقيت معه. وإذا أنفقت الزوجة على نفسها زمن الإعسار فإنها لا ترجع عليه بشيء من ذلك بعد يسره، سواء كان الزوج زمن إنفاقها حاضرا أم غائبا، لأنها متبرعة في تلك الحالة.

ويرى الشافعية: أن النفقة واجبة على الزوج ولكنه إذا أعسر ولم ينفق على الزوجة فإنها بالخيار إذا شاءت صبرت معه وأنفقت على نفسها وصارت نفقتها دينا عليه، وإلا فلها الفسخ على الأصح.

ويرى الحنابلة: أن النفقة واجبة على الزوج ولكنه إذا أعسر ولم يستطع النفقة فلزوجته الخيار إما الفسخ وإما البقاء معه، ولكنها إذا كانت عالمة بإعساره قبل العقد فلا خيار لها، لأنها عالمة بعيبه.

وعلى ما سبق من آراء الفقهاء غير الحنفية فإن الزوج إذا أعسر ولم ينفق على زوجته فلا يفسخ العقد ولا يبطل النكاح، بل للزوجة إذا رضيت أن تنفق على نفسها وتبقى مع زوجها فلها ذلك، أو إن شاءت طلبت الطلاق‘ بل فى قول ابن حزم تسقط بالإعسار نفقتها ‘ لقول الله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ....البقرة 280} وقوله { لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها ... الطلاق 7} يقول ابن حــــزم " فصح يقينا أن ما ليس فى وسعه ، ولا أتاه الله ، ومالم يكلفه الله تعالى فهو غير واجب عليـــــه ، وما لم يجب عليــــه فلا يجوز أن يقضى عليه به أبدا ، أيسر أو لم يوسر " ( )

وقد يرد على هذا بأن: الإعسار هذا ظرف طارئ، وأن الزوجة أسقطت نفقتها احتراما للعلاقة الزوجية، وأن إسقاطها جاء بعد العقد وليس قبله.
ويجاب عن هذا: بأن المرأة تعلم أن النفقة هذه من حقها، فلا فرق بين أن تسقطها قبل العقد أو بعده.
ولذلك قال بعض علماء الحنابلة: إن المرأة إذا تزوجت معسرا عالمة بإعساره فليس لها الخيار بعد ذلك في الفسخ، لأنها رضيت بعيبه.
أي أن الزوجة كانت تعلم أن زوجها لن يستطيع الإنفاق عليها، ومع ذلك قبلت بهذا الزوج على عدم إنفاقه عليها، ولم يقل أحد إن ذلك يؤثر على العقد.
بل إن الأئمة الأربعة: قالوا بصحة العقد مع تنازل المرأة عن أمور أهم بكثير من أمر النفقة -قبل العقد- ومن ذلك أمر الوطء الذي هو صلب عقد الزواج، وهدف الزواج الأول! وما يتبع ذلك من ذرية إن شاء الله تعالى.
قال الحنفية: "إذا كانت الزوجة عالمة بعيب الزوج كأن يكون عنيناً ورضيت بذلك فلا خيار لها، لأنها رضيت بالعيب، كالمشتري إذا كان عالماً بالعيب عند البيع والرضا بالعيب يمنع الرد.
أي أن الزوجة علمت قبل العقد أن الزوج عنين لا يستطيع الوطء، ومع ذلك قبلت بهذا الزوج، فانعقد العقد، وصح النكاح، ولا خيار لها في الفسخ بعد ذلك.
ألا يصح بعد ذلك أن توافق الزوجة على عدم النفقة أو عدم القسم مع العلم أن هذه الأمور في مرتبة أقل بكثير من مرتبة الوطء!

وقال المالكية:"فإن علم السليم بعيب المعيب قبل العقد فلا خيار له بعد ذلك، لأن عقده مع العلم بالعيب دليل رضاه".
وعددوا عيوب الرجل التي يكون للمرأة الخيار فيها وهي: الجب، والخصاء، والاعتراض، والعنة.
فالمالكية لم يقولوا إذا علم السليم بعيب المعيب فلا يصح انعقاد العقد، بل قالوا فلا خيار له، أي أن العقد انعقد وصح النكاح، ويسقط الخيار وتستمر الحياة الزوجية.
ويقول الحنابلة: "ومن علم العيب وقت العقد فلا خيار له، لأنه دخل على بصيرة بالعيب".
يقول ابن قدامة: " ولنا أنها رضيت بالعيب ولى خلت في العقد عالمة به، فلا يثبت لها الخيار كما لو علمته مجبوباً".

وعلى ما سبق نقول إن العلماء أثبتوا للمرأة الخيار والحق في القبول بالزوج العنين والمجبوب الذي لا يستطيع الوطء، أي أن المرأة أسقطت حقها في الوطء الذي هو الهدف الأول من الزواج، وذلك قبل العقد، ومعلوم أن الوطء يترتب عليه النسل.
ألا يصح أن يقال بعد ذلك إن للمرأة الحق في إسقاط ما هو أقل من الوطء وهو النفقة أو المبيت أو السكنى من أجل أن تحصل على زوج يعفها ويكون لها منه الولد- إن شاء الله-؟

وقد يرد أيضاً: بأن الرجل هو الذي يشترط إسقاط النفقة وليست المرأة هي التي تتنازل؟
ويجاب عن هذا: بأن هذا الكلام غير وارد. فإننا لم نقرأ في كلام من كتبوا فى زواج المسيار أو من تحدثوا عنه أن الرجل يذهب إلى أهل المرأة ويقول لهم أنا أريد أن أتزوج ابنتكم ولكن لي شرط وهو أن لا أنفق عليها؟
ولكن في الغالب يتم هذا الزواج عن طريق وسيط. يعلم ظروف هذه المرأة ويعلم أنها لا تريد إلا زوجا فقط، ويعلم ظروف هذا الرجل وأنه لا يريد إلا زوجة فقط، وتكون الزوجة على علم تام بأن الزوج لن ينفق عليها ولن يقسم لها وتكون راضية بذلك، بل إن الزوجة في الغالب تكون هي الخاطبة كما يقول الشيخ سعود الشريم أو يكون وليها هو الخاطب لها، ويتضح ذلك من خلال إجابة بعضهن على استبانة الباحث عندما سئلن:
من الذي دلك على هذا الزواج؟
قالت احداهن: "الوالد" "وقالت الأخرى عن طريق أخي".
وحتى إن كان الزوج هو الذي اشترط وثبت ذلك في العقد فسبق أن ذكرنا أن أمثال هذه الشروط فاسدة، وأنها عند الأئمة الأربعة لا تبطل العقد بل تسقط هي ويبقى العقد صحيحاً.
بل إن ابن تيمية قال: ويحتمل صحة شرط عدم النفقة. على ما نقل عنه الدكتور القرضاوي.
ولم يقل بفساد العقد إلا رواية مرجوحة عن الإمام أحمد أوردها ابن قدامة في الكافي حيث قال:"وقد سئل الإمام أحمد في النهاريات والليليات فقال: ليس هذا من نكاح أهل الإسلام. وهذا يحتمل إفساد العقد، فيتخرج عليه سائر الشروط الفاسدة أنها تفسده، لأنها شروط فاسدة، فأفسدت العقد.
ونقل عن الأثرم في الرجل يتزوج المرأة على أن تنفق عليه في كل شهر خمسة دراهم أو عشرة دراهم. قال: "النكاح جائز ولها أن ترجع في الشرط".
وعلى ما سبق يترجح لنا عدم حجية إسقاط المرأة لحقها في النفقة على بطلان العقد في زواج

وبعد هذاالعرض المفصل لزواج المسيار من كافه الأوجه نرغب فى التأكيد فى النهاية على مجموعة نقاط هامة للتذكرة وهى :
1) زواج المسيار زواج مستكمل الأركان والشروط المتعارف عليها عند جمهور الفقهاء، من تراضي الزوجين وحضور الولي والشهود، ونحو ذلك، ولكنه يتضمن تنازل الزوجة عن بعض حقوقها الشرعية باختيارها ورضاها مثل النفقة والقسم، والعقد فيه صحيح، ولكن هذا الزواج مخالف لكثير من الحكم والمقاصد التي أرادها الشارع من الزواج. ولذلك يجب عدم تشجيع العامة على هذا الزواج واتخاذ الوسائل اللازمة للتضييق من دائرته ولكن لا يمكننا القول بمنعه لما فى ذلك من اعتداء على حرية الزواج والتحريم بغير دليل يمنع .
2) جاءت تسمية هذا الزواج بالمسيار من باب كلام العامة، وتمييزا له عما تعارف عليه الناس في الزواج العادي، لأن الرجل في هذا الزواج يسير إلى زوجته في أوقات متفرقة ولا يستقر عندها طويلا.
3) هذا الزواج بهذه الصورة لم يشع إلا فى السنوات الأخيرة ، ولكن الذي يبدو أن له صورا مشابهة في الماضي القريب والبعيد، فقد ذكر فى كتب السلف ( زواج النهاريات والليليات ) ويذكر أهل الخليج أن تجارهم كانوا يتزوجون زواجاً قريبا من هذا خلال أسفارهم، ولا يخفى أن أكثر انتشاره اليوم فى البلدان الخليجية .
4) هناك أسباب كثيرة أدت إلى ظهور هذا الشكل من الزواج، منها ما يعود إلى النساء وعلى رأسها كثرة عدد العوانس والمطلقات والأرامل وصواحب الظروف الخاصة، وكذلك رفض كثير من الزوجات لفكرة التعدد.
ومنها ما يعود للرجال وعلى رأسها رغبة بعض الرجال في الإعفاف والحصول على المتعة الحلال مع ما يتوافق وظروفهم الخاصة، ومنها ما يعود للمجتمع وعلى رأسها الأعراف السائدة في بعض المجتمعات من مغالاة في المهور والنظر بشيء من الازدراء لمن يرغب في التعدد ونحو ذلك.
5) تتمثل مزايا زواج المسيار في إعفاف قدر كبير من نساء ورجال المجتمع اضطرتهم ظروفهم الشخصية أو الظروف المجتمعية إلى اللجوء إلى الزواج بهذه الصورة، بدلا من سلوك مسالك غير شرعية.
أما مفاسد فأبرزها أنه قد يجعل من الزواج بهذه الصورة سوقا للمتعة ، يتنقل فيه اللاهون واللاهيات من مخدع إلى مخدع ، الأمر الذى يضر فى النهاية بمفهوم الأسرة من حيث السكن الكامل والرحمة والود بين الزوجين، وعدم إحكام تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة سوية متكاملة، ويؤثر سلباً في تكوين شخصيتهم.
7) زواج المسيار يختلف كليا وجزئيا عن زواج المتعة والمحلل، فهو زواج مستكمل الأركان والشروط وإن اختلف في الموازنة بين فوائده ومفاسده، أما زواج المتعة والمحلل فحرام باتفاق أهل السنة لأنه ليس مقصوداً لذاته.أ.ه .

زواج الفريند

ومما يلحق بزواج المسيار خصوصا وبقضية الاشتراط المنقص من حقوق الزوجة على الزوج ما اشتهر مؤخرا تحت مسمى " (Zawj friend) .وننقل أيضا عن موقع للكبار نص المنشور فيه عنه .

ماهو الزوج فريند ؟؟
فتوى أثارت جدلا واسعا في العالم الغربي والعربي والإسلامي أطلقها الشيخ "عبدالمجيد الزنداني" ـرئيس جامعة الإيمان، رئيس مجلس الشورى في حزب التجمع اليمني للإصلاح ـ عندما أصدر فتوى باسم زواج فريند، ثم أكد أنها زواج ميسر.
ومهما اختلفت التسمية إلا أن فتوى الزنداني لاقت ردود فعل متباينة ما بين التأييد والمعارضة ، فبعض الناس رآها وسيلة للقضاء على المشاكل التي تواجه الأقليات الإسلامية بالغرب في ظل ظروف مجتمعية صعبة وتحديات جمة من أجل الحفاظ علي الهوية الإسلامية.. في ظل مجتمعات ينتشر فيها الانحلال والفساد وتفتقد القيم الإسلامية؛ لذا كان الزواج هو الحل ليخفف من تلك المعاناة بما يتناسب مع تلك المجتمعات، خاصة أن أركانه من الناحية الشرعية متوافرة..
وفريق آخر يرفض متخوفا من أن تتخذ الفتوى ستارا وبابا خلفيا للفساد والانحلال الأخلاقي، ووصل ببعضهم الأمر أن وصفها بالزنا المقنن، مؤكدين أنها باطلة لافتقادها شروط الزواج وأركانه الأساسية وتهديده لسلامة البناء العائلي من جهة ثانية.. بالإضافة إلى كونه يثير مشكلة الاحتكاك بين قيمنا الإسلامية والعربية الأصيلة والقيم السائدة في بلاد الغرب حول مسألة بالغة الدقة تتعلق بما هو حلال وما هو حرام في العقود والعهود التي تنظم علاقة الرجل بالمرأة..

مواجهة تأثيرات المجتمع الغربي
في البداية عزا الشيخ الزنداني إطلاقه لهذه الفتوى إلى طلب تلقاه خلال زيارة قام بها إلى أوروبا للإسهام في حل مشكلة أبناء الجاليات هناك الذين لا تستطيع أسرهم منعهم من إقامة علاقة خارج إطار الشرع، وتوقع أن هذه الفتوى ستحافظ على أبناء المسلمين في أوروبا، وتصون أعراض العائلات، وتحفظ النسل من الضياع، كما ستمكن الجاليات العربية والإسلامية من مواجهة تأثيرات المجتمع الغربي.
ويضيف قائلا: "زوج فريند.. جاءت عندما كنت أتحاور مع أحد الإخوة القادمين من أوروبا، فجاء ذكر حال الشباب وما يتعرضون له من ضغوط ومفاسد حتى لا يكاد الأب يسيطر على ابنه أو ابنته؛ لأن المجتمع ضاغط عليهم ضغطاً شديداً، بل يأتي الولد إلى بيت أبيه ومعه صديقته، والأب والأم يعلمان أنها صديقته وأنه يعاشرها، وكذلك الفتاة تحضر الشاب إلى بيتها على أنه صديقها، والصديق والصديقة قد يكونان من الشباب المسلمين.. فقال لي ذلك الأخ إن مشكلتنا هي (boy friend - girl friend) الصديق والصديقة، فأنا قلت إن علاج المشكلة هي زوج فريند(Zawj friend) وتستند أساساً إلى الأركان الواجب توافرها في الزواج الشرعي والمحددة بوجود المأذون والشاهدين وصيغة العقد والمهر المتراضى عليه، إضافة إلى ما يستوجبه من إشهار لعقد الزواج وإعلانه، وليس في هذه الشروط وجود منزل مع الزوج.

منع الفتنة
وأشار الشيخ الزنداني إلى أن تطبيق "زوج فريند" في الغرب بين أبناء المسلمين يؤدي إلى اتقاء شرور الفتن الأخلاقية؛ وذلك بإيجاد الحلول الشرعية المناسبة من خلال تيسير الزواج؛ لأنه يمكن لأي شاب وشابة أن يتربطا بعقد زواج شرعي من دون أن يمتلكا بيتاًَ، إذ يكتفى في البداية بأن يعود كل منهما لمنزل أبويه بعد اللقاء.
ويفسر الزنداني المقصود بالزواج بأنه هو الزواج الشرعي وفق القواعد الشرعية، وهي مسألة شرعية، فالأب يرضى وكذلك الولي والزوج والزوجة، والعقد يتم بناء على رضاء الطرفين (إيجاب وقبول)،والمهر يحدد، ثم له بعد ذلك أن يخلو بها فهي زوجته وهو زوجها.والمطلوب من الزواج هو الإشهار، ويكون هذا العقد أمام مجموعة من المسلمين في المسجد أو في مكان عام؛ ليعلم الجميع إذا جاء ولد من هو أبوه، فما يحدث في أوروبا والغرب أن الفتاة تحمل.. ولكثرة من يمرون عليها من(boy friend) لا يعلمون من والد ذلك الطفل ولا يستطيعون تحمّل ولد لا يعلم إذا كان ابنه أم لا..".

زواج شرعي
ويؤكد الشيخ الزنداني أن الصيغة الشرعية الصحيحة الموجودة في الزواج يمكن تطبيقها في أوروبا باسم "زوج فريند"؛ لأنها صيغة شرعية إذ اكتملت فيها أركان الزواج الشرعي. لكن لم نشترط ما لم يشترطه الشرع من بيت وغيره، فيسكن الزوج في أي مكان، فهذه الصيغة تناسب أهل الغرب؛ لأن الفوضى الجنسية ضاربة وتجرف شبابهم وشاباتهم إلى شيء اسمه صديق وصديقة، فعندهم العلاقات الزوجية تقوم على الصداقة ولا تقوم على الزواج الشرعي، أما في بلاد المسلمين فالفتوى تتغير من مكان إلى مكان، لذا أطالب بتسهيل الزواج والزواج المبكر وخفض المهور
ويذكر الزندانى بقاعدة " التيسير " التى يستند عليها الفقه الإسلامي شرعياً وتاريخياً بخصوصية المكان والزمان ومراعاة هذا الفقه للمتغيرات الجارية على حياة الناس ومن هنا جاءت دعوته الى النهوض بما يعرف " بفقه الأقليات " والعمل الدءوب على تطويره 00 ولتقريب الصورة أكثر عمد الشيخ الزندانى الى استعمال القياس فقال : انه بدلاً من أن يدخل الشباب المسلم فى الغرب فى علاقات بوى فريند وجيرل فريند يجب أن تتاح له علاقة زوجية ميسرة دون امتلاك منزل، لأنه كما سبق التوضيح البيت ليس شرطاً شرعياً من شروط صحة الزواج 0
هذه حجة الشيخ الزندانى ومبنى فتواه بالحل .

زواج الفريند بين مؤيد ومعارض :
1-الدكتور "محمد سيد طنطا وي" ـ شيخ الأزهر علق على الفتوى قائلاً: لا شك في أن كل ما يؤدي إلى الحلال فهو حلال، وكل ما يؤدي إلى الحرام فهو حرام، وقد بيّن لنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن "الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات"يجب البعد عنها حتى لا نقع في المحظور، فهذه مبادئ عامة. ونظراً لعدم تكامل الفتوى وعدم إجابتها عن الكثير من التساؤلات حولها وظروف عقد الزواج.. وهل هو متكامل شرعاً؟ وهل نية الزوج أنه مؤقت أو مؤبد؟ وغير ذلك الكثير فإنني أستطيع القول بأن هناك شروطا يجب توافرها في عقد الزواج ليصبح صحيحاً في الشريعة الإسلامية، وهي أن يكون العقد بإيجاب من أحد الطرفين وقبول من الطرف الآخر، وأن يتلاقى الإيجاب والقبول على المقصود من العقد ،وهو الزواج وفي مجلس واحد ، وبألفاظ تدل على التمليك وعلى تنجيز العقد وتأبيده، وأن تتوافر في أطراف العقد الأهلية الكاملة بشروطها وأوصافها، وأن تكون المرأة المراد العقد عليها غير محرمة على من يريد الزواج منها لأي سبب، وأن يتم العقد بحضور شاهدين تتوافر فيهما الأهلية للشهادة ويسمعان كلام العاقدين ويفهمان المقصود منه في وقت واحد، ويشترط إسلام الشاهدين إذا كان الزوجان مسلمين، وأن يكون ذلك برضا وحضور ولي أمر الزوجة؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل".

التنازل لا الإجبار
وأوضح شيخ الأزهر أنه إذا كان عقد الزواج الذي أشارت إليه الفتوى تتوافر فيه الشروط السابقة فهو حلال؛ لأنه من حق المرأة التنازل عن حقها في السكن أو النفقة برضاها، وليس للزوج إجبارها على ذلك، فإذا اشترطا ذلك وتراضيا عليه فلا مانع شرعاً؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً"، وقوله "إن أحق الشروط أن توفوا بها ما استحللتم به الفروج".
وبمثل ذلك يقول مفتي مصر السابق ،ورئيس جامعة الأزهر حالياً فضيلة الدكتور "أحمد الطيب" فينتصر للفتوى قائلا: "إنه لا يوجد مانع شرعي من أن يتم عقد الزواج عن إيجاب وقبول ومهر وشهود وإشهار". وأكد فضيلته أن عدم توفُّر مسكن خاص بالزوجين لا يبطل الزواج، وأجاز لقاءهم في بعض الأوقات ثم الافتراق في المعيشة بعد ذلك.. وأضاف أن هذا النوع من الزواج يعد حلا مثاليا لمشاكل العصر كالعنوسة، ويساعد الشباب في بداية حياتهم خاصة بعد تفشي البطالة، وعدم القدرة على تدبير نفقات الزواج. كما أشار إلى خطورة استعمال المصطلحات الغربية في هذا النوع من الزواج الشرعي؛ حتى لا تنعته بما لا يصدق .
2- أما الدكتور "محمد رأفت عثمان" ـ العميد السابق لكلية الشريعة والقانون وعضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ـ فيضع بعض التحفظات على هذا الزواج حتى يكون حلالاً، وعن فتوى الزندانى يقول:هذه الفتوى إذا كانت تشترط في العلاقة التي ستنشأ بين الشاب والفتاة أن تكون قائمة على عقد زواجٍ مستوفٍ أركانه وشروط صحته من الناحية الشرعية؛ فهي بلا شك تحل جانباً من مشكلات الشباب المسلم في الدول الغربية، إلا أنها قد تخلق مشكلة أخرى بين هؤلاء الأزواج إذا حدث حمل، فمن سيقوم بتربية الولد الذي سينشأ بين زوجين متباعدين، أم أنهما سيرسلان ابنيهما إلى احدى مؤسسات رعاية الأطفال مجهولي النسب؟! بالإضافة إلى ضرورة أن يعرف المخالطون لأسرة الزوجين أنهما متزوجان زواجاً شرعياً وأنهما تراضيا على هذا الوضع حتى لا يساء الظن بهما.
لهذا أرى أن هذه الفتوى رغم أنها تحل مشكلة إلا إنها ستنشأ عنها مشكلات أخرى يجب البحث عن علاج لها، كأن تقوم الدول والهيئات الإسلامية الغنية بمساعدة الشباب المسلم على تأجير مسكن مناسب وبأقل الأسعار ليعيش فيه عيشة كاملة، بدلاً من زواج المبعدين الذي يمثل مشكلة لأسرتيهما، خصوصاً أسرة الفتاة التي قد تكون موجودة في أسرة ظروفها صعبة ومسكنها ضيق، وتزيد الوضع سوءاً بزواجها وإنجابها في بيت أبيها، ومع هذا فمن حسنات هذا الزواج أنه سوف يعمل على تقليل الزيجات العرفية غير الشرعية، ويقلل الفحشاء في مجتمعاتنا الإسلامية. ، ويتفق معه فى ذلك الشيخ "عبد المحسن العبيكان" من علماء السعودية، وأضاف أن المرأة من حقها أن تتنازل عن البيت والنفقة، وأكد ضرورة ألا يكون هذا الزواج مؤقتا أو بهدف الطلاق فيما بعد

ضوابط شرعية
3-يؤكد الدكتور "محمد المختار المهدي" ـ الرئيس العام للجمعية الشرعية والأستاذ بجامعة الأزهر ـ أن هذا الزواج رغم أنه صحيح شرعاً إلا أنه لا يحقق الاستقرار التام بين الزوجين، بل إنني أخشى أن يكون مثل هذا الزواج أقرب إلى زواج المتعة المحرم شرعاً إذا كانت نية الزوجين أو أحدهما أنه محدد لفترة معينة أو مؤقتة، ويمكن أن يكون هذا الزواج فيه مساوئ الزواج العرفي من قيام المرأة بتزويج نفسها من دون وجود شهود عدول أو إذن وليها أو حتى الإشهار، أما إذا كان هذا الزواج مكتمل الأركان وليس مؤقتاً وليس زواجاً عرفياً، فلا مانع منه شرعاً إذا تنازلت الزوجة بمحض إرادتها عن حقها في السكن والنفقة اللذين جاء الأمر الإلهي بهما في قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ..}، وقوله: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ..}.ومن حق المرأة التنازل عن بعض حقوقها برضاها؛ لقوله تعالى: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}.

كثرة السلبيات
4- وتعترض الدكتورة سعاد صالح ـ أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر ـ على هذه الفتوى رغم أنها تقرر أنه زواج شرعي قائلة:هذا الزواج سلبياته أكثر من إيجابياته، فرغم أنه شرعي إلا أنه لا يحقق كل المقاصد الشرعية المرجوة من عقد الزواج، التي يمكن إيجازها في نقاط عدة، هي:تنظيم الطاقة الجنسية لتحقيق غاية جليلة هي التناسل والتوالد والتكاثر والإنجاب، تنفيذاً لقوله تعالى: {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء..}، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تناكحوا تكاثروا فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"، والمشاركة في أعباء الحياة؛ لأن عقد الزواج مؤبد وليس مؤقتاً، وهذا منطلق من قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً..}، وتربية الأجيال الجديدة وحفظ الأنساب.
وأوضحت الدكتورة سعاد صالح أن هذه الفتوى تمثل علاجاً مؤقتاً لمشكلة يجب علاجها علاجا جذرياً؛ لأنها مخالفة للإسلام، وهي المغالاة في المهور وتكاليف الزواج، والحل الإسلامي لها التيسير والتخفيف من معاناة الشباب والفتيات. وأخشى أن تكون هذه الفتوى مفتاحا للتراخي في حل المشكلات التي تحول دون زواج متكامل شكلاً وموضوعأً، لا سيما وأن الزوجين المتباعدين قد ينحرفان أثناء التباعد وعدم مراقبة أحدهما للآخر في سلوكياته؛ لأن اللقاء بينهما لا يزيد على لقاء جنسي فقط ثم يذهب كل منهما إلى حال سبيله، وقد تزيد المشكلة مع إحساس المرأة بالندية والاستقلالية عن الرجل في الغرب؛ لهذا يكون الزواج محفوفاً بالأخطار، ومحكوماً عليه بالفشل مستقبلاًِ لينتج عنه مطلقات وأطفالا يفتقدون الرعاية؛ وحاصل قولها إن هذا الزواج يحمل في داخله عوامل فشله حتى لو كان صحيحاً شرعاً، وهو صورة أخرى من زواج المسيار الذي عليه التحفظات السابقة رغم أنه صحيح شرعاً.

5- وأشد من الدكتورة سعاد إنكارا أستاذنا الدكتور نصر فريد واصل ، مفتى مصر الأسبق ، إذ يحمل عليه حتى يقول إن هذا الزواج يتساوى فيه الإنسان مع الحيوان؛ لأن الزواج شُرِعَ ليكون رباطاً وثيقاً بين الرجل والمرأة، يقوم على المودة والرحمة. ومن مقاصد الزواج الأساسية السكن والمودة بين الزوجين فإذا لم يتحقق هذا المقصد؛ فقد الزواج قيمتَه وأصبح شهوةً يتساوى فيها الإنسانُ والحيوانُ.
وفى رأيى ، وعلى أساس الدراسات التى عنيت بما يسمى الآن بفقه الأقليات فإن ضوابط الفتوى فى شأن قضايا المسلمين فى مجتمعات الكثرة المسلمة تختلف فى بعض آحادها عن فتوى القاطنين بمجتمعات الكثرة غير المسلمة ، وكما يقول الدكتور سالم بن عبد الغنى الرافعى : وإذ " هيأ لى إشرافى على المركز الإسلامى فى برلين الوقوف على مشاكل الجالية ، والنظر فى همومها ومعاناتها ، وكان من تلك الهموم غياب الفتوى التى تنبعث من تصور صحيح للواقع الذى يعيشه المسلمون هناك مع وجود فتاوى متعارضة لا تزيد الناس إلا حيرة ...... فإننى وجدت أن أكثر الأحكام التى وقع فيها الاضطراب هى أحكام الأحوال الشخصية ، وهى أكثر المسائل إلحاحا فى الغرب " ( ) ففى هذا الباب تتسع الشقة بين الإسلام والغرب ، وتباعد الشقة يستدعى اجتهادا يلائم هذا الواقع بكل مكوناته وتعقيداته واستطاعاته إلى جانب فقه النص المراد تنزيله على هذا الواقع ، " فتغير الواقع ، وتبدل الحال يقتضى بالضرورة إعادة النظر بالاجتهاد أو بالحكم الاجتهادى ، ولا ضير فى ذلك ، بل الضير ، والضرر فى الجمود على الأحكام الاجتهادية مهما تغيرت وتبدلت الظروف فبذلك تتحول الأحكام الاجتهادية من كونها حلا للمشكلات لتصبح فى تطبيقها وتنزيلها على غير محلها هى المشكل الحقيقى " ( )و حيث إن هذه من فتوى الأقلية ، تستهدف من بين ما تستهدف نجاح هذه الأقلية في التفاعل السليم مع محيطها، فإنها راعت أطر فقه الأقليات وهي على التوالي كما يرى الشيخ القرضاوى : لا فقه بغير اجتهاد معاصر قويم، مع مراعاة القواعد الفقهية الكلية، و العناية بفقه الواقع المعيشي،و التركيز على فقه الجماعة لا مجرد الأفراد، و تبني منهج التيسير،و مراعاة قاعدة تغير الفتوى بتغير موجباتها، ومراعاة سنة التدرج، والاعتراف بالضرورات والحاجـــــــــات البشرية، وأخيــــرا التحـــرر من الالتزام المذهبى ( ) .
وحيث إن فتوى العلامة الزندانى لم تنل من أركان العقد ولا من شروط صحته ، وغاية أثرها أنها انتقصت من آثاره برضا وقبول أطرافه فإنها – وفى هذا الإطار – لا تقر باطلا ، ولا أحسبها كما يقول أستاذنا الدكتور نصر فريد واصل تصل بالمتعاقدين إلى ما وصف ، بل إنها توصد بابا من الشر ، ولا تجافى واقع المجتمعات الغربية ، ومن ثم فلا سبب يدعو إلى القول بردها ، وإن كنت أوافق الدكتور الطيب فى أفضلية أن نحفظ علينا مصطلحاتنا .
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:09 am

سابعا
الحقوق الزوجية
ا. تمهيد وتقسيم :
إذا وجد عقد الزواج مستوفيا جميع أركانه وسائر شروطه كان صحيحا نافذا لازما فتترتب عليه آثاره التى رتبها الشارع عليه ، أما إذا اختل ركن الزواج أو شرط من شروط انعقاده فقد وقع العقد باطلا ولم يرتب أى أثر من آثار العقد الصحيح ، وإن حدث بناء عليه دخول مع العلم ببطلانه كان ذلك زنا يستوجب الحد فى رأى كافة الفقهاء ، إلا أبا حنيفة الذى رأى مجرد العقد شبهة تمنع الحد ،ولأنه وطء محرم فلا ينشر المحرمية على رأى الشافعى وجماعة، وفى رأى أبى حنيفة وجماعة ينشرها ، ويجب شرعا التفرقة بين الرجل والمرأة.
وإن اختل شرط من شروط صحة العقد كان العقد فاسدا ، والفاسد بمجرده لا يثبت حقا ، ولكن إن حدث فيه دخول ترتبت على الدخول جملة من الآثار أظهرها : وجوب الأقل من المسمى أو مهر المثل ، وثبوت النسب ، وعدم الحد للشبهة ، ووجوب العدة ، وتستحق المدخول بها نفقة قبل فسخ العقد ، وينشر المحرمية بين كل من الرجل والمرأة وأصول الآخر وفروعه ، ومع هذا يجب فسخه لفساده .
وإن اختل شرط النفاذ كان موقوفا يتوقف على إجازة من يملكها ، فإن أجازه صار صحيحا نافذا ، وإن رده كان كأن لم يكن ، وقبل إجازته لا يترتب عليه أى أثر من الآثار ، وبإجازته تترتب عليه كل آثار الزواج الصحيح ، وإن حدث فيه دخول : إن أمكن حمله على الرضا فهو فى حكم الدخول فى الزواج الفاسد ، وإن وقع بعد الرد والرفض مع العلم بالبطلان كان زنا يوجب الحد .
وإن كان العقد غير لازم لفقده شروط اللزوم ، كالكفاءة مثلا ، فحكمه حكم الصحيح ، غير أنه يقبل الفسخ بالإرادة المنفردة ممن ثبت له هذا الحق ، ما لم يوجد منه ما يدل على رضاه بالزواج ، أو مضى المدة التى يمكن الفسخ فيها ، وصورتها المثلى كما قلنا أن تحمل المرأة التى تزوجت أو زوجت بغير إذن وليها غير العاضل .
وفى العقد غير اللازم : إن حدث الفسخ قبل الدخول والخلوة الصحيحة لا يجب شئ مطلقا ، وإن كان بعد الدخول وجب ما يلزم بالعقد الصحيح .
وفى الصفحات التالية نتقصى آثار الزواج الصحيح ، وهى فى الواقع جملة من الحقوق والواجبات والأحكام الشرعية وتظهر هذه الأخيرة فى أمور كالنسب ، والتوارث بين الزوجين ، وحرمة المصاهرة ، وقد تكلمنا عن الأخيرة منها ، وثبوت التوارث بين الزوجين له موضعه فى أحكام المواريث، أما النسب فسيأتى الكلام عنه تفصيلا فى موضع تال ، أما الحقوق والواجبات فهى جملة من الأمور المتكافئة ، بمعنى أن كل حق يقابله واجب ، فما يثبت من الحقوق لأحدهما يقع واجبا على الطرف الأخر .
ومن عظيم حكمة الله تعالى أنه رتب حقوق الزواج وواجباته بوضعه وجعله ، حفظا للحياة الزوجية من العبث ، وإخضاعها للأهواء ، وقد صنفت على ثلاث مجموعات :
1- حقوق مشتركة بين الزوجين
2- حقوق خاصة بالرجل
3- حقوق خاصة بالمرأة

وهذه الحقوق مقررة في الفقه الإسلامي حرصًا على استقرار الأسرة ، وبهذه الحقوق والواجبات التي يبذلها كل طرف للآخر، يتحقق الأمن والأمان الذي جمعه قولـه تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ .

أولاً: الحقوق المشتركة بين الزوجين:
حرصًا على سلامة الأسرة واستقرارها وضع الإسلام حقوقًا وواجبات لكلا الزوجين من أجل تحقيق الأمن والأمان، والحقوق المشتركة بين الزوجين هي:
1- حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر.
2- ثبوت التوارث بين الزوجين.
3- الحق فى ثبوت نسب ولد الفراش إليهما { وهو حق لا يخص النكاح الصحيح وحده ، وسنعود إلى ذلك فى الكلام عن النسب }
4- حسن المعاشرة.
5- ويضيف بعض مشايخنا إلى ما تقدم ثبوت حرمة المصاهرة بسبب الزواج ، وفى رأينا أن حرمة المصاهرة حكم شرعى خارج عن دائرة الاختصاص – التى يتميز بها الحق – ولا تتوقف مراعاته قضاء وديانة على طلب من أحد ، وقد تكلمنا عنه عند حديثنا عن المحرمات من النساء .

أ- حل استمتاع كل من الزوجين بالأخر:
أبرز الحقوق المشتركة بين الزوجين هو ذلك الحق الذى خف الكلام الصريح فيه وهو الاستمتاع والمعاشرة ، بيد أنه السبب إلى مصالح الزواج ، وأهمها كالتناسل والسكن والمودة والرحمة ، وكيف لا يكون وهو إرواء " إحدى شهوتين عليهما تقوم الحياة ، ومن أجلهما كان التشريع كله " (. )
والاستمتاع طلب التمتع ومعناه " التلذذ ، يقال تمتع بالشئ أى تلذذ به ، والمتاع كل شئ يتمتع به ، وأصله من قولهم : حبل ماتع أى طويل ، وكل من طالت صحبته مع الشئ متمتع به " ( )
1- ومع أن التعبير بالاستمتاع لم يبرز فى التبويب الفقهى القديم فإن بعض مشايخنا من المعاصرين أخذوه من تعبير الإمام الكاسانى الحنفى قى بدائعه حيث قال " وهذا الحكم وهو حل الاستمتاع مشترك بين الزوجين فإن المرأة كما تحل لزوجها يحل لها " ( ) وهو فى رأيى أفضل ما يعنون به فى هذا الباب .
وقد أنس الكاسانى فى استعماله بالتعبير القرآنى " فما استمتعتم به منهم فآتوهن أجورهن " ( ) وكــــــــــان رحمه الله موفقا إذا عول على هذا الاستعمال دون غيره ، لأن الاستعمالات الأخـــــــــرى الــــواردة فى القــــــرآن الكـــــــريم كالإفضاء ( ) والمس( ) والتغشـ ــى ( ) والإتيان ( ) واللمس ( ) والقرب ( ) كلها دون لفظة الاستمتاع فى العموم ، وهو يشملهــا جميعا ، ويفوقها فى إيحاءاته النفسية ، بحصول الألفة والمودة والسكن ، وهى مداخل الاستقرار والعفة.
2- ومواضع ذكر الاستمتاع فى القرآن الكريم تثير تأملات تصل إلى حد العجب ، فنجده فى سياق متصل بشرعة الصوم ، ونجده فى حديث القرآن عن الحيض – وكلاهما فى سورة البقرة ،وفى حديثه عن الطهارتين الأصلية و البدلية – فى سورة النساء - أما مرادفات لفظة الاستمتاع فى الدلالة عليه – بالاستعمال القرآنى – ففيها من الإيحاءات النفسية والمعانى الاحتماعية ما يتعجب منه أيما عجب .
وإذ يذكر الاستمتاع فى هذه المواضع وغيرها على نحو ما رأينا فلابد وأن يكون شأنا خطيرا تتعلق به الأحكام ، ومن ذلك :-
أ- أنه حق للرجل على زوجته يجب عليها أن تجيبه إليه إذا طلبه وإلا كانت عاصية لربها ، بشرط أن يكون طلبه للمحل المباح ، وفى الوقت المباح ، وهو ما عدا زمن حيضها ونفاسها وصومها المفروض وإحرامها بالحج ؛ مع ملاحظة أن الاستمتاع بغير الجماع فى الحيض والنفاس والصوم لا يحرم إن أمن نفسه وبشرط ألا يضــر بها فى حالى الحيض والنفاس ( ).
ب- أنه حق للزوجة على زوجها يلزمه ديانة ويجب عليه فى الحكم فى رأى أكثر العلماء.
ولم أجد من آئمة المذاهب من لم يوجبه فى الحكم إلا الشافعى رحمه الله، فقال : الجماع موضع تلذذ لا يجبر أحد عليه ( )، وبه قال بعض الحنفية ( ).
وقال الإمام مالك : يؤخذ الزوج بجماع زوجته كل مدة ليحصنها ويقطع شهوتها ، فإن أطال ترك جماعها وحاكمته إلى القاضى فسخ النكاح بينهما إن لم يجامع ( )، وهو قول بعض الأصحاب من الحنفية( ).
وقدر الحنابلة وبعض الحنفية المدة التى يؤاخذ بتركها الزوج بمدة الإيلاء، وهى أربعة أشهر ( ).
ويرى الإمام ابن حزم الظاهرى أن أقل الواجب على الرجل مرة كل شهر إن لم يكن له عذر ، لقول الله تعالى " فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله "( ) حيث أمر بإيتائهن عقب الطهر والأمر للوجوب ( ).
وما دون الجماع فى الاستمتاع كالمبيت بمضجعها ومداعبتها وملاعبتها وإيناسها واجب مرة على الأقل كل أربع ليال ، وقال الشافعى لا يجب لأنه من دواعى الشهوة والمحبة التى لا يقدر على تكفلها ( ).
والصحيح الأول لما روى كعب بن سوار أنه كان جالساً عند عمر بن الخطاب فجاءت امرأة فقالت : يا أمير المؤمنين ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجى ، والله إنه يبيت ليلة قائما ، ويظل نهاره صائما ، فاستغفر لها وأثنى عليها، فاستحيت المرأة وقامت راجعة ، فقال : يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها ، فقال : وما ذاك ؟ فقال : إنها جاءت تشكوه ، إذا كان هذا حاله فى العبادة متى يتفرغ لها ؟ ، فبعث عمر إلى زوجها ، وقال لكعب اقض بينهما فإنك فهمت من أمرها ما لم أفهمه ، قال – كعب - : فإنى أرى أنها امرأة عليها ثلاث نسوة وهى رابعتهن – أى افترض أنها كذلك – فأقضى له بثلاثة أيام وليالهن يتعبد فيهن ، ولها يوم وليلة ، فقال عمر : والله ما رأيك الأول بأعجب إلى من الآخر ، اذهب فأنت قاض على البصرة " قال البهوتى: هذه قضية اشتهرت ولم تنكر فكانت كالإجماع ( ).
حـ –والصحيح أن ليس للاستمتاع حد فيستمتع كل من الزوجين بالآخر بما يروى شبقه ويذهب نهمه ، على أى وضع كان ، وفى حرية تامة ، وليس لذلك فى الإسلام حد إلا أن يأتى الرجل المرأة فى الموضع المحرم ، أو فى علانية من أحد ، فالله سبحانه وتعالى يقول " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم "( ) أى من أين شئتم أو كيف شئتم ، وما يقال غير ذلك من تقييد حرية الزوجين فى النظر أو اللمس أو الهيئة فكلام ساقط لا يسنده دليل ( ).

ولعله من المعروف أن الاستمتاع بين الزوجين من السر ، بل هو بأمر الشارع عين السر ، ومن ثم فالكلام حوله لا يثور فى حال استقامة العلاقة بين الطرفين ، فإن تعكر صفو الاستمتاع طفت إلى السطح الشكاية ، وانتقلنا من حديث الزواج إلى حديث الطلاق والفرقة ، ومن ثم فالموضع المشتهر لأحكام العلاقة الخاصة بين الزوجية هو – مع الدهشة – باب الطلاق ، وقد قيل بحق " الطلاق يبدأ من الفراش " .
******************

ب : حسن العشرة.
ظاهر القرآن الكريم أن حسن العشرة يلزم الأزواج لا الزوجات لورود الخطاب فيه للرجال ، كقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف"( ) وقوله " فإمساك بمعروف " ( ) وقولــه " فأمسكوهن بمعروف " ( ) ولكن هذا فهم قاصر فالخطاب للجميع ( ) ولكن أوثر به الرجال لاحتمال وجود دواعى الإساءة من تملك القوامة وحق التعدد، فضلا عن إرث الجاهلية فى الإساءة إلى النساء .
وأبلغ دليل على ذلك أن غاية حسن العشرة حصول السكن ، وقد أمر الله به الرجل والمرأة فقال " وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة " ( ) ثم إن المرأة مأمورة فى الكتاب والسنة بطاعة زوجها ( ) وليس فى الإحسان أقوى من التزام الطاعة ومراعاة الغرض .
ولوازم حسن العشرة كثيرة ومتنوعة ، وحاصلها الحرص على إرضاء الآخر فى غير معصية ، واجتناب ما يسوؤه فى بدنه ونفسه وماله ، ليكون الزوجان على وفاق ومحبة .
وقد نبهت الدكتورة عائشة عبد الرحمن إلى بيان قرآنى غاية فى الروعة والإعجاز مفاده أن مسمى الزوجية فى القرآن لا يطلق إلا على الارتباط الذى يؤنس فيه سكن كل من الزوجين للآخر ومودتهما وتراحمهما " فإذا تعطلت الزوجية من السكن والمودة والرحمة بخيانة أو تباين فى العقيدة فامرأة لا زوج"( ).
وبيـــــــان ذلك أن الله تعالى حين تحــدث عن آدم قــــــــال " وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك " ( ) وحين تحدث عن المتقين ذوى العشرة الحسنة قال " والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما " ( ) وقال " والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا " ( ) أما الارتباطات الخربة التى لا سكن فيها ولا رحمة فليست زواجا ، وإن سماها الناس كذلك ، قال سبحانه " وقال نسوة فى المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه " ( ) وقال " ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين . وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لى عندك بيتا فى الجنة ونجنى من فرعون وعمله ونجنى من القوم الظالمين " ( ) .
وكالحال فى قضية الاستمتاع فإن أحكام العشرة بين الزوجين تثار عندما يتحقق هذا الحق للخلل، ومن ثم يظهر حق الزوجة فى حسن العشرة عند الكلام عن التطليق للضرر ، فهناك يختل التزام الرجل بحسن معاملة وعشرة زوجته ، ويظهر حق الزوج فى حسن عشرة زوجته له فى الكلام على النشوز ، وموضعه فى الطلاق أيضا .

ج : ثبوت حق الإرث بين الزوجين:
فإذا مات أحد الزوجين والزواج قائم حقيقة أو حكمًا فإن الآخر يرث من تركته ، ما لم يوجد مانع من موانع الإرث ، وينبغى أن يعلم أن الإرث لا يتوقف على الدخول أو الخلوة، فيرث الحى من الزوجين من تركة المتوفى ولو لم يكن قد تم دخول ، فالعبرة بالعقد الصحيح فقط .
أما قدر ما يستحق : فتستحق الزوجة في تركة زوجها الربع إذا لم يكن له ، منها أو من غيرها ، ولد ،وتستحق الثمن إن كان له ولد – منها أو من غيرها - وتنفرد بهذا النصيب إن كانت وحدها ، وتشترك مع الزوجات الأخريات إن كان للزوج أكثر من زوجة .
أما نصيب الزوج في تركة زوجته فعلى الضعف من ذلك. والكلام فى الإرث له موضعه الخاص .

ثانيا : حقوق واجبة للزوج على زوجته:
قبل تفصيل القول فى هذه الحقوق نرى من الأنسب أن نبرز الحقائق الآتية :
أولا : حقوق الرجل قسم إلهى
يدرك المؤمنون بالإسلام دينا أراد الله به خير البشرية وبمحمد  رسولا خاتما إلى الناس أجمعين أن الحقوق والواجبات لم تتقرر على هوى الرجال أو النساء ، وإنما حكم الله فيها بما يصلح الدنيا ، ويكسب فلاح الآخرة ، ولأن الله يعلم أن من النفوس الإمارة بالسوء من قد تدعى يوما أن هذا الحق أو ذاك قد صنعه الاغتصاب ، أو قررته السلطة على هواها فقد أنزل فى ذلك قرآنا يتلى ويتعبد به ، فقال تعالى " ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسئلوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما " ( ) .
قال المفسرون " نهى الله عن التمنى لما فيه من دواعى الحسد ، ولأن الله أعلم بمصالحهم منهم فوضع القسمة بينهم على التفاوت على ما علم من مصالحهم " ( ) .
فإذا كان هذا حكم الله فى التمنى فما بالنا بحكم الله فى إبطال حق الغير بالكلية ، لا شك أنه سيكون بوبال فى الدنيا ونار فى الآخرة .
ثانيا : أطر حقوق الرجل محدودة بالنصوص
وإذا كنا ننتقد اللاتى ينكرن على الزوج حقه باعتدائهن على قسم الله فإن من الرجال من يسيئون استعمال الحقوق التى قدر الله لهم فيتعدون حدود الله ، غافلين عن تحذيره ، فحقوقهم كما أمر الله ليست تسلطا ، بل هى أعباء ، وواجب الزوجات ليس رقا بل عمل لا يقدر عليه سواهن .
وعلى ما تقرر فإن الحقوق المقررة للزوج على زوجته هى :
1- حق الطاعة فى المعروف
حق الطاعة مقـــــــــرر بقول الله تعالى " فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله " ( ) .
قال المفسرون " هذا كله خبر ، ومقصوده الأمر بطاعة الزوج والقيام بحقه فى ماله وفى نفسها فى حال غيبة الزوج " ( )
فهو إذا ليس مجرد احترام لأمر ، ولكنه حفظ لرغبة وتلبية لغرض لأن الغائب لا أمر له ، و لأن الطاعة قد تثقل على النفس ، خصوصا إذا كانت على غير هوى ما تهوى ، بشر النبى  المطيعات بالجنة ، قال " أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة " ( ) وتحذيراً لهن من التفريط فى ذلك قال  " والذى نفس محمد بيده لا تؤدى المرأة حق ربها حتى تؤدى حق زوجها"( ) وعد المرأة الطائعة كنزا ، بل خير ما يكنزه المرء فقال لعمر رضى الله عنه " ألا أخبرك بخير ما يكنزه المرء ، المرأة الصالحة إذا نظر إليها سرته ، وإذا أمرها أطاعته ، وإذا غاب عنها حفظته " ( ) .
هذا ما ينتظر القوانت من الزوجات ، وهو ثواب عظيم لمن تعيه ، وواضح من النصوص أنه حق مقرر للرجل دون نظر إلى شخصه ، او توقف على تقديرها لمراده ، مادام فى غير معصية الله ، فطاعتها له هو ظاهرا، وهى لله فى الحقيقة والواقع .
على أن هذه الطاعة مقيدة بمرضاة الله تعالى ، وبحياتهما الزوجية لا تتعداها ( ) ، وبما لا يضر بحقوق الغير ، فإن أمرها بمنكر فلا طاعة ، وإن أمرها فى مالها الخاص لا تلزمها طاعته ، وإن أمرها بما يضر بحقوق الغير كالولد مثلا فلا طاعة ، كما لا طاعة له عليها إن هو تعمد مضارتها بأن أساء إليها بالقول أو بالفعل أو استولى على مال لها بدون وجه حق ، ويجب فى مجال إثبات هذه المضارة الرجوع إلى أرجح الأقوال فى مذهب أبى حنيفة .( )
ومن الفطنة أن يعلم الرجل أن طاعة المرأة تبتدئ من عنده ، فإن وجدته هينا لينا محبا عطوفا متعقلا ، مقدرا لمشاعرها وهواها المشروع كانت على طاعته أحرص وعلى إرضائه أوفر ، وقد ضرب النبى  المثل فى ذلك ، فكان بالغ التودد إلى نسائه ، فعن عائشة  قالت " كنت ألعب بالبنات (العرائس) عند النبى  ، وكانت عندى صواحب يلعبن معى فكان رسول الله  إذا دخل ينقمعن منه – أى يقفن إجلالا له – فيسربهن – أى يرسلهن سرا – ليلعبن معى" ( ) وعنها أيضا قالت " دعانى رسول الله  والحبشة يلعبون بحرابهم فى المسجد فى يوم عيد ، فقال لى يا حميراء : أتحبين أن تنظرى إليهم ؟ فقلت نعم ، فأقامنى وراءه فطأطأ لى منكبه لأنظر إليهم ، فوضعت ذقنى على عاتقه ، وأسندت وجهى إلى خده ، فنظرت من فوق منكبه ، وهو يقول : دونكم يابنى أرفدة ، فجعل يقول : يا عائشة " ما شبعت ؟ فأقول : لا لأنظر منزلتى عنده ، حتى شبعت .
قالت : وما بى حب النظر إليهم ، ولكن أحببت أن يبلغ النساء مقامه لى ، ومكانى عنده ، فأقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو " ( )
وروت أيضا أن النبى  كان يدعوها إلى المسابقة فسبقته مرة، وسبقها فى الثانية وبين السبقتين زمن تغير فيه بنيان عائشة فجعل النبى  يضحك ويقول هذه – أى السبقة الثانية – بتلك السبقة " ( ) .
وتبرز أحكام الطاعة فى القانون عند الاختلاف حولها ، وينظمها القانون المصرى أساسا بالمادة 11 مكررا ثانيا من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون 100لسنة 1985 ، ونصها " إذا امتنعت الزوجة عن طاعة الزوج دون حق توقف نفقة الزوجة من تاريخ الامتناع ، وتعتبر ممتنعة دون حق إذا لم تعد لمنزل الزوجية بعد دعوة الزوج إياها للعودة بإعلان على يد محضر لشخصها أو من ينوب عنها ، وعليه أن يبين فى هذا الإعلان المسكن . وللزوجة الاعتراض على هذا أمام المحكمة الابتدائية خلال ثلاثين يوما من تاريخ الإعلان ، وعليها أن تبين فى صحيفة الاعتراض الأوجه الشرعية التى تستند إليها فى امتناعها عن طاعته وإلا حكم بعدم قبول اعتراضها ، ويعتد بوقف نفقتها من تاريخ انتهاء ميعاد الاعتراض إذا لم تتقدم به فى الميعاد ، وعلى المحكمة عند نظر الاعتراض أو بناء على طلب أحد الزوجين التدخل لإنهاء النزاع بينهما صلحا باستمرار الحياة الزوجية وحق المعاشرة ، فإن بان لها أن الخلاف مستحكم وطلبت الزوجة التطليق اتخذت المحكمة إجراءات التحكيم الموضحة فى المواد من 7 إلى 11 من هذا القانون " .
وأبرز ما يتضمنه نص المادة 11 مكررا ثانيا من أحكام هو :
1- حرص المقنن على ألا يصف الزوجة الخارجة عن طاعة زوجها بالنشوز، ولم يبرر حتى فى المذكرة الإيضاحية سر ابتعاده عن هذا المصطلح الشرعى ، ويبدو أن المقنن حرص على أن يأتى بصيغة تفرح النساء كحرصه – كما يقول أستاذنا الدكتور العطار – على أن يأتى بدعوى الاعتراض على طلب الطاعة ليفرحن بأنهن المدعيات لا المدعى عليهن .( )
2- اعتبر القانون امتناع الزوجة عن طاعة الزوج عام يشمل الزوجة المدخول بها فى الزواج الشرعى الصحيح ، والزوجة غير المدخول بها ، وكما يقول الأستاذ كمال صالح البنا فإن محكمة النقض أخذت برأيه معتبرة أن إنذار الطاعة يعتبر إجراء قضائيا ، ويصح للزوج غير المسلم اللجوء إليه ، ولا يجوز – لهذا- استثناء الزوجة غير المدخول بها من الأحكام المتعلقة بإجراءات هذا الإنذار .( )
3- أما متى توقف نفقتها فيفرق فيه حسب الحالات الآتية :
الحالة الأولى : إذا وجه الزوج لزوجته إنذارا بالطاعة فعادت إلى منزل الزوجية دون أن تعترض استحقت النفقة عليه فى هذه الحالة ، فإذا دفعت بذلك فى دعواها النفقة عليه وجب على قاضى النفقة تحقيق دفاعها فى هذا الخصوص وسماع أدلتها على أنها عادت إلى بيت الزوجية فور ورود الإنذار إليها ، فإن المقصود هو عودة الزوجة لا إسقاط نفقتها ، وإن تركت منزل الزوجية مرة أخرى فلابد من دعوتها للعودة مرة أخرى ، بإنذار جديد .
الحالة الثانية : إذا ثبت أنها لم تمتثل ولم تعترض وجب وقف نفقتها اعتبارا من تاريخ مضى ميعاد الاعتراض ، لا من تاريخ سابق عليه ، والزوج فى هذه الحالة هو المكلف بتقديم ما يدل على الإنذار وعدم الاعتراض عليه ، لأن المقرر فقها – والكلام للأستاذ البنا- وعليه أحكام النقض أن الدفع دعوى وعلى المدعى إثبات دعواه ، وأن الأصل فى الزوجة الطاعة وعلى من يدعى خلاف ذلك إثبات دعواه .
الحالة الثالثة : إذا اعترضت الزوجة وقضى برفض دعواها وتأيد الحكم بذلك استئنافيا وجب وقف نفقتها من تاريخ الإنذار لأنه التاريخ الذى ثبت بيقين أنها نشزت عن الطاعة من هذا التاريخ . .
" وبذلك يكون فى المادة ميعادان يعتد بهما فى وقت واحد لوقف نفقة الزوجة الخارجة عن طاعة الزوج ، وهما : تاريخ الامتناع عن الطاعة دون وجه حق ، والثانى : تاريخ انتهاء ميعاد المعارضـــة بعدم تقديمها فى الميعاد المحدد لها ، وهو ثلاثون يومـــا من تاريـــــخ الإعلان " ( ) .
4- أورد القانون تنظيما خاصا لإثبات الامتناع الاعتبارى عن طاعة الزوج ، وهذا التنظيم أساسه الدعوة بإعلان على يد محضر لشخصها أو لمن ينوب عنها ، واشترط نص القانون أن يبين الزوج فى الإعلان مسكن الزوجية الذى يدعو زوجته للعودة إليه والطاعة فيه ، وأن يكون بيان المسكن نافيا لكل جهالة حوله ، مع مراعاة أن هذه الدعوة ليست هى الطريق الوحيد لطلب الطاعة ، وإنما يجوز للزوج أن يطلب زوجته لطاعته فى منزل الزوجية بطريق الدعوى ابتداء ، وذلك برفع دعوى طاعة أمام المحكمة الجزئية باعتبار أن الطاعة من المواد المتعلقة بالزوجية ، فإذا ثبت أحقية الزوج فى طاعة زوجته له حكم القاضى بطاعة الزوجة زوجها فى منزل الزوجية ، أو المسكن الشرعى الذى يعده لذلك تحت رقابة القضاء .( )
5- ينبه المستشار الجندى إلى أن الامتناع عن الطاعة قد يتحقق والزوجة فى منزل الزوجية فتوقف نفقتها من تاريخ هذا الامتناع ، مثال ذلك أن يتخذ الزوجان المنزل المملوك للزوجة محلا لسكناهما ، وتمنع الزوجة زوجها من دخوله عليها ، دون وجه حق قبل أن تسأله أن يحولها إلى منزله أو أن يكترى لها منزلا لتنتفع هى بملكها .( ) ويعتبر امتناعا أيضا خروج المرأة المتقطع بغير إذن الزوج ورضاه فى الأحوال التى لا يجــــوز لها الخروج إلا بإذنه ( )
6-أكدت المادة 11 مكررا ثانيا على نسخ ما كان متبعا من تنفيذ أحكام الطاعة بالقوة الجبرية قبل صدور منشور وزارة العدل فى 13/2/1967 .
7 – إذا استوفى الاعتراض على إنذار الطاعة شكله القانونى وجب على المحكمة عند نظر موضوعه التدخل لإنهاء النزاع صلحا بين الطرفين من تلقاء نفسها ، أو بناء على طلب أحدهما ، والمقصود بالصلح هو استمرار المعاشرة بالمعروف ، ومؤدى هذا أن لها أن تبحث شرعية المسكن إذا كان اعتراض الزوجة منصبا على انتفاء شرعيته ، ولها أن تأمر الزوج بإعداد المسكن المناسب إذا بان لها أن المسكن الذى حدده الزوج فى الإعلان غير مستوف لما يجب توافره شرعا أو عرفا ، فإذا اتضح من المرافعة أن الخلاف مستحكم بين الزوجين وطلبت الزوجة الطلاق اتخذت إجراءات التحكيم الموضحة فى المواد 7 إلى 11 من هذا القانون .( ).
وبقية الأحكام المرتبطة بالمادة 11 مكررا ثانيا سنتناولها فى النفقة عند الكلام عن مسكن الزوجية ، وفى علاج الشقاق بين الزوجين .
2- حق القرار فى البيت
قرار المرأة فى البيت وعدم الخروج منه إلا لداع إلزام عام يلزم كل مسلمة زوجة كانت أو غير زوجة ( ) – هذا ديننا شاء بعض الناس أم أبوا - غاية ما هنالك من فرق أن على الزوجة أن تستأذن زوجها فى الخروج ، والأصل فى هذا الحكم قوله تعالى " وقرن فى بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" ( ) .
ويحاول بعض المتحمسين لقضايا المرأة على أساس المنظور الغربى أن يدخل على العامة – من الرجال والنساء - أن حق القرار الواجب بالآية خاص بزوجات النبى  ( ) وليس كذلك ، لأن الله خاطبهن بوصفهن مؤمنات، فشمل غيرهن من المؤمنات ، قال القرطبى " وإن كان الخطاب لنساء النبى  فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى ، ولو لم يرد دليل يخص جميع النساء ، كيف والشريعة زاخـــــرة بلزوم النســــاء بيوتهن ، والانكفاف عن الخروج إلا لضرورة " ( ) .
ومن أسف أنه بينما تغالى عصبة " الاتحاد النسائى "فى قضية عمل المرأة ، ويروجون ويروجن أن قعود المرأة فى بيتها يعطل مرافق الدولة وينذر بموات المجتمع من جراء عيشته برئة معطلة، يعنين ويعنون هؤلاء الباقيات فى بيوتهن ، نجد كاتبة غـــــربية غير مسلمة تقول " إذا كانت النساء المسلمات اليوم يرفضن بعض الحريات التى نشعر أننا قدمناها إليهن فلا يرجع سبب ذلك إلى العناد ، بل إلى التخبط فى النظرة الغريبة إلى المرأة ، وفى العلاقات بين الجنسين ، فنحن ندعوا إلى المساواة والتحرر ، ولكننا فى الوقت نفسه نستغل المرأة ونمتهنها فى الإعلانات وفى الكتابات والفنون الإباحية، وفى كثير من أشكال الفرجة الشعبية بأسلوب يستهجنه المسلمون ويتأذون به"( ).
وقد بلغ السخف بالعقول أشده عندما ينتقد بعض الكاتبين والمتحدثين صورة المرأة فى الكتب المدرسية على أساس أنها مبرزة لدور الأم الحانية والزوجة الصالحة ، مغيبة للدور الوطنى والاجتماعى العظيم – على حد قوله - الذى لعبته المرأة فى العصر الحديث ( ) .
وبعيدا عن تبصرة المرأة بما تيقن العقلاء أنه مكيدة تكاد لها ولأولادها ولمجتمعها المسلم ( )، فإن حق القرار فى البيت لا يعنى حبس المرأة ، وإنما يعنى أن يكون البيت هو همها الأول ، فقد كفاها الله مشقة الكدح وألزم الزوج النفقة عليها ، ولكن إن تهيأ لها عمل مناسب وأذن لها زوجها بذلك فليس عليها من سبيل ، على أن تلتزم فى خروجها بآداب الشرع وتعاليمه .
وثمة حالات لا ينبغى للزوج أن يمنع زوجته الخروج فيها كزيارة والديها وعيادتهما ، والخروج إلى المساجد لأداء الفرائض ، وصلة الأرحام ونحو ذلك مما لا تتأتى منه مفسدة ( ) وبمقتضى المادة الأولى – فقرة 5- من القانون رقم 25/1929 المعدل بالقانون 100 /1985 فإنه لا يجوز للزوج الاعتراض على خروج زوجته ، بل لا يتوقف خروجها من مسكن الزوجية على إذنه، فى الأحوال التى يباح فيها ذلك بحكم الشرع مما ورد به نص ، أو جرى به عرف ، أو قضت به ضرورة ، ولا خروجها للعمل المشروع ، ما لم يظهر أن استعمالها لهذا الحق المشروط مشوب بإساءة استعمال الحق ، ومنافيا لمصلحة الأسرة ، وطلب منها الزوج الامتناع عنه .
وقد أناط جمهور الفقهاء القرار فى البيت بحق النفقة ، فقالوا تسقط نفقتها إن خرجت بغير إذنه ، ورأى ابن حزم أن هذين حقان مستقلان لا تأثير لأحدهما على الأخر ( ) .
ويبدو لى أن الحق مع الجمهور لتتكافأ الحقوق والواجبات.وبه أخذ المقنن المصرى فى المادة الأولى من القانون 25/1929 المذكورة آنفا .
وكما يقول المستشار نصر الجندى فإن المرجع فى تحديد الأحوال التى يباح فيها الخروج بحكم الشرع هو فقه المذهب الحنفى ، وفى الأحوال التى يجرى بها العرف المرجع هو العرف الذى لا يتعارض مع الكتاب أو السنة ، فإن صح العرف شرعا فمعتبر ، وإن عارض نصا مذهبيا – فى مؤلفات الحنفية – نزولا على قاعدة " لا ينكر تغير الأحكام- المبنية على المصلحة والعرف - بتغير الزمان " ( ) أما تحديد ما إذا كان استعمال المرأة لحقها فى الخروج مشوبا أو لم يشب بإساءة استعمال الحق ، وينافى أو لا ينافى مصلحة الأسرة فيخضع لتقدير قاضى الدعوى متى كان تقديره قائما على أسباب تبرره .( ).
وتتمة أحكام القرار متصلة بأحكام الطاعة ، وقد بيناها .
ومما يتصل بهذا الحق أن يهيئ الزوج لزوجته المسكن الشرعى الذى تستقل فيه بنفسها وأولادها . مما يليق بأمثالها ، وعليه أيضا أن يكفيها حوائجها التى لابد منها ، فإن قصر فى هذين الحقين فخرجت بلا إذن منه للضرورة فلا سبيل له عليها ( ).
وأخيرا فإن مما يعين على الوفاء بهذا الحق أن يكون الزوج لزوجته كما يريدها لنفسه ، فيوفيها حقها عليه من الإيناس والاستمتاع والمشاركة فى الأعباء المنزلية ، والترويح عنها ما استطاع إلى ذلك سبيلا ، فإن أغناها بنفسه استغنت عن غيره ، وإن انصرف عنها كلت ومالت إلى الخروج .، وهذا ما أكدت عليه أحكام النقض المصرى المتعددة من أن طاعة الزوجة لزوجها بشرطها أن يكون أمينا عليها وعلى مالها ، ولا طاعة له عليها إن هو تعمد مضارتها ، ( )
3- حق القوامة والتوجيه
من البديهى أن يكون لكل سفينة ربانها الذى يدير عجلتها ويسأل عن سلامتها ، وقد قضى الله أن يكون زمام الزوجية بيد الزوج يدبرها كما أمر الله أن تدبر ، وفق أوامره ونواهيه ، فقال سبحانه " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتى تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا " ( ) . فالآية تقطع على أصحاب الأهواء أهواءهم وتقرر حكما أبديا أن لعموم الرجال القوامة على عموم النساء ، دون نظر إلى تدنى بعض الرجال ورفعة بعض النساء ، فقد كملت بنص حديث رسول الله  فاطمة بنت محمد  ولم ينزع هذا قوامة على كرم الله وجهه عنها ، وتميزت نساء بيت النبوة فاشتهرن بالعلم والحكمة فضلا عن مكانتهن من رسول الله  ولم تقل إحــــداهن مع تصدرهن فى الحياة العامة – إنها أنفة من قوامة الزوج عليها .
وقد قضى ربنا سبحانه وتعالى أن سبب قوامة الرجل أمران :
أولهما : ما ركبـــــه الله فيه من طبيعة خاصة تفضل طبيعة المرأة فى القيام بهذه المسئولية .
والثانى : التزامه بالإنفاق على الأسرة
والسبب الثانى تكليف يقبل الإعفاء أو الإبراء ، ومن ثم روعى فيه حال المراة كما سنرى ، وما يناط به من حكم فى الزوجية مرتبط بحال العدم لا حال الوجود ، فليس لامرأة أن تشكو زوجها لأنه واجد النفقة ، سخى العطاء ، وإنما تشكوه لامتناعه عن الإنفاق أو لعجزه .
والنفقة مال ومن طبع المال أنه غاد ورائح ، ولهذه الخصائص أخر الله هذا السبب ليكون مع الأول كالمكمل ، ولكنه لا يعود عليه بالإبطال ، لأن الأول فطرى والثانى مكتسب ، وهذا يعنى أن مشاركة الزوجة لزوجها فى الأعباء المنزلية خلق كريم وإحسان مجازى إن شاء الله ، لكن لا تأثير له فى القوامة لبقاء السبب الأصلى فيها .
أما السبب الأصلى وهو أن الرجل بحكم تكوينه البشرى وما جبله الله عليه من سجايا وخصال ، ودوافع وقدرات أقدر على القيام بهذه المهمة من المرأة ، ففضلا عن كونه حكما إلهيا فإنه واضح للعيان من نظرة فى البنيان ، وتأمل فى النبات والحيوان ، وقد ثبت بالتشريح الطبى " أن كيان المرأة الجسدى قد خلقه الله على هيئة تخالف تكوين الرجل ، بل إن كل خلية من خلايا جسم المرأة تختلف فى خصائصها وتركيبها عن خلايا الرجل ، وآية ذلك الفروق الهائلة بين الأنسجة والأعضاء فى كل من الذكر والأنثى " ( ) .
كما لوحظ فى علوم الأحياء أن القيادة والتوجيه لذكر الحيوان لا أنثاه إلا فى ندرة من المخلوقات تعتبر فى التصنيف العلمى أخس أنواع الأحياء ، وفيها فقط تكون القيادة للأنثى ، وفيما عداها فالذكر هو القائد ، يستوى فى ذلك الأليف الهادئ ، والمتوحش الهائج .
وفى علوم النبات وجد أن عضو التذكير فى الزهرة يعلو عضو التأنيث ، ويتطاول عليه وتبدو الملاحظة أوضح فى اللقاء بين الزوجين ، فأحب الأوضاع إلى الفطرة وضع " التغشية " الذى يعلــــو فيه الرجل المرأة ويحتويها احتواء تامــــا ، فــــإن ضعف احتواؤه نفرت منه زوجته " ( )
فمع كل هذه الفوارق الظاهرة للعيان يقتضى العقل والمنطق والفطرة السليمة أن تكون مسألة قوامة الرجل خارج دائرة المناقشة ، لكن أعداء المرأة - وإن زعموا غير ذلك - من المتسلطين والمتسلطات عموا ، أو استعموا عن كل هذه الحقائق والمشاهدات وألحوا ومازالوا فى النيل من هذه الدرجة تحت دعوى المساواة ، وأظهر دعاويهم أن المرأة تعلمت وخرجت إلى العمل ، وتفوقت فى بعض ميادينه فغدت ندا للرجل فكيف تكون له عليها قوامة ؟
وهذه دعوى هابطة ردها الأستاذ العقاد منذ زمن بقوله " فى تجارب الأمم شواهد ملموسة على الفارق الأصيل بين الجنسين ، فى الكفاية العقلية والكفاية الخلقية فإن المرأة على العموم لا تساوى الرجل فى عمل اشتركا فيه ، ولو كان من الأعمال التى انقطعت لها المرأة منذ عاش الجنسان فى معيشة واحدة، لا تطبخ كما يطبخ ، ولا تتقن الأزياء كما يتقنها ، ولا تبدع فى صناعة التجميل كما يبدع فيها ، ولا تحسن أن ترثى ميتا عزيزا عليها كما يرثى موتاه ، وهى منذ بدء الخليقة تردد النواح ، وتنفرد بأكثر مراسم الحداد ، ومن اللغو أن يقال هذه الفوارق إنما نجمت من عسف الرجل واستبداده ، فإن الرجل لم يكن ينهى المرأة أن تطبخ وأن تخيط الثياب وأن تتزين …. " ( ) .
وإن سلمنا أن بعض النساء فقن الرجال فنحن نتحدث عن امرأة بعينها، هى الزوجة التى حررها الإسلام من أن تكره على التزويج برجل لا تريده ، أو تراه دونها فى المنزلة والمكانة ، فإن رضيت رجلا فلا بد وأن فيه ما هى محتاجة إليه ، فلتقبله بما له وعليه ، أو ترده ، ولكن أن تريده بما عنده وتسلبه ما عليها فهذا شئ غير الزواج الذى أراده الله منا ، ولا أراها فى ميزان الشرع إلا امرأة العزيز ، أو امرأة نوح أو امرأة لوط ، فارتباطها بالرجل ارتباط بيولوجى شهوانى ، لا سكن فيه ولا مودة ولا رحمة …. وعلى حواء أن تختار أن تكون امرأة أو تكون زوجة .
وليس من السهل علينا أن نغادر هذا المقام دون أن ندل القراء الكرام على منطلق التحرريين ، وعقيدتهم الدينية فى قضية القوامة وأمثالها ، ونذكر بأن القسم فى الحقوق من الله سبحانه ، وتكليف الرجل بالقوامة تكليف إلهى أيضا .
يقول الدكتور زكى نجيب محمود " وتفرعت من مشكلة الحرية مشكلات لها خطرها وعمق أثرها فى حياتنا العربية المعاصرة ، منها حرية المرأة ، فالمرأة العربية الجديدة إنسانة أخرى غير امرأة الأمس ، ومع ذلك فقد وجدت نفسها فى مجالات العرف والتقليد والتشريع حبيسة أوضاع وضعت لسالفاتها من بنات ( الحريم ) و(الجوارى) و ( الغانيات ) ، لقد أصبحت المرأة العربية اليوم طبيبة ومهندسة ومحاسبة ومدرسة فى مختلف مدارج التعليم من المدارس الأولية فصاعدا إلى كراسى الأستاذية فى الجامعات ، أصبحت المرأة العربية اليوم عاملة فى معامل الفيزياء ، وممثلة للشعب فى مجالس النواب ، ووزيرة مع الوزراء فى قيادة أمتها ، نعم أصبحت المرأة العربية اليوم، ثم أصبحت، وأصبحت فهل يعقل أن يقال لها – وهذا كيانها الجديد – ما كان يقال لسالفاتها من قوامة الرجال عليها بالمعنى التقليدى ………. إن امرأة عصرنا لتجد نفسها فى أزمة حادة ،لأنها تجد نفسها مشدودة بين قطبين نقيضين ، فمن هنا تقاليد تضعها موضعا لم يعد يصلح لها ، ومن هنا مشاركة فى نشاط العصر وثقافته تجتذبها جذبا إلى أن تقف مع الرجل الزوج والأخ والزميل فى صف واحد ، فأين عساها أن تجد منافذ الخلاص ؟
إن ذلك لن يكون فى تراث عربى قديم ……… لن نجد للمشكلة حلولها إلا فى حضارة الغرب الحديث " ( ) هذا مشربهم وعلى المسلمة أن تختار. فقط ننصحها – لوجه الله الكريم – قبل أن تقرر أن تنظر فى حضارة الغرب الحديث لترى حقيقة موقفها من مشكلات المرأة .
مضمون القوامة وسلطاتها
القوامة فى اللغة والاصطلاح تعنى الإشراف والتدبير ، فالقائم بشئون العمل هو المسئول عنه المشرف عليه المدبر لشئونه ، فهى مسئولية فى المضمون ، سلطة فى الشكل .
فهى أنموذج المسئولية الثابتة بالحديث الصحيح " كلكـــم راع وكلــــــكم مسئول عن رعيته " ( ) وغرضها الفلاح والوقاية من الخسران ، استجابة لأمر الله تعالى " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا " ( ) وكما يبين من الآية أن الصالحات من الزوجات يرونها كذلك فلا يشغلهن من القوامة سلطاتها ، فقد حكم الله فيهن بالخلاء عن المساءلة فقال " فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا"( ).
أما الخارجات عن الطوع - وقد عرفنا أنه لله فى الحقيقة ، وإن كان للزوج فى الظاهر – فلا يرين من القوامة إلا ما ملك الله الرجل من سلطات ، لعلمهن أنها تطولهن ، ومع هذا فإنها ليست فى الحقيقة كما يصورنها للبسطاء من الناس فهى ثلاث سلطات مرتبة على النحو الآتى :
1- الوعظ
أمر الله للزوج أنه إذا ظهرت من زوجه أمارات النشوز وهو العصيان والتعالى فلا ينتظر بها حتى تعصى أو تتعالى بالفعل ، وإنما يبادر إلى وعظها بأن يذكرها " بما أوجب الله عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج ، والاعتراف بالدرجة التى له عليها " ( ) ويصرف فى ذلك كل صنوف الدعوة ، ولا يمل ، آخذا فى الحسبان ما أخبر به النبى  " أن النساء خلقن من ضلع أعوج فإن ذهبت تقيمه كسرته ، وإن تركته لم يــــزل أعوج " وينفذ أمره " فاستوصوا بالنساء خيرا " ( ) .
وعليه أن يتخولها بالموعظة حتى لا تسأمه ، ويتخير من الأوقات والفرص ما يراه أنسب للتأثير ، فلكل مقام مقال .
وفوق هذا وذاك يجب أن يتحلى بعين المحب فيغفر الزلات ، ويعفو عن الهنات ، ولا يكون لكل عيب كاشفا ، وليكن لـــه فى رسول الله  أسوة حسنة ، فلم ير أصبر منه على نسائه ، وفيما يروى عن بعضهن ما تطلق بدونه كثير من النساء .
ففيما روى أن النبى  كان عند إحدى نسائه فجاءه طعام فى صحفه – إناء من خشب – فضربت التى هو عندها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت ، فجمع النبى  فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذى كان فى الصحفة .. ويقول غارت أمكم "( ) .
والمعنى أنه لم يؤاخذ الغيراء بما يصدر منها ، لأنها فى تلك الحالة يكون عقلها محجوبا بشدة الغضب الذى أثارته الغيرة ( ).
وفى الحديث الصحيح عن عمر  قال " كنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار ، فصخت – أى غضبت عليها – فراجعتنى ، فأنكرت أن تراجعنى ، قالت : ولـِمَ تنُكر – أى ترفض – أن أراجعك ؟ فوالله إن أزواج النبى  ليراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل.
يقول عمر – فأفزعنى ذلك فقلت لها : قد خاب من فعل ذلك منهن ، ثم جمعت على ثيابى فنزلت فدخلت على حفصة ، فقلت لها : أى حفصة أتغاضب إحداكن النبى  اليوم حتى الليل ؟ قالت : نعم ، فقلت : قد خبت وخسرت ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله  فتهلكى ؟( )
بل إن الله سبحانه وتعالى أخبر فى قرآن يتلى ويتعبد به أن عائشة وحفصة تعاونتا على النبى  ، قال تعالى " إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير"( ).
ورحم الله الغزالى – أبا حامد - إذ يقول " واعلم أن ليس حسن الخلق معها كف الأذى عنها ، بل احتمال الأذى منها ، والحلم عند طيشها وغضبها اقتداء برسول الله  " ( ).

2 - الهجر فى المضجع
أن يعتزل معاشرتها وهو على مرأى ومقربة منها ، فإن شاركها الفراش يوليها ظهره ، أو يتخذ فراشا آخر فى نفس الحجرة أو فى حجرة أخرى فى نفس البيت ، وعليه أن يلتزم بالهجر الجميل فلا يخاصمها أو يجافيها ، وإنما يمتنع فقط عن الاستمتاع بها ، وألا يزيد هجره لها عن أربعة أشهر ( )، فإن فاءت فقد عفا الله عما سلف ، وإن مضت فى غيها حلت الوسيلة الثالثة .
والمهم هنا أن الهجر كوسيلة فى التقويم لا يؤتى أكله إلا إذا أخذ على وجهه المشروع ، من كونه ثانى الوسائل ، وقاصراً على المضجع ، وألا يهجر إلا فى البيت ، وأن ينتظر به مدة الإيلاء .
3- الضرب غير المبرح
وكما هو ظاهر من الآية فإنه آخر الوسائل ، ولا محل له إلا مع المشاكسة التى أغراها حسن الخلق ، ولم تنفعها عظة ، ولم يردها عن الأذى هجر .
والضرب المشروع هو الضرب غير المبرح ، وصورته اللكزة باليد ، لا بسوط ولا عصا ، ويتقى فيه الوجه ، والجارحة ، فإن لحقها منه أذى مادى فالزوج ضامن " لأن المقصود منه الصلاح لا غير " وعن عطاء قال : قلت لابن عباس ما الضرب غير المبرح ؟ قال : بالسواك ونحوه "( ) وهذا ما قننته محكمة النقض المصرية بقضائها " إن حق الزوج فى تأديب زوجته يباح له فيه تأديب المرأة تأديبا خفيفا على كل معصية لم يرد فى شأنها حد مقرر ، و لا يجوز له أصلا أن يضربها ضربا فاحشا ، ولو بحق ، وحد الضرب الفاحش هو الذى يؤثر فى الجسم ويغير لون الجلد " ( ) ومع أن الضرب المشروع لا يكاد يفيد إلا التخويف فإن النبى  قـــــال " ولن يضرب خياركم "( ) وأخذ منه العلماء باتفاق أن ترك الضرب أفضل ( ).
وثمة كلمة يجب أن تقال هنا وهى أن الدواء الناجع لا يحدث أثره إلا إذا أخذ على الوجه الصحيح من المبتدأ إلى المنتهى ، والسعادة الزوجية لن تتحقق إلا إذا روعيت أحكام الزواج فى الابتداء والبقاء ، فعليك وعليك مراعاة المنهج ابتداء ، والوفاء بما ألزم الله بقاء يتحقق لكما الوعد الجميل " ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب "( ).

ثالثًا: حقوق واجبة للزوجة على زوجها:
1- الصداق.
2- النفقة.
3- العدل في المعاملة.

أولا : الصداق أو المهر
- تعريف الصداق
الصداق اسم مصدر للفعل الرباعى " أصدق " مأخوذ من الصدق ، وقد سمى بذلك لإشعاره بصدق رغبة باذله فى النكاح الذى هو الأصل فى إيجاب الصداق .
وحده شرعا : اسم لمال واجب على الرجل بنكاح أو وطء بشبهة ( ) .
ولفظة الصداق هى الأكثر إشعارا بحقيقة ما يبذل للمرأة والرغبة فيها ، لذا فهى الأكثر شيوعا فى لغة الفقهاء ، وتقاربها فى الشهرة لفظة المهر ، وكلاهما أكثر استعمالا من أسمائه الأخرى ، سواء تلك التى ورد بها الشرع صريحا أو استنبطها الفقهاء من النصوص أو جرى بها العرف اللغوى وهى " النحلة ، الفريضة ، الحباء ، الأجر ، العقر ، العلائق ، الطول ، الخرس ، العطية" ( ) .
وأول مداخل الصداق عند الفقهاء سببه ، هل هو عوض عن انتفاع الزوج بالبضع ، أم تكرمه وعطية من الله تعالى ؟
للعلماء فى ذلك قولان ( ) :
أحدهما : أنه عوض عن الانتفاع بالبضع .
الثانى : أنه نحلة أى عطية وتكرمة من الله تعالى أمر بها الأزواج إبانة لشرف المحل وخطره .
وجمع بعض العلماء بين القولين فقال ما حاصله " أن من نظر إلى الظاهر من كون الصداق فى مقابلة منفعة البضع جعله عوضا عن هذه المنفعة ، ومن نظر إلى الحقيقة والباطن من كون الزوجة تستمتع بزوجها كما يستمتع بها هو أيضا جعل الصداق تكرمة وعطية من الله مبتدأة وصادرة من الزوج لتحصل الألفة والمحبة بين الزوجين " ( ) إذن فهو عوض فى الظاهر فقط بدليل أن الله سبحانه حرره من عنصر الثمنية ، فلم يجعل – فى الصحيح – حدا لأقله ولا أكثره ، وجعل للمطلقة قبل الدخول والخلوة الصحيحة نصف المسمى أو المتعة ، ولو كان عوضا حقا ما وجب لها شئ لعدم الانتفاع بها أصلا .
ثم أن يكون الصداق عطية مفروضة فهذا هو الأنسب لخطر عقد النكاح وعظم شأنه ، وتكريم الآدمى وصيانته عن أن يكون – هو أو جزء منه – محلا للتعاقد ، وصيانة المرأة أن تكون عرضا أو نافجة " ( ) كما هو الحال فى الجاهلية ( ) .
حكم الصداق :
لا يختلف أهل العلم أن الصداق واجب على الزوج ( ) لزوجته وقد ثبت وجوبه بالكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب : فقوله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مرئيا " ( ) .
وقال سبحانه " فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة " ( ) .
وقال " فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف " ( ) فهذه كلها أوامر من الله سبحانه وتعالى بإيتاء النساء مهورهن .
وآية واحدة تكفى للوجوب ، لكن الله سبحانه عدد الأمر تأكيدا ، ونوع الوصف أو الحال تعظيما وتشريفا ، وحتى لا تكون هناك ثمة حالة لا تأخذ فيها الزوجة صداقا .
ومن السنة : أحاديث كثيرة جمع منها ابن تيمية " الجد " فى منتفى الأخبار خمسة عشر حديثا ( ) ومنها : -
ما روى الشيخان عن سهل بن سعد أن النبى  جاءته امرأة ، فقالت : يا رسول الله وهبت نفسى لك ، فقامت قياما طويلا ، فقام رجل فقال : يا رسول الله زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة ، فقال رسول الله  : هل عندك من شئ تصدقها إياه ؟ فقال : ما عندى إلا إزارى هذا ، فقال النبى  : إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك فالتمس – اى اطلب – شيئا فقال لا أجد ، فقال التمس ولو خاتما حديد ، فالتمس فلم يجد شيئا ، فقال له النبى  هل معك من القرآن شئ قال نعم سورة كذا وسورة كذا ، لسور يسميها ، فقال له النبى  قد زوجتكها بما معك من القرآن .
والوجه فيه :
أن النبى  طلب من الرجل أن يصدقها شيئا ولو قليلا ، حتى أنه أمره أن يلتمس ولو خاتما من حديد ، ولولا أن الصداق واجب ما أمره ، ولما لم يجد عنده شيئا زوجها له على منفعة تعليمها ما يحفظ من القرآن .
وإلى جوار الأحاديث الكثيرة التى وردت فى المهر لم يثبت عن النبى  تركه فى أى زواج ، فلما استمر على اعتبار فعله دل على أنه واجب ( ) وعلى وجوب المهر أجمع العلماء من الصحابة وغيرهم ( ) .
طبيعة الصداق ( ) :
لا يختلف العلماء أن الصداق واجب للمرأة وجوبا أكيدا ولكن هل هو أثر من آثار النكاح أم شرط فيه ؟
عامة العلماء : يرون الصداق أثراً من آثار الزواج وليس شرطا فيه ( ) حتى لو تزوجها على ما لا يصح أن يكون صداقا أو على ألا صداق لها صح الزواج ولزمه مهر المثل .
واستدل الجمهور على ذلك بقول النبى  " لا نكاح إلا بولى وشاهدى عدل "
والوجه فيه : أن النبى  نفى صحة النكاح بدون الولى والشاهدين ، فإن وجدوا صح النكاح ، أو يقال : انه أوقف الصحة على الأمور المذكورة ، ولا ذكر فيها للمهر فلا يكون المهر شرطا فيه ، وقالوا : إن نفى المهر أو فساد المسمى كعدم المهر ، وقد أجاز الشرع نكاح التفويض ، وهو الذى لم يسم فيه مهرا ، قال تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن " ( ) فالآية تفيد نصا صحة الطلاق قبل الدخول والخلوة، وأنه عند عدم الفرض تجب المتعة ، وتفيد بطريق الاقتضاء صحة الزواج دون تسمية مهر ، إذ لا طلاق إلا فى زواج صحيح ( ) وقد روى أن بروع بنت واشق تزوجت بغير مهر ، فحكم لها رسول الله  بمثل مهر نسائها ( ) كما أن أبا طلحة الأنصارى تزوج أم سليم على غير مهر فأمضى رسول الله  نكاحه( ).
وعلى ذلك فالصداق أثر من آثار عقد الزواج ، تؤثر إرادة العاقدين فى تعجيله وتأجيله ، وقلته وكثرته ، ونوعه ، لكنها لا تؤثر فى إيجاده فهو يوجد بالعقد ( ) سواء ذكره المتعاقدان ، أو سكتا عليه ، أو نفياه . أو سميا حلالا أو حراما .
غاية ما هنالك أنهما إذا تراضيا على ما يصح أن يكون مهرا صح ولزم ما تم عليه التراضى ، وفى الأحوال الأخرى يجب مهر المثل .
المهر فى النكاح الفاسد والوطء بشبهة
إذا فسد النكاح لفقده شرطا من شروط الصحة وجب على الرجل والمراة أن يفترقا بأنفسهما ، وإلا فرق بينهما الحاكم ، فإن كان ذلك قبل الدخول لم يلزم الرجل شئ لأن العقد الفاسد لا يرتب شيئا بذاته .
وإن حصل فيه دخول رتب جملة من الآثار منها وجوب المهر على الرجل بالدخول ، ولكن ماذا يجب لها ؟
لا خلاف بين العلماء أنه إذا لم يكن قد سمى لها ، أو سمى ما لا يحل مهرا أن لها مهر مثلها ، لأن موجبه هو الوطء ، والوطء يوجب مهر المثل ( ) ، كذلك الوطء بشبهة يوجب مهر المثل لخلوه عن التسمية.
وإن كان قد سمى لها شيئا ففيه خلاف نعرض له بعد قليل .
ومن أحكام النقض المصرى تأكيدا على ما سبق :
1- المهر واجب شرعا ، ولو تزوجها على أن لا مهر لها وجب لها مهر المثل ( ).
2- سبب وجوب المهر على الزوج عقد النكاح ، وسبب وجوب أدائه على كفيل عقد الكفالة الذى هو التزام من الكفيل وحده بأداء ما وجب على الزوج من مــــــاله الخاص ( ) .
وأكثر أحكام المهر لم تزل خاضعة للراجح من الأقوال فى المذهب الحنفى ، إذ لم يعالج القانون 25لسنة1929 إلا حالة الاختلاف فى مقدار المهر ، وصريح نص المادة 19 " إذا اختلف الزوجان فى مقدار المهر فالبينة على الزوجة ، فإن عجزت كان القول للزوج بيمينه إلا إذا ادعى ما لا يصح أن يكون مهرا لمثلها .
وكذلك الحكم عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر ، أو بين ورثتهما "
وعلى كل حال فإن أبرز أحكام المهر يمكن رصدها فيما يلى :
أنواع الصداق :
يتنوع الصداق بتنوع النظرة إليه ، فإن نظرنا إلى المسمى فى العقد وهو صحيح ، وغير المسمى فيه ، أو سمى وكان مما لا يصح التزامه شرعا ، فالصداق: مسمى ، وبدل المسمى ، ويسمى صداق المثل .
وإن نظرنا إلى توقيته فالصداق عاجل وآجل ، وقد يحدث أن يتفق المتعاقدان على صداق ، ويظهران عند التسمية صداقا أخر ، والصداق على ذلك نوعان صداق سر ، وصداق ظاهر أو علانية ونعرض لكل من هذه الأنواع أو الأحوال بإيجاز .
أولا : صداق المسمى وصداق المثل :( )
1- المسمى من الصداق هو ما يتراضى عليه المتعاقدان ، وينصان عليه فى العقد ، أو يتراضيان عليه بعده بالتراضى .
ويلتحق به ما يضيفه الزوج إلى المهر وتقبله الزوجة ، إذا كانت الإضافة بقصد زيادة المهر ، وحصلت أثناء قيام الزوجية ، والزوج أهلا للتبرع، كما يلحق به كل ما جرى العرف بتقديمه من الزوج لزوجته ، إذ المعروف بمنزلة المشروط ، فيلحق بالمهر ، إلا إذا لوحظ عند التسمية اعتباره أو نفيه .
وشرط وجوب المسمى : صحة العقد والتسمية ، فإن فسدت التسمية سقط المسمى اتفاقا ، أما إن فسد العقد ففى سقوط المسمى خلاف، ورأى جمهورالحنفية فيه أن لها الأقل من المسمى أو مهر المثل ، وفى قول الإمام زفر من الحنفية يجب مهر المثل بالغا ما بلغ ، لأن العقد ليس بموجب شيئا ، فتفسد التسمية ، وإذا فسدت صرنا إلى مهر المثل ( ) .
ويبدو أن قول زفر هو الذى عليه الفتوى ، فقد جاء فى حاشية ابن عابدين " اعلم أن اعتبار مهر المثل حكم كل نكاح صحيح لا تسمية فيه أصلا ، وحكم كل نكاح فاسد بعد الوطء سمى فيه مهر أو لا " وهو المعول عليه قضاء .( )
2- صداق المثل :
ويقصد به ما يدفع لنظائر المرأة من نساء أهلها أو أهل بلدها ، ونظائرها هن المماثلات لها فيما يعتد به من صفات الزوجة . كالدين والأدب والعقل والتعليم والجمال والسن والبكارة والثيوبة ، وكونها ولوداً أو عقيما ، والبلد الذى تعيش فيه ونحو ذلك . مع النظر إلى الزوج فى تلك المماثلة ( ).
الحالات التى يجب فيها صداق المثل :
1- إذا خلا عقد الزواج من النص على صداق .
2- إذا نص فى العقد صراحة على نفى الصداق كلية ( ).
3- إذا فسدت التسمية ، حيث سمى فى العقد ما لا يصح أن يكون صداقا لكونه مما لا يحل التزامه شرعا ( ).
4- إذا لم تثبت التسمية بالبينة واختلف الزوجان فادعى الزوج أقل من صداق المثل ، وادعت الزوجة أكثر منه ( ).
5- إذا حصل الزواج فى مرض الموت ، وسمى صداقا أكثر من صداق المثل ، وما زاد على ذلك يأخذ حكم الوصية ، فلا ينفذ إلا بشروطها ( ) .
6 – هذا بالإضافة إلى الواجب فى النكاح الفاسد إن حصل فيه دخول على ما عليه الفتوى فى المذهب الحنفى .
ثانيا : المهر المعجل والمهر المؤجل :
التعجيل والتأجيل حالان فى الصداق المسمى ، وليسا نوعين من الصداق فى الحقيقة .
وكقاعدة فإن الصداق يجوز معجلا ومؤجلا ، ويجوز بعضه معجلا وبعضه مؤجلا ، لأنه عوض فى معاوضة فجاز ذلك فيه كالثمن . ولم أقف على من خالف فى جواز الاتفاق على التأجيل إلا ابن حزم الذى منع منه وعده شرطا باطلا يبطل النكاح ، قال " فمن شرط ألا يؤتيها صداقها أو بعضه مدة ما ، فقد اشترط خلاف ما أمر الله به تعالى فى القرآن " ( ) .
وكره الإمام مالك التأجيل ومنعه للمدة الطويلة كخمسين سنة ، لأنه يتحايل بذلك على إسقاطه بالكلية ( ) .
وعلى قول الجمهور إذا اتفقا على التأجيل دون ذكر مدة معينة فما الحكم ؟
يرى الإمام مالك والشافعى وبعض الحنابلة : أن جهالة الأجل تفسد المسمى ، لأنه عوض مجهول المحل ففسد كالثمن فى البيع ، غير أن الشافعى ومن معه من الحنابلة قالوا : بوجوب مهر المثل ، أما مالك فقال : يفسد العقد قبل الدخول ، ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل ، ويسقط شرط التأجيل للأجل المجهول .
وقال بعض الحنفية وجمع من التابعين والفقهاء : يبطل الأجل ويكون حالا.
وقال أحمد والنخعى والشعبى وبعض الحنفية : يجوز التأجيل ويقع ذلك على وقت وقوع الفرقة بالطلاق أو الموت .
وقال الأوزاعى : يحل إلى سنة بعد دخوله بها .
وقيل : لا يحل حتى يطلق أو يخرج من مصرها أو يتزوج عليها ، وقد علل ابن قدامة لقول أحمد ومن معه بأن " المطلق يحمل على العرف ، والعادة فى الصداق الآجل ترك المطالبة إلى حين الفرقة ، فحمل عليه ، فيصير حينئذ معلوما بذلك " ( ) .
وإن سمى صداقا مطلقا عن التأجيل والتعجيل فالأصل أنه يقع حالا ، إلا أن يكون هناك عرف فيحمل الإطلاق عليه ، لأن المعروف عرفا كالمشروط شرطا( ) .
أهمية حال الصداق من التعجيل والتأجيل
تظهر أهمية التأجيل والتعجيل فى مدى حق الزوجة منع نفسها حتى تتسلم صداقها .
1- فإن كان الصداق معجلا : فلها منع نفسها حتى تتسلم صداقها بإجماع الفقهاء ( ) ولا تعد بذلك مخلة بحق الزوج فى المتابعة ، أو عاصية له لأن امتناعها بحق شرعى ….. ويأخذ حكم المعجل كله تعجيل بعضه فقط ، فلها أن تمتنع حتى تقبض معجل صداقها .
واختلف الفقهاء فى حقها فى الامتناع إن مكنته من نفسها قبل القبض . هل يسقط حقها فى الامتناع بعد تمكينها له أم لا ؟
أكثر الفقهاء يقولون : بسقوط حقها فى الامتناع ، لأنها أسقطته برضاها بتمكينه من نفسها ( ) ، وقال أبو حنيفة وبعض الحنابلة وبعض الشافعية : إن لها الامتناع وإن مكنته لأن قبض عاجل الصداق حقها ، ورضاها بإسقاطه فى الماضى لا يترتب عليه إسقاط حقها فى المستقبل ، قياسا على ما لو رضيت بمعاشرة زوجها مع عدم الإنفاق مدة من الزمن ( ) .
ويبدو لى أن رأى أبى حنيفة أوجه ، إذ من المتصور أن تمكينها انخداعا بوعده ، أو محاولة منها لحمله على الوفاء ، فإذا بانت مماطلته كان من مصلحتها منع نفسها حتى تقبض معجل صداقها . وعلى هذا القول يجرى العمل فى مصر ( )
وإن أصر الزوج على عدم دفع المعجل من الصداق ، وامتنع عنه لإعساره ، فهل للزوجة إن تطلب التفريق لعدم دفع المعجل ؟
جمهور العلماء : يقولون لها كذلك .
والحنفية : لا يرون لها الحق فى طلب الفرقة ، وإن سلموا لها حقها فى الامتناع عن تسليم نفسها ، وعدم إلزامها بطاعته ومراعاة إذنه ( ) .
ورأى الحنفية – وإن كان هو المرعى قضاء – إلا أنه فى رأينا ليس عمليا وغايته أن تكون الزوجة معلقة ، مما يغريها بالعناد ، ويغرى الزوج بالمماطلة لذا فمن دواعى الاستقرار والصيانة العدول عنه .
وإن كانت المماطلة بعد الدخول فالجمهور على عدم حقها فى طلب الفرقة لعدم دفع المعجل . وقال بعض الفقهاء لها ذلك ( ) .
والحق فى ذلك مع المانعين حفاظا على زوجية قامت بالعقد والفعل ، فمن المصلحة مراعاة بقائها .
2- وإن كان الصداق مؤجلا فليس لها منع نفسها قبل قبضه ، لأن رضاها بالتأجيل رضا بتسليم نفسها قبل قبضه كالثمن المؤجل فى البيع( ) وقال أبو يوسف من الحنفية لها أن تمنع نفسها ، لأن من حكم المهر أن يتقدم تسليمه بكل حال على تسليم النفس ، وقبول الزوج التأجيل رضا بتأخير حقه فى القبض( ).
والراجح هو قول الجمهور ، لأن التعجيل والتأجيل حقها هى فلما رضيت بالتأجيل أسقطت حقها ، فلم يكن لامتناعها سبب ( ) .
ثالثا : مهر السر ومهر العلانية
مهر السر ومهر العلانية حالان فى الصداق المسمى ، وصورته - التى كثيرا ما تقع - أن يتفق المتعاقدان على صداق فى السر قدره كذا ، ويظهران فى التسمية قدرا فوقه أو دونه ، فأيهما الذى يلزم ، صداق السر المقصود ، أم صداق العلانية المسمى ؟
أولا : نستبعد من الحكم الصورة التى ذكرها الحنفية وهى حالة ما إذا اتفقا فى السر على قدر أو جنس ، وأعلنا غيره ، وقالا عند العقد إن الزيادة او الجنس المخالف للرياء والسمعة لأنه فرض مستبعد عملا .
ثانيا : يبقى فرض أن يكتما ما اتفقا عليه ، ويعلنان عند العقد قدرا أو جنسا مخالفا .
وفيه حكى العلماء قولان :
أولهما : مذهب جمهور العلماء : أن المهر مهر العلانية لأنه الذى ثبت به النكاح ، إلا أن يكون قد أشهد عليها وعلى وليها الذى زوجها منه أن المهر هو الذى فى السر ، والعلانية سمعة ، فحينئذ المهر ما سمى لها فى السر ، لأنهما فى الإشهاد أظهرا أن مرادهما الهزل بالزيادة على مهر السر ، والهزل ببعض المسمى مانع من الوجوب ( ).
والثانى : والأصـــــــل عند المالكية أن الواجب هو صداق السر لأنه الخالى عن الادعاء ( ) .
ولكن إن تنازع الزوجان – ولم تكن هناك بينة تشهد أن الصداق المعلن لا أصل له – وادعت المرأة أنهما رجعا عن صداق السر ، وأخذا بالصداق المعلن وخالفها الزوج كان لها أن تحلفه على مقاله ، فإن حلف عمل بصداق السر حسب قوله ، وإن نكل عن اليمين عمل بالصداق المعلن بعد حلفها على دعواها( ).
ثالثا : وذكر العلماء فرضا ثالثا : مقتضاه أنهما عقدا عقدين عقدا فى السر وسميا فيه مهرا ما ، وعقدا فى العلن وسميا فيه مهرا مخالفا فى قدره أو جنسه للمهر الأول .
وللعلماء فيه قولان ( ) : أحدهما : الواجب المهر الأول لأنه الذى انعقد به النكاح ، ولأن العلانية ليس بعقد ، ولا يتعلق به وجوب شئ .
والثانى : أن الواجب مهر العلانية ، لأن العقد الثانى وإن كان لغوا فقد وجد منه بذل الزائد على مهر السر فيجب ذلك عليه ، كما لو زادها على صداقها.
قال ابن قدامة " ومقتضى هذا التعليل – للقول الأخير – انه إذا كان مهر السر أكثر من العلانية ، وجب المهر السر ، لأنه وجب عليه بعقده ولم تسقطه العلانية فبقى وجوبه " ( ).
وغالبا ما يكون المهر المعلن مثبتا بوثيقة الزواج الرسمية وعندئذ تثور مشكلة إثبات ما يخالف الكتابة ، وفى ذلك اختلفت المحاكم ، فبعض المحاكم قضت بأن " ادعاء أن المهر المذكور بوثيقة الزواج هو مهر العلانية ، وأن الواجب هو مهر السر ، هو من قبيل ادعاء الكذب فى الإقرار لا يقبل إلا بدليل كتابى " ( ) .
ويبدو لى أن هذا الحكم جانبه الصواب من ناحيتين :
أولاهما : أن النزاع هنا بشأن المهر نفسه ، فهو يتعلق بمقداره أو طبيعته ، وهذه المنازعة تدخل – بمقتضى المادة 9/4 (بند أولا) من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى اختصاص المحاكم الجزئية الشرعية ، أيا كان مقداره ، ويكون الحكم نهائيا إذا كان المطلوب لا يجاوز النصاب الانتهائى للقاضى الجزئى ، أما ما يخرج عن اختصاص المحاكم الشرعية فهو النزاع بشأن المطالبة بالمهر واسترداده .( )
والثانى : أنه أخضع مسألة من مسائل الأحوال الشخصية لأحكام الصورية المقررة بالقانون المدنى ، والواجب حيث خلا قانون الأحوال الشخصية من حكم أن يطبق الراجح فى المذهب الحنفى إعمالا للمادة الثالثة من القانون 1 لسنة 2000، وفى " قضاء الأحوال الشخصية يجوز الإثبات بالبينة لإثبات ما يخالف المكتوب ، وذلك على خلاف الأحكام المدنية – وعليه – فإن كل الحقوق يجوز إثباتها بالبينة ومنها حق المعارض فى التمسك بحقيقة الصداق ، لا بما هو مكتوب بوثيقة الزواج " ( ) وحسب المذهب الحنفى فإن الواجب هو مهر السر إذا كان قد برهن عليه ( ) فإن لم يبرهن فالمهر هو المذكور فى العقد ( ) " .
هذا إذا كان الجنس واحداً ، وإن اختلف الجنس فإن لم يتفقا على المواضعة – أى الاتفاق على شئ وإعلان غيره – فالمهر هو المسمى فى العقد ، وإن اتفقا عليها انعقد بمهر المثل ، وإن تواضعا فى السر على أن المهر دنانير ثم تعاقدا فى العلانية على أن لا مهر لها فالمهر ما فى السر من الدنانير ، لأنه لم يوجد ما يوجب الإعراض عنها ، وإن تعاقدا على أن تكون الدنانير مهرا لها أو سكتا فى العلانية عن المهر انعقد بمهر المثل .
وإن تعاقدا فى السر على مهر ثم أقرا فى العلانية بأكثر ، فإن اتفقا أو أشهدا أن الزيادة سمعة فالمهر ما ذكر عند العقد فى السر ، وإن لم يشهدا ، فعندهما : المهر هو الأول ، وعنده : هو الثانى ، ويكون جميعه زيادة على الأول لو من خلاف جنسه ، وإلا فالزيادة بقدر ما زاد على الأول ( )
هذا ما قرره ابن عابدين ، ورجح الكمال من الهمام اعتبار المهر مهر العلن ورجح دليله ورواياته ( ) .
والحقيقة كما يقول الشيخ الذهبى " أن هذه المسالة اضطربت فيها النقول ونسبة الأقوال لأئمة الحنفية " ( ) .


ومما يلحق بمشكلة السر والعلانية :
1- الاختلاف فى مقدار المهر بأن يدعى أحد الزوجين أو ورثته أن المسمى قدرا ما ، ويدعى الطرف الأخر دونه أو فوقه ، وهى حالة مخصوصة بعدم ثبوت التسمية بالبينة ، وقد عرضنا لها فى بيان الحالة الرابعة من حالات وجوب مهر المثل .
وقد أخذ – كما بينا - القانون المصرى فيها برأى القاضى أبى يوسف مع إدخال تعديل عليه ، وبذلك وردت المادة 19 من القانون 25/1920 ونصها " إذا اختلف الزوجان فى مقدار المهر فالبينة على الزوجة فإن عجزت كان القول للزوج بيمينه إلا إذا ادعى ما لا يصح أن يكون مهرا لمثلها ، وكذلك الحكم عند الاختلاف بين أحد الزوجين وورثة الأخر ، أو بين ورثتهما " .
وتعيب المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون العربى الموحد على المادة(19) أنها جعلت البدل عما يدعيه الزوج إذا ادعى ما لا يصح مهرا لمثلها، ما تدعيه الزوجة بالغا ما بلغ ، وترى القضاء به " أمرا مشكلا عندما يكون مهر المثل غير شاهد لها أيضا ، إذ يبقى من المحتمل احتمالا كبيرا أن يكون الزوج صادقا وأن الزوجة تساهلت فى القبول".
وقد وجدت اللجنة أن فى تخريج الكرخى لمذهب أبى حنيفة ومحمد وفى مذهب الشافعية والثورى وغيرهما يحكم بمهر المثل بعد تحالف الزوجين ، ورأت اللجنة أن فى هذا الرأى تعديلا حكيما لرأى أبى يوسف ( ) .
لذلك صيغت المادة (44) – من المشروع - على أساس رأى أبى يوسف مع هذا التعديل. وأهم ما فيها هنا الفقرة (ب) ونصها : " إذا كان ما يدعيه الزوج لا يصلح أن يكون مهرا لأمثالها عرفا لقلته فعندئذ يصار إلى تحكيم مهر المثل . فإذا كان مهر المثل شاهدا للزوجة حكم لها بما تدعى مع يمينها وإن لم يكن مهر المثل شاهدا لها حكم لها بمهر المثل مع يمينها أيضا على نفى ما يدعيه الزوج ".
وقد راعى المقننان الأردنى والسودانى هذا التحفظ الذى أوردته اللجنة التى عنيت بوضع مشروع القانون العربى الموحد ، فأخذا برأى يوسف مع تعديله المقترح من تحكيم مهر المثل ، غير أنهما غضا النظر عن تحليف الزوجة، ولم يقضيا لها بما تدعى ، وأوجبا مهر المثل فى كل حال متى عجزت الزوجة عن البينة وادعى الزوج ما لا يصح أن يكون مهرا لمثلها عرفا " م 58 أردنى ، (م 29/5 ) سودانى "

2- الاختلاف فى أصل التسمية :
وصورتها أن يدعى أحد الزوجين أن العقد قد اقترنت به تسمية صحيحة ويدعى الآخر أنه خلا من التسمية .
ولا شك أنها اليوم صورة نادرة بعد أن اطرد توثيق الزواج فى وثائق رسمية بها خانات مخصصة للمهر ومتعلقاته ، كقدره والمقدم منه والمؤخر وموعد حلوله إلخ .
ولكن تحسبا لأية حالة شاذة - كما لو تم الزواج دون توثيق ، وادعت المرأة على زوجها أنه تزوجها على مهر ما فاقر الزواج بالزوجية لكنه أنكر حصول تسمية شىء فى العقد - لهذا يعنى الفقه يبحث هذه المسألة وعلى ما اختاره صاحب مرشد الحيران (م 105) فالحكم :
" إذا اختلف الزوجان فى أصل تسمية المهر فادعى أحدهما تسمية قدر معلوم ، وأنكر الآخر التسمية بالكلية ، وليس للمدعى بينة يحلف منكر التسمية ، فإن نكل ثبت ما ادعاه الآخر ، وإن حلف يقضى بمهر المثل بشرط ألا يزيد على ما ادعته المرأة إن كانت هى المدعية للتسمية ، ولا ينقص عما ادعاه الزوج إن كان هو المدعى لها ..
وإذا كان قد وقع الاختلاف بينهما بعد الطلاق قبل الدخول حقيقة أو حكما تجب لها المتعة " ( ) .
وفى المادة (107) " موت أحد الزوجين كحياتهما فى الحكم أصلا وقدرا ( ) فإذا مات أحدهما ووقع الاختلاف بين ورثته وبين الحى فى أصل المهر – أو فى قدره – يحكم على الوجه المتقدم فى المادة السالفة لورثة الزوج ، ويلزمهم ما يعترفون به ، وإن اختلفوا فى أصل التسمية يقضى بمهر المثل ، وعلى ورثة الزوج إن جحدوا التسمية ، ونكلوا عن اليمين ، وكذلك إذا اتفقوا على عدم التسمية فى العقد ".
وفى المادة (108) " إنما يقضى بجميع مهر المثل للمرأة فى الصور المتقدمة إذا وقع الاختلاف قبل تسليمها نفسها ، فإن وقع الاختلاف بعد التسليم …. وادعى الزوج أو ورثته إيصال شئ من المهر إليها ، وقد جرت عادة أهل البلد بأن المرأة لا تسلم نفسها إلا بعد قبض شئ من مهرها تقر بما وصلها معجلا فإن لم تقر به يقضى عليها بإسقاط قدر ما يتعارف تعجيله لمثلها ، ويعطى لها الباقى منه إن حصل اتفاق على قدر المسمى ، وإلا فإن أنكروا القدر فالقول لمن شهد له مهر المثل ، وبعد موتهما القول فى قدره لورثة الزوج "
وتشير عبارة المادة "107" إلى الأخذ بمذهب الصاحبين ،أما مذهب أبى حنيفة فى حالة الاختلاف بين ورثة كل من الزوجين فهو : أنه عند عجز مدعى التسمية عن الإثبات لا يقضى بشئ ، لأن مهر المثل يقدر بمهر أقرانهما وقد فنوا ظاهرا مع تقادم العهد ، فلا سبيل إلى تقديره ، ولأننا لو أجزنا دعوى الورثة بعد موتهما فى مهر المثل ، لأجزنا دعوى ورثة الورثة ، وهكذا يتسلسل الأمر " ( ) والفتوى على قول الصاحبين ( ) وقيل على قول الإمام ( ) .
وحسب تعليل قول أبى حنيفة فإنه إن لم يتقادم العهد فإن قوله يكون كقولهما ( ) فى القضاء لورثة الزوجة بمهر المثل على ورثة الزوج إن جحدوا التسمية ونكلوا عن اليمين ، أو اتفق الطرفان على عدم التسمية " م 107 من مرشد الحيران "
وإن طال العهد فالعمل فى سماع دعوى الصداق أقرب إلى قول أبى حنيفة ، إذ نهى عن سماع الدعوى فى غير الإرث والوقف بعد خمس عشرة سنة من ثبوت الحق ، إلا أن يكون هناك عذر شرعى ، ولم يكن المدعـــــى عليه – ورثــــة الزوج – منكرا للحق فى كل هذه المدة ( ) فإن انتفى قيد النهى عن السماع ، فقول أبى حنيفة هو الذى سيصار إليه عملاً ، وإن تحقق فمصير العمل إلى مذهب الصاحبين .
3- الاختلاف فى قبض المهر أو معجله : ( )
وفى هذه الصورة يفرق بين حالتين :-
الأولى : الاختلاف فى أصل القبض أو مقداره قبل الدخول ، وفى هذه الحالة يقع على عاتق الزوج عبء الإثبات ، لأنه يدعى خلاف الظاهر ، ولا تطالب الزوجة بالبينة لأن الظاهر يشهد لها .
الثانية : وإن كان الاختلاف بعد الدخول .
أ- فإن كان فى معجل صداقها فالقول قول الزوج ، ولا تسمع دعواها على المفتى به عند الحنفية لجريان العرف بذلك .
وعليه فإن اختلف العرف ، تغير الحكم ، وإن كنت أرى مع بعض أساتذتنا ( ) أن العرف لا يصلح لإبطال حق ثابت بمقتضى العقد ، فليكن على عاتقها عبء الإثبات ، ولها عند العجز طلب يمين المدعى عليه ، أما أن يبطل حقها بمجرد العرف وقرائن الأحوال فهذا لا يقبل
وإن كان الخلاف فى قدر المقبوض فعلى الزوج أن يثبت ذلك بالبينة ، فإن عجز فالقول قولها مع يمينها .
والحكم بين أحد الزوجين والورثة ، أو بين ورثة الطرفين كالحكم بين الزوجين ، فهو فى كل الأحوال واحد .
4- الاختلاف فيما يقدمه الزوج على أنه من المهر :
عادة ما يتهادى الزوجان ، فإن قدم الزوج إلى زوجته شيئا كنقود أو حلى أو هدايا منزلية دون أن يذكر عند تقديمها أنها من المهر ، ثم اختلفا بعد ذلك ، فقال الزوج من المهر ، وقالت الزوجة هدية ، فما الحكم ؟
والجواب : ( )
أن أيا من الزوجين يقيم البينة على دعواه يقضى له بها ، ولكن إن أقام كل منهما بينة على ما يدعيه قدمت بينة الزوجة ، لأنها تثبت خلاف الظاهر ، والظاهر هنا شاهد للزوج ، لأن الإنسان يسعى إلى سداد دينه ، والوفاء بما فى ذمته قبل التبرع والإهداء ، وإن عجزا جميعا عن البينة كان القول لمن يشهد له العرف ، مع يمينه ، وإن اشتبه العرف وتعذر تحكيمه كان القول قول الزوج بيمينه ، لأنه هو المعطى ، فيرجع إليه فى الإخبار عن فعل نفسه ، والظاهر يؤيد قوله أن ما دفعه من المهر ، لأنه يسعى إلى إسقاط ما فى ذمته مما وجب عليه من المهر أولا .
فإن قضى له خصم من المهر ، وإن وقعت بينهما فرقة تسقط المهر كله كان عليها رد ما أخذت أو قيمته إن هلك أو استهلك .

مؤكدات المهر
رأينا فيما سبق أن المهر يوجد بوجود العقد الصحيح سواء كان مسمى أو مهر مثل – خلافاً للشافعى – غير أن هذا الوجود غير مستقر فيحتمل التنصيف بالطلاق قبل الدخول ، ويحتمل السقوط بالفرقة بغير طلاق قبل الدخول ، وبأسباب أخرى عند بعض الفقهاء .
لهذا كان وجود الصداق محتاجاً إلى ما يؤكده استقراره ، ومؤكدات المهر على الراجح فقهاً هى :
1- الدخول الحقيقى :
فإنه يؤكد جميع المهر باتفاق الفقهاء ( ) ، فإن كان قد سمى لها مهراً فلها جميع ما سمى ، لا يسقط منه شئ إلا بإبراء الزوجة أو حطها جزءاً منه ، لأنه بالدخول قد استوفى – الزوج - كامل حقه ، فاستقر لها كامل حقها ، وإن كان لم يسم لها شيئاً أو سمى مالا يصلح مهراً ثبت لها مهر المثل كاملاً دون انتقاص .
2- الموت :
فإن مات الزوج ولو قبل الدخول ، أو ماتت الزوجة قبله أيضاً فلها مهرها كاملاً ، وذلك " لأن المهر كان ثابتاً إلى أن يوجد ما يسقط بعضه أو كله ، وهو الفرقة قبل الدخول ، وبالموت استحال وجود ذلك المسقط فتأكد المهر"( ).
والحكم بثبوت المهر كاملاً بالموت متفق عليه بين الفقهاء فى المسمى لها.
أما المفوضة فإن مات عنها أو ماتت عنه ففى استحقاقها الصداق أو نصفه أو عدم استحقاقها شئ خلاف .
قال فى المغنى " ولو مات أحدهما قبل الإصابة وقبل الفرض ورثه صاحبه . ولا خلاف فيه ، فإن الله تعالى فرض لكل واحد من الزوجين فرضا وعقد الزوجية ههنا صحيح ثابت ، فورث به لدخوله فى عموم النص .
وأما الصداق : فاختلف فيه ، ومذهب الحنفية : أن يكمل لها صداق مثلها ، وهو الصحيح من المذهب عند الحنابلة وإليه ذهب ابن مسعود وابن شبرمة وابن أبى ليلى والثورى واسحاق ، والظاهرية، وأحد قولى الشافعى ( ).وذلك لما روى الترمذى وغيره " أن رجلا تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ، ولم يدخل بها حتى مات ، فأتى عبد الله بن مسعود وكان قاضيا ، فاختلفوا إليه مرارا ، وقال: شهرا ، فقال : إن كان ولا بد فإنى أفرض لها مهر نسائها ، لا وكس ، ولا شطط ، ولها الميراث وعليها العدة ، إن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمنى ومن الشيطان ، والله ورسوله بريئان منه ، فقال ناس من أشجع فيهم الجراح بن سنان نشهد أن رسول الله  قضاها فينا ، فى بروع بنت واشق ، وكان زوجها هلال بن مرة الأشجعى " ( ).
وقد منع مالك والشافعى من القضاء به أنه لم يثبت عندهم ، حتى أن الشافعى ليقول " إن كان يثبت فلا حجة فى قول أحد دون النبى  " ( ) وقال القرطبى وهو من أشياع مالك " إذا صح الحديث فالقياس فى مقابلته فاسد ، وقد حكى أبو محمد عبد الحميد عن المذهب ما يوافق الحديث والحمد لله " ( ) وبالغ الماوردى فى دفع دعاوى ضعف الحديث ( ).
إذن الكل إلى حكم الحديث صائر ( )، وهذا ما حدا بأساتذتنا أنهم لا يوردون المذهب المخالف فى استقرار المهر – ولو صداق المثل – بالموت قبل الدخول .
وعلى ذلك إذا مات الزوج فلزوجته قبل حقها فى الإرث مهرها إن لم تكن قبضته ، أو باقيه إن كانت قد قبضت منه شيئا ، وإن كانت مفوضة فلها مهر مثلها .
وإن كانت هى التى ماتت فلورثتها أخذ مهرها من زوجها ، مع ملاحظة أن الزوجين يتوارثان – إن لم يمنع من ذلك مانع من موانع الإرث – ومن ثم يمكن أن يتقاص الطرفان ، فيخصم ما للزوج من حق فى الإرث ويطالب بالباقى.
ويراعى فى كل الأحوال أن الصداق مستحق بالعقد لكنه تأكد بالموت ، ومن ثم فهو ليس إرثا ، وبالتالى تتقادم دعواه بمضى خمس عشرة سنة من تاريخ الوفاة ، فإن مضت مع انتفاء العذر المانع من المطالبة ، وعدم الإنكار لن تسمع الدعوى ( ).ويرى أكثر الفقه أن هذا الحكم يسرى على طلب عاجل الصداق ، فمضى خمس عشرة سنة من غير طلب له مانع من سماع الدعوى به ،
3- الخلوة الصحيحة :
الخلوة من الاختلاء ، أو الخلاء ومعناها الحال التى يمكن للزوج أن يستمتع فيها بزوجته آمنا دون مانع يمنع من الدخول الحقيقى ( ).
والموانع التى ذكرها الحنفية ثلاثة : ( )
1- مانع حقيقى : كالصغر ، أو المرض ، أو العيب المانع من الدخول .
2- مانع طبعى : ويقوم بوجود ثالث يفهم الأشياء .
3- مانع شرعى : ومثاله صوم أحد الزوجين ، أو حيض المرأة فإن انتفت هذه الموانع ، وكان المكان آمنا من اطلاع الغير تحققت الخلوة الصحيحة .
وفى أثرها اختلف الفقهاء على ثلاثة مذاهب : ( )
أولها : إن الخلوة كالدخول فى كمال المهر ووجوب العدة .
وبه قال أكثر الصحابة وكثير من التابعين وهو مذهب الحنفية وأقوى الروايتين عن أحمد ، ومذهب الزيدية ، وقول الشافعى فى القديم ( ).
وأكثر التقنينات العربية - ومنها النظام القانونى المصرى - على اعتبار الخلوة الصحيحة( ) من مؤكدات المهر.
ومع هذا فإن الخلوة تختلف عن الدخول فى الأحكام الأتية ( ).
1- الإحصان : لأن الإحصان هو الزواج مع الدخول الحقيقى ، والخلوة لا تقوم مقام الدخول الحقيقى فى هذا .
2- حرمة البنات : فهى مشروطة بالدخول بالأمهات لا الخلوة بهن( ).
3- حل المطلقة ثلاثا لمطلقها : يحصل بالدخول الحقيقى المعبر عنه بذوق العسيلة ، ثم يطلقها وتنتهى عدتها ، ولا تقوم الخلوة مقام الدخول الحقيقى فى ذلك.
4- الطلاق بعد الخلوة يقع بائنا( ) : وبعد الدخول الحقيقى يقع رجعيا ، ما لم يكن مكملا لثلاث وعلى مال .
5-المعتدة من طلاق بعد خلوة : لا ترث ، ولا يـــــــــرث منها شيئا وإن ماتت فى عدتها ( ) أما المعتدة من طلاق بعد دخول حقيقى فترث وتورث إن كان الطلاق رجعيا ، وكذلك إن كان بائنا واعتبر الزوج فارًا به من الميراث .

تنصيف المهر وسقوطه
إذا تأكد المهر وجب كله ، وإن لم يتأكد فهو على خطر التنصيف أو سقوطه كلية .
ويتنصف المهر بسبب واحد ( ) ذكره الله سبحانه فى قوله " وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح " ( ) .
فالآية دلت على أن المطلقة قبل الدخول وقد سمى لها مهرا هى التى تستحق نصف المسمى ، وقد أخذ العلماء منها أن لاستحقاق نصف المسمى أربعة شروط ( ) :
1- أن يكون عقد الزواج صحيحا ، فالعقد الفاسد بمجرده لا يجعل للمرأة حقا فى شئ من المهر 2- أن يكون المهر مسمى عند العقد تسمية صحيحة ، وهذا باتفاق الفقهاء فإن سمى لها بعد العقد ، أو كانت التسمية فاسدة ومن ثم استحقت مهر المثل ، فقد اختلف فيه الفقهاء .
وقد مالت القوانين إلى قول الحنفية والزيدية ورواية عن أحمد فى قصر الحكم على المطلقة التى سمى لها فى العقد أو قبله ( ) بيد أنه مرجوح فى الفقه الإسلامى ( ) ، لأن الله سبحانه وتعالى قال " وقد فرضتم لهن فريضة " هكذا مطلقا عن الوقت والبيان ، فوجب أن يبقى على إطلاقه . ولأن المفروض بعد العقد يستقر بالدخول فتنصف بالطلاق قبله كالمسمى فى العقد ( ) .
وعلى كل حال فإن المعمول به فى التقنينات ( ) أن المطلقة قبل الدخول والخلوة وقد سمى لها فى العقد أو قبله لها نصف المسمى ، وإن لم يسم لها فى العقد أو قبله شيئا فلها المتعة ، ولا يغير من الحكم شيئا إن فرض لها بعد العقد .
3- أن تقع الفرقة قبل الدخول ، والخلوة الصحيحة على قول من يقول بها .
4- أن تكون الفرقة من جهة الزوج .
والحكم فى الفرقة طلاقا محل اتفاق ، وإن كانت بغير طلاق – أو موت – فقد خالف فيها ابن حزم فقال " ومن انفسخ نكاحه بعد صحته بما يوجب فسخه، فلها المهر المسمى كله ، فإن لم يسم لها صداقا فلها مهر مثلها ، دخل بها أو لم يدخل – ولا يقاس على الطلاق – لأن الطلاق فعل المطلق ، والفسخ ليس فعله ، فلا تشابه بين الفسخ والطلاق ، بل الفسخ بالموت أشبه ، لأنهما يقعان بغير اختيار الزوج"( ).
ويبدو أن الشوكانى يميل إلى هذا ، قال " وأما استحقاقه – أى نصف المسمى – بالفسخ فقيل قياسا على الطلاق بجامع العقد والتسمية ، وفى النفس من هذا القياس شئ ، ثم فى النفس أيضا من كون الموجب لذلك من جهته فقط " ( ).
وعلى كل حال فالعمل جار على مذهب الجمهور ، فإن أى فرقة تأتى من جهة الزوج كطلاقه أو ردته ، أو ارتكابه مع إحدى محارمها ما يوجب تحريم المصاهرة – عند من يرى ذلك – كله يوجب نصف المسمى ، ويستثنى من ذلك الفرقة بسبب اختيار الزوج الفسخ عند البلوغ أو الإفاقة قبل الدخول ، فلا توجب شيئا ( ) و لايغيبن عن البال أن اشتراط بلوغ سنا معينة لتوثيق الزواج ، وعقاب من يعقد عقدا دون هذه السن يضيق كثيرا من دائرة خيار الفسخ بالبلوغ .
المتعـــــة
إذا اختلت الشروط اللازمة لاستحقاق نصف المسمى فإما أن يؤدى ذلك إلى سقوط المهر كلية وعدم وجوب شئ ، أو إلى سقوط المهر مع وجوب شئ والحالة التى تستحق فيها المطلقة شيئا هى حالة الطلاق قبل الدخول والخلوة الصحيحة ، إن كانت المطلقة لم يسم لها شئ قط باتفاق ، أو سمى لها ولكن بعد العقد على رأى الحنفية وجماعة .
والمطلقة التى حالها كما وصفنا هى المفوضة ، والمستحق لها بنص القرآن الكريم هو ذلك المسمى متعة .
قال تعالى " ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن " ( ) .
وعلى ظاهر الآية فإن المتعة مستحقة للمطلقات – والطلاق سبب إرادى من قبل الزوج – قبل المسيس – مع اختلاف العلماء فى تفسيره – ولم يفرض لهن شئ وقطعاً لا طلاق إلا من زواج صحيح .
فإن توافرت الحالة بشروطها هذه كان للمطلقة متعة مستحقة ( ) باتفاق العلماء ( )
أما أن فورقت الزوجة بسبب من قبل الزوج غير الطلاق – والموت – أو كانت قد فرض لها بعد العقد ، أو اختلى بها من غير وطء ففى كل ذلك اختلف العلماء كما عرفت .

حكم المتعة : إن توافرت حالة المتعة ، فهل تستحق للمرأة وجوبا أو استحبابا ؟ جمهور العلماء : يقولون المتعة واجبة ، والإمام مالك وبعض العلماء: يقولون إنها مستحبة .
والحقيقة أن قول الجمهور أقوى ، لأن الله تعالى جعل المتعة عوضا عن نصف المسمى ونصف المسمى واجب ، وبدل الواجب واجب ( ). قد نعود لهذه المسألة فيما بعد .
تقدير المتعة :
القائلون بوجوب المتعة مختلفون فى تقديرها فأكثرهم : على أن المتعة لا تحد بقدر ، وإنما هى إلى اجتهاد الحاكم وتقديره ، وتختلف فى ذلك باختلاف الأعراف( ).
وقال الأحناف : لا تجب أكثر من نصف مهر المثل ، ولا تنقص عن خمسة دراهم ، لأن الخمسة نصف أقل ما يكون مهراً عندهم ( ).
وخلاصة مذهب الحنفية كما صاغه قدرى باشا ( م 90 ) " المعتبر فى المتعة عرف كل بلدة لأهلها فيما تكتسى به المرأة عند الخروج ، واعتبارها على حسب حال الزوجين، ويجوز دفع بدل المتعة نقداً ، ولا تزيد على نصف مهر المثل إن كان الزوج غنيا، ولا تنقص عن خمسة دراهم إن كان فقيرا "
سقوط المهر كله :
قلنا إن المهر يجب بالعقد – على الراجح – ويتأكد بالدخول والموت – وخالف فى الأخير مالك – وبالخلوة على رأى الحنفية والجمهور ، خلافا لجماعة.
وإذا تأكد المهر فلا سبيل لإسقاطه عن الزوج إلا بعفو الزوجة عنه ، فأبرأت منه الزوج أو وهبته له ، وفى الإبراء والهبة ، متى كانت الزوجة جائزة الأمر فى مالها ، يسقط المهر عن الزوج اتفاقا ، قال ابن قدامة " لا نعلم فيه خلافا ، لقول الله تعالى " إلا أن يعفون " ( ) يعنى الزوجات ، وقال تعالى "فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا " ( )( )
وفيما قبل تأكده يسقط المهر بإسقاط المرأة وإسقاط الشارع ، وإسقاط المرأة قد علمته بالعفو ، إبراء أو هبة ، وفى معناهما الخلع على المهر قبل الدخول وبعده ( ).
أما الإسقاط بحكم الشارع فذلك عند جمهور العلماء بكل فرقة من قبل المرأة قبل الدخول – والخلوة على رأى من يقول بها – ومن أمثلتها إسلامها ، أو ارتدادها عن الإسلام ، وإتيانها ما يوجب حرمة المصاهرة ، أو اختيارها الفسخ لعيب فى الزوج أو عدم كفاءة ونحو ذلك ( ).
ويسقط المهر عن الزوج عند الحنفية ، وإن كان الفسخ من جهته، إذا زوجه غير الأب والجد بالولاية واختار الفسخ عند بلوغه أو إفاقته إن لم يدخل بالمرأة( ).
ويعتبر الجمهور الفسخ بالعيب الذى يوجب الخيار مسقطا للمهر ، وإن كان المختار هو الزوج " لأنها أتلفت المعوض قبل تسليمه ، فسقط البدل كله"( ) أو لأن عيبها هو الدافع على فسخ هذا النكاح ( ) وزاد الحنابلة مسقطات أخرى ، كما لو فسخت الزوجة النكاح بسبب إعسار الزوج بمهرها أو نفقها ، أو فسخ الزوج لفقد صفة شرطها فى الزوجة كأن شرط أن تكون بكرا فبانت ثيبا ، أو فسخت الزوجة لإخلال الزوج بشرط صحيح اشترطته حال العقد ، كما لو اشترطت عليه ألا يخرجها من بلدها .
وفى الفرقة بسبب اللعان روايتان . (الثانية) يسقط به مهرها ، لأن الفسخ عقيب لعانها ( ).
وفى رأى الإمام ابن حزم أن المهر إذا وجب بصحة العقد فهو باق ، وإن انفسخ النكاح بسبب من قبله أو من قبلها ، لقوله تعالى " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة "( ) والقول بغير ذلك – فى رأيه – باطل ، لأنه إسقاط لما أوجبه الله تعالى بالبرهان … وعلى ذلك فلمن انفسخ نكاحها المسمى كله ، أو مهر مثلها كله ، دخل بها أو لم يقع ، لأن الفسخ بحكم الشرع لا اختيار فيه ( ).
.
وأكثر القوانين تنص صراحة على أن البينونة بسبب من قبل الزوجة قبل الدخول والخلوة الصحيحة تسقط المهر كله ( ) ، وما لم ينص منها على ذلك كالتقنين المصرى والسودانى والعراقى يأخذ بالراجح من المذهب الحنفى ، وقد علمت أنه يسقط المهر كله بالفرقة التى تعتبر فسخا ( ).
أما سقوط المهر بالفسخ بسبب العيب فإنه مقرر فى التقنينات التى ترى الفرقة بالعيب من قبل الزوج أو الزوجة فسخا ، فيسقط كل المهر إن وقع قبل الدخول والخلوة الصحيحة ، وكما بينا فإن الإحناف يرون أن الفرقة بسبب العيب تقع طلاقا بائنا لا فسخا .

الجهاز ومتاع البيت والمنازعات التى تقع بشأنهما
أولا : تأثيث بيت الزوجية
لا خلاف بين العلماء أن المهر ملك للزوجة ، غير أن جمهورهم ساروا بالملكية إلى منتهاها فقالوا " لا يلزم المرأة فى مهرها شئ فلا تجبر على أن تتجهز إليه بشئ أصلا ، لا من صداقها الذى أصدقها ، ولا من غيره من سائر مالها ، والصداق كله لها تفعل فيه ما شاءت ، لا إذن للزوج فى ذلك ولا اعتراض " ( ) .
وشذ المالكية فقالوا : الجهاز حق على المرأة فى دائرة ما قبضته وما تجرى به العادة بين أمثالها ، فإن لم تكن قبضت شيئا من المهر فليس عليها جهاز، إلا إذا كان العرف يوجب عليها جهازا ، أو كان قد شرط ذلك عليها .
قال ابن عبد الرفيع " وإذا قبضت المرأة نقدها ( ) ، أو قبضه وليها فمن حق الزوج أن يتجهز به إليه ، وهذا مشهور مذهب مالك وجميع أصحابه حاشا ابن وهب فإنه قال لا يلزمها التجهيز بصداقها . قال بعض الموثقين : وإذا كان النقد عرضا أو حيوانا أو طعاما وجب عليها بيعه والتجهيز به …. ولا يلزم الزوجة أن تتجهز بالكالى – مؤخر الصداق – إذا قبضته بعد البناء ، وإن باراها – أى خالعها - الزوج ثم راجعها لم يلزمها أن تتجهز إليه إلا بما يعطيها فى المراجعة " ( ) قال " قال ابن حبيب : وللزوج أن يسأل الولى فيما صرف النقد فيه من الجهاز ، وعلى الولى أن يفسر ذلك ويحلف عليه إذا اتهمه فيه " ( ) .
وفى العقد المنظم للحكام لابن سلمون " وإذا رفع الزوج للزوجة فى صداقها ليسارها ، ولأنها تسوق إلى بيته من الجهاز ما جرت عادة أمثالها به ، وجاء الأمر بخلافه أن للزوج مقالا فى ذلك ، ويحط من الصداق الزيادة التى زادها لأجل الجهاز على الأصح عندنا ( ) وهو دليل ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام " تنكح المرأة لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها " وقال غيره إن ساق الزوج لزوجته سياقة وجرى عرف البلد بإبراز شورة لمن ساق سياقه ثم لم يبرز إليه عند البناء شئ كان للزوج أن يحل النكاح عن نفسه إن شاء .
وأجاب ابن رشد فى نحو هذا إذا أبى الأب أن يجهز ابنته إلى زوجها بما جرى العرف والعادة أن يلتزم – أى الزوج - النكاح أو يرده عن نفسه ويسترد ما نقد ، ويسقط عنه ما أكلأ – أى أجل – وساق ، وأما إن توفيت قبل البناء وأبى الأب أن يبرز لها من ماله ما يكون ميراثا عنها على القدر الذى يجهز به مثلها إلى مثله فلا يلزم إلا صداق مثلها على أن لا يكون جهازها إلا نقدها .
وقال كذلك إن كانت حية وكان الزوج قد ساق لها سياقة وأعطاها حقوقا، وجهزها الوالد بما يجهز به مثلها إلى مثله ، ثم ادعى فى ذلك العارية وأراد أخذه فليس للأب أن يسترد ما أبرزها به إلى زوجها من الحلى والثياب ، ولا يصدق فيما ادعاه من أنه إنما أبرز ذلك إليها على سبيل العارية منه لها " ( ).
وواضح من هذا النقل الطويل كيف أن قضية التزام الزوجة بالجهاز قد رسخت فى الفقه المالكى ، حتى أنهم ليرونها قاعدة تقيد بها أحكام الصداق ، وشرطا يجيز عند تخلفه حق الفسخ .
ولم أقف لهم – فيما طالعت – على دليل إلا ما ذكر ابن حزم أن بعضهم شغب بقول الله تعالى " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض " ( ) وكأنهم أخذوا منه أن القوامة تقتضى أن يكون له حق فى أن تتجهز له ، وتتزين بما قدم ، وتجبر على ذلك ، وهذا ما اطردت به الفتاوى عندهم ( ) وكأنهم أيضا أخذوا من قوله  " تنكح المرأة لمالها " أن مثل هذا النكاح معروف ، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا .
ويبدو أن اعتبار العرف هو أساس هذه الفتوى فى مذهب مالك ، بل إن كثيرا من أقضية النكاح مردها – عندهم – تحقيقا إلى العرف ، ومن ذلك مثلا ما حكاه ابن فرحون فى تبصرته قال " وفى سماع ابن القاسم : سئل مالك عن الناكح هل يلزمه لأهل المرأة هدية العرس ، وجل الناس تعمل به عندنا حتى أنه لتكون فيه الخصومة ، أترى أن يقضى به ؟
قال : إذا كان ذلك قد عرف من شأنهم وهو عملهم لم أر أن يطرح ذلك عنهم ، إلا أن يتقدم فيه السلطان ، لأنى أراه أمرا قد جروا عليه .
وفى كتاب عيسى ، قال ابن القاسم : قال مالك قبل ذلك : لا أرى أن يقضى به ، وهو أحب إلى كان مما جروا عليه أو لم يكن "
وفى سماع عيسى ، فى رسم لم يدرك ، قال ابن القاسم : سألنا مالكا عمن تزوج امرأة فأصدقها صداقا ، فطلبت منه نفقة العرس هل ذلك عليه أم لا ؟ قال : ما أرى ذلك عليه ، وما هو بصداق ولا شئ ثابت ، ولا هو لها إن مات ، ولا نصفه إن طلق .
فردد عليه ، وقيل له : يا أبا عبد الله ، إنه شئ أجروه بينهم ، وهى سنتهم !!!
فقال : إن كان ذلك شأنهم فأرى أن يفرض عليهم .
وختم ابن فرحون بحثه فى هذه المسائل وأشباهها بقوله " والمتعارف من أحوال النساء فيما يوسعون به على أزواجهن من أموالهن إنما يردن بذلك موادات الأزواج ، واستدامة عصمتهن معهم ، وتقمن مسرتهم " ( ) .
ولا جدال أن قريبا مما يقول به المالكية غالب فى زماننا ، خاصة فى المدن ، حيث يدفع الأزواج إلى أولياء الزوجة شيئا زائدا على المهر ويطالبونهم بالتجهيز، الأمر الذى يثقل كاهل الأباء ، ويوقعهم فى الحرج .
وقريب منه أيضا ما جرت عليه عادة الناس فى القرى وبعض الأوساط فى المدن من أن يكون حلى المرأة مدخرا لحاجة الزوج متى احتاجه أخذه ، ولا يليق بالمرأة ولا بأهلها الممانعة فى ذلك .
وقد يخفف من غلواء هذا العرف أن كل ما تتجهز به المرأة عند البناء يثبت فى قائمة المنقولات على أنه حق الزوجة ، وليس للزوج فيه إلا الانتفــــــــاع معها ما دامت الزوجية باقية ( ) فإن طلقت الزوجة أخذته ، وإن ماتت فالزوج أحد الورثة ليس إلا .
وإجراء كهذا إن أتته الزوجة أو أولياؤها حبا وكرامة وتبرعا وتوددًا فلا مدخل لأحد فى الإنكار عليه ، بل إنه من قبيل التعاف ، وقد قال الله تعالى " وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم " ( ) .
ولكن الذى يؤخذ على مذهب الإمام مالك رحمه الله هو الإجبار على التجهيز بما يقدمه من مهر ، بل وإجبار الأب على أن ينحل ابنته من ماله ، فيرد إلى الزوج صداقه وأكثر ، وتسقط عنه نفقة التجهيز والكسوة ويثبت له فى زينتها حق .
ولو كان لهذا الإجبار سند ثابت لم يكن لأحد أن يعترض عليه ، ولكن سنده كما ظهر من حكاية المذهب هو العرف والعادة ، وهما فى مسألتنا منخرمتان ، فلا يصلحان للتحكيم ، لأن شرطهما :-
1- الاطراد 2- عدم التعارض مع شرع يتعلق به حكم
ولا شك أن إجبار الزوجة أن تتجهز بصداقها أو من مالها أو من مال أبيها ، أو غل يدها عن أن تتصرف فى صداقها كيف شاءت ، كل ذلك عضل وإذهاب ببعض ما أوتين ، وقد نهى الله عنه ، وتفريغ للصداق من معنى النحلة على خلاف أمر الله تعالى ، وإيجاب ما لم يجب ، بل خلاف الواجب ، لأن النبى  قضى أن رزق النساء وكسوتهن على الأزواج ( ) .
والمعمول به فى أكثر( ) التقنينات هو مذهب الحنفية ، وخلاصته أن المهر حق خالص للمرأة ، فلا يلزمها فيه شئ ، ولكن إن دفع الزوج شيئا زائدا على المهر لتتجهز به كان عليها ذلك فى حدود هذه الزيادة ، فإن لم تفعل كان له الحق فى استرداد ما دفعه لها ، إلا إذا سكت مدة تدل على رضاه بهبة ما دفع زائدا على المهر ، فيعتبر ما زاد لها هبة غير مشروطة بشرط .
وهذا الحكم إن كانت الزيادة منفصلة عن المهر ، واشترط أن تكون للتجهيز أو جرى بذلك عرف .
وإن لم تكن الزيادة منفصلة عن المهر – وتعرف بكون ما دفع أكثر من مهر مثلها – وقصد بالزيادة على مهر المثل أن تكون هذه الزيادة فى مقابل التجهيز أو مقابل إعداد الجهاز على شكل خاص ، ففى هذا اختلف الحنفية .
فأخذ بعضهم بالظاهر فقال : الزيادة جعلت ضمن المهر فالتحقت به ، والمهر حق خالص للزوجة ، فلا تطالب بإنفاق شئ منه فى الجهاز أو غيره .
وقال آخرون : العبرة بالقصد ويجعل مهر المثل حكما ، وعليه تلزم الزوجة بالتجهيز فى حدود الزيادة ، فإن لم تفعل كان لها مهر المثل فقط ( ) وهذا الخلاف قد حسم إلى حد كبير بعد اطراد العمل على توثيق عقود الزواج والنص فى الوثيقة على قدر الصداق ، الحال منه والمؤجل ، وفى الحالات الشاذة أرى أن يحكم العرف فيما يقدم ، هل هو من الصداق ، أم زيادة نظير الجهاز .
الخلاف حول الأمتعة المنزلية
هذه المشكلة تكاد تكون قد اختفت بعد أن تعارف الناس كتابة قوائم بعفش الزوجية ، والإشهاد على إقرار الزوج بما فيها ، ولكن تحسبا لفقد هذا الدليل ، أو سقوطه نتيجة الطعن فيه بالتزوير ، أو لأن " المتاع أعم من الجهاز وأشمل "( ) بمعنى أن يضاف إلى ما تجهزت به الزوجة عند البناء شئ ، فإن الفقه يعنى ببحث هذه المشكلة ، ونكتفى فيها بإيراد ما يجرى عليه العمل .
أولا : الراجح فى المذهب الحنفى يقضى بالأتى :
1- فى حالة الخلاف بين الزوجين ، أو بين ورثتيهما :
إذا اختلف الزوجان حال قيام النكاح أو بعد الفرقة فى متاع موضوع فى البيت الذى يسكنان فيه ، سواء كان ملك الزوج أو الزوجة فما يصلح للنساء عادة فهو للمرأة ، إلا أن يقيم الزوج البينة ، وما يصلح للرجال أو يكون صالحا لهما فهو للزوج ما لم تقم الزوجة البينة ، وأيهما أقامها قبلت منه ، وقضى له بها ، ولو كان المتاع المتنازع فيه مما يصلح لصاحبه – أى الطرف الآخر – وما كان من البضائع التجارية فهو لمن يتعاطى التجارة منهما ….. ( ) ونفس الحكم فى الخلاف بين الورثة .
2- الخلاف بين أحد الزوجين وورثة الآخر:
إذا مات أحد الزوجين ووقع النزاع فى متاع البيت بين الحى وورثة الميت فالمشكل الذى يصلح للرجل والمرأة يكون للحى منهما عند عدم البينة ( ).
3- الخلاف بين الزوجة وأبيها أو أمها :
إذا جهز الأب بنته وسلمها إلى الزوج بجهازها ، ثم ادعى هو أو ورثته أن ما سلمه إليها أو بعضه عارية ، وادعت هى أو زوجها بعد موتها أنه تمليك لها ، فإن غلب عرف البلد أن الأب يدفع مثل هذا جهازا لا عارية فالقول لها ولزوجها ، ما لم يقم الأب أو ورثته البينة على ما ادعوه .
وإن كان العرف مشتركا بين ذلك ، أو كان الجهاز أكثر مما يجهز به مثلها ، فالقول قول الأب وورثته ، والأم فى ذلك كالأب ( ).
ثانيا : وأكثر التقنينات التى بين أيدينا اكتفت بالنص على أن المهر حق الزوجة ، ولا تجبر على عمل الجهاز منه ( )
والخلاف بين أحد الزوجين والورثة أو بين الورثة كالخلاف بين الزوجين
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:10 am

أثر تغير قيمة العملة على المستحق فى المهور الآجلة :
تغير قيمة العملة الورقية وربما انهيارها مشكلة تلقى بظلالها على الواقع الاقتصادى المعاصر فتتأثر بها حياة الناس من جوانب عدة ، أحدها : المؤجل من المهور ، وإن شئنا الدقة قلنا المستحق مهرا ، على اعتبار أن الغالب اليوم على المهور هو تأجيلها لأقرب الأجلين الموت أو الوفاة ، حتى غدا التأجيل هو المعروف عرفا .
وقد تنبه سماحة المستشار الشيخ فيصل المولوى الداعية والمفكر الإسلامى اللبنانى إلى هذه المشكلة وتداعياتها على المهور المؤجلة لا سيما بعد أن انهارت قيمة الليرة اللبنانية فكتب سماحته – مؤخرا – بحثا لطيفا فى الموضوع تحت عنوان " أثر انهيار الأوراق النقدية على المهور" مقسما بحثه إلى مقدمة ،وأربعة فصول ، ويمكن للراغب فى الاستفادة الاطلاع على البحث كاملا على الرابط http://www.mawlawi.net/default.asp
ويشغلنا منه نتيجة البحث وقد ضمنها سماحته الفصل الرابع من بحثه .
ونظرا للتشابه الشديد بين الحالة اللبنانية التى دعت الشيخ إلى بحثه ، وحالة كثير من المجتمعات ، ومن بينها المجتمع المصرى ، ونظرا لأن المذهب الحنفى هو المرعى قضاء عند عدم وجود تنظيم تشريعى فى مسائل الأحوال الشخصية فى كل من مصر ولبنان ، فإن النتيجة التى خلص إليها سماحة الشيخ تلائم مجتمعنا المصرى كما تلائم المجتمع اللبنانى لهذا فإننا ننقل عن سماحته الفصل الرابع من بحثه داعين الباحثين والقضاة الشرعيين إلى تدارس المسألة ، وإن كنت من جانبى أقبل بما خلص إليه الشيخ ، وهذا نص الفصل الرابع من بحثه فى الموضع .
ما هو واجب المحاكم الشرعية ؟
أولاً : تنصّ المادة 242 من قانون تنظيم القضاء الشرعي الصادر سنة 1962 م على أنّ: (يصدر القاضي السنّي حكمه طبقاً لأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة، إلاّ في الأحوال التي نصّ عليها قانون العائلة).( نذكر أن نص المادة الثالثة من القانون رقم 1 لسنة 2000 : تصدر الأحكام طبقا لقوانين الأحوال الشخصية والوقف المعمول بها . ويعمل فيما لم يرد فى شأنه نص فى تلك القوانين بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبى حنيفة)
وقد رأينا أن أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة هو قول أبي يوسف، وهو وجوب أداء القيمة في حالة الرخص والغلاء. وقد نقل ابن عابدين في حاشيته عن التمرتاشي في رسالته (بذل المجهود في مسألة تغيير النقود) رأي أبي يوسف المذكور في البزّازية وفي الذخيرة وفي الخلاصة عن المنتقى، وقال: "وعليه الفتوى". ثمّ أكّد ذلك ابن عابدين بقوله: "فحيث صرّح بأنّ الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فيجب أن يعوّل عليه إفتاءً وقضاءً. ولم أرَ من جعل الفتوى على قول الإمام" أي أبي حنيفة رضي الله عنه.
وقد جزم ابن عابدين مرّة ثانية نقلاً عن الغزّي أنّ المفتى به قول أبي يوسف، قال الغزّي: "وقد تتبّعت كثيراً من المعتبرات من كتب مشايخنا المعتمدة، فلم أرَ من جعل الفتوى على قول أبي حنيفة، وأمّا قول أبي يوسف، فقد جعلوا الفتوى عليه في كثير من المعتبرات، فليكن المعوّل عليه"
كما نقل ابن عابدين عن شيخه سعيد الحلبي بإقرار قول أبي يوسف إفتاءً وقضاءً فقال: "وقد نقله شيخنا في بحره وأقرّه، فحيث صرّح بأنّ الفتوى عليه في كثير من المعتبرات فيجب أن يعوّل عليه إفتاءً وقضاءً، لأن المفتي والقاضي واجب عليهما الميل إلى الراجح من مذهب إمامهما، ولا يجوز لهما الأخذ بمقابله لأنّه مرجوح بالنسبة إليه".
والذي يتبيّن من هذه الأقوال جميعاً أنّ وجوب أداء القيمة في الرخص والغلاء هو القول المفتى به في مذهب الحنفية كما ذكر في البزّازية والذخيرة والخلاصة عن المنتقى وفي العقود الدرّية وفي رسالة التمرتاشي (بذل المجهود في مسألة تغيير النقود)، وفي رسالة ابن عابدين (تنبيه الرقود) وغيرها من معتبرات كتب المذهب كما ذكر التمرتاشي وابن عابدين.
ثانياً : ذكر ابن عابدين في رسالته (تنبيه الرقود) رأي الإمام أبي حنيفة المذكور في كثير من معتبرات كتب المذهب [ وهو ردّ المثل وعدم الاعتداد بالقيمة عند تغيّر النقود] وأنّ هذا الرأي متفق عليه. وقد بيّن أنّ هذا الاتفاق كان قبل رجوع أبي يوسف عن هذا الرأي. قال ابن عابدين: "فإن قلت يُشكل على هذا ما ذُكر في مجمع الفتاوى من قوله "ولو غلت أو رخصت فعليه ردّ المثل بالاتفاق"، قلتُ: - أي ابن عابدين - لا يشكل، لأنّ أبا يوسف كان يقول أولاً بمقالة الإمام، ثمّ رجع عنها وقال ثانياً: الواجب عليه قيمتها كما نقلناه فيما سبق عن البزّازية وصاحب الخلاصة والذخيرة. فحكاية الاتفاق بناءً على موافقته للإمام أولاً كما لا يخفى".
ثالثاً : نقل ابن عابدين أيضاً عن فتاوى قاضي خان أنهّ "يلزمه المثل" . ومعنى ذلك أنّ قاضي خان يرى رأي الإمام أبي حنيفة في وجوب ردّ المثل وعدم الاعتداد بالقيمة وهو الرأي المرجوح في المذهب الحنفي وغير المفتى به. وبناءً على ذلك فإنّ ما نقل عن فتاوى قاضي خان في مسألة المهر المسمّى وأنّ واجب الزوج دفعه مهما رخص أو غلا يكون أيضاً رأياً غير معمول به، فضلاً عن أنّ قاضي خان يذكر فيه حالة ما إذا كان المهر من الدراهم، ولم يميّز بين ما إذا كانت هذه الدراهم مغشوشة فينطبق عليها حكم الفلوس وتدفع قيمتها عند الأداء، وبين ما إذا كانت هذه الدراهم لا غشّ فيها فإنّه يجب عندها دفع المثل بلا خلاف. يقول ابن عابدين: "ثمّ اعلم أنّ الظاهر من كلامهم أنّ جميع ما مرّ إنّما هو في الفلوس والدراهم التي غلب غشّها كما يظهر بالتأمّل، ويدلّ عليه تعليلهم لقول أبي حنيفة بعد حكايتهم الخلاف بأنّ الثمنيّة بَطُلت بالكساد، لأنّ الدراهم التي غلب غشّها إنّما جعلت ثمناً بالاصطلاح، فإذا ترك الناس المعاملة بها بطل الاصطلاح فلم تبقَ ثمناً، فبقي البيع بلا ثمن فبطل. ويدلّ عليه أيضاً تعبيرهم بالغلاء والرخص، فإنّه إنّما يظهر إذا كانت غالبة الغش تقوّم بغيرها. وكذا اختلافهم في أنّ الواجب ردّ المثل أو القيمة، فإنّه حيث كانت لا غشّ فيها لم يظهر للاختلاف معنى، بل كان الواجب ردّ المثل بلا نزاع أصلاً" .

ثمّ يذكر ابن عابدين أنّ اعتبار القيمة يتعلّق فقط في الفلوس والدراهم المغشوشة إذا غلت أو رخصت حيث يقول: "والذي يغلب على الظنّ ويميل إليه القلب أنّ الدراهم المغلوبة الغشّ أو الخالصة، إذا غلت أو رخصت لا يفسد البيع قطعاً، ولا يجب إلاّ ما وقع عليه العقد من النوع المذكور فيه، فإنّها أثمان عرفاً وخِلقة، والغشّ المغلوب كالعدم. ولا يجري في ذلك خلاف أبي يوسف، على أنّه ذكر بعض الفضلاء أنّ خلاف أبي يوسف في مسألة ما إذا غلت أو رخصت إنّما هو في الفلوس فقط، وأمّا الدراهم التي غلب غشّها فلا خلاف له فيها".
رابعاً : وبناءً على ذلك فإنّ النقود الورقيّة تُقاس على الفلوس من حيث قلّة قيمتها الذاتيّة وتعرّضها للغلاء والرخص الذي يبرّر الرجوع إلى القيمة. أمّا لو كان المهر محدّداً بدراهم فضّية أو دنانير ذهبية فإنّ لها قيمة ذاتيّة مهما غلت أو رخصت، فيجب ردّ المثل فيها ولا يُلجأ إلى القيمة. وهذا التفريق مبنيّ على التفريق بين أثمان الخلقة وهي الذهب والفضّة، وأثمان الاصطلاح وهي الفلوس والنقود الورقيّة.
خامساً : وبما أنّ المهر في الزواج سواء اعتبرناه نِحلة أو أجراً حسب الخلاف الذي ذكرناه فيما سبق، فإنّ البحث ليس في تعديله أو زيادته، وإنّما ينصبّ الكلام حول مقدار هذا المهر الذي تراضى عليه الزوجان، وأنّ هذا التراضي هل حصل على عدد معيّن من الليرات، أو على القيمة الفعلية لهذه الليرات. فالرجوع إلى القيمة لا يعني زيادة في المهر أو تعديلاً له، وإنّما هو تفسير لما تراضى عليه الزوجان على ضوء هبوط قيمة الليرة اللبنانية. كما أنّ الرجوع إلى القيمة لا يعني أبداً تعديل الاتفاق حول المهر المبرم بين الزوجين، وإنّما هو تطبيق لهذا الاتفاق يراعي الإرادة الحقيقية للطرفين. وإذا كانت المادة 301 من قانون الموجبات والعقود تنصّ على أنّه (عندما يكون الدَّيْن مبلغاً من النقود يجب إيفاؤه من عملة البلاد) فإن هذه المادة تتناول إيفاء الدين في الظروف العاديّة. أمّا في الظروف الاستثنائية الحالية حيث هبطت قيمة الليرة اللبنانية مئات المرّات، فإنّ هذا القانون لا ينصّ عليها. وقد شعرت الدولة اللبنانية بهذا الواقع فأصدرت قانون الإيجار رقم 162/92 الذي وزّع عبء انهيار قيمة الليرة اللبنانية على طرفي عقد الإيجار في محاولة لتحقيق نوع من العدالة. وإنّ الرجوع إلى أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة في مسألة المهر المؤجّل المحدّد بالليرة اللبنانية بعد تدهور قيمتها بشكل فاحش يُعتبر ملزماً من الناحية القانونية للمحاكم الشرعية ريثما تصدر قوانين جديدة في هذا الموضوع.
سادساً : ولا يُقال إنّ بحث ابن عابدين وقبله أبي يوسف، يتناول عقود البيع والمعاوضات الماليّة فقط، ولا علاقة له بالمهور، لأنّ مراجعة أقوال ابن عابدين وأبي يوسف تؤكّد الحديث عن البيع أو القرض، مهما كان سبب هذا القرض. أُنظر قوله: "عليه قيمتها من الدراهم يوم وقع البيع، أي في صورة البيع، ويوم وقع القرض، أي في صورة القرض" .
بل وقع التصريح بدخول المهور في مسألة الرخص والغلاء، قال ابن عابدين: "وإن كان قرضاً أو مهراً يجب ردّ مثله، هذا كلّه قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف: يجب عليه قيمة النقد الذي وقع عليه العقد من النقد الآخر يوم التعامل. قال القاضي: الفتوى في المهر والقرض على قول أبي يوسف" .
كما نقل ابن عابدين عن البزّازية: "وفي النّكاح يلزمه قيمة تلك الدراهم".
************






الحق الثالث : الحق فى العدل فى المعاملة . ( )
يثور الحديث عن الحق فى العدل بمناسبة الكلام عن تعدد الزوجات ، وقبل الخوض فى الحديث عن العدل لا نجد مفرا من التنبيه على عدة الأمور :
1- التعدد فى الواقع المصرى :
حسب الإحصاء الصادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء فى مصر فى النصف الثانى من عامنا هذا 2005 ، فإن المتزوجين بأربع بلغوا (32420) اثنين وثلاثين ألفا وأربعمائة وعشرين رجلا ، والمتزوجون بثلاث بلغوا (83500) ثلاثا وثمانين ألفا وخمسمائة رجلا ، والمتزوجون من اثنتين بلغوا (152000 ) فقط مائة واثنان وخمسون ألفا .وكان التقرير الصادر عام 2001 يشير إلى أن نحو 340 ألفا من الرجال يتزوج الواحد منهم أكثر من امرأة واحدة ، وأن جملة المتزوجين تصل إلى 22مليونا و69ألفا ، منهم 11.224 مليون من الذكور مقابل 10.884 مليون أنثى .
أما العزباء فقد بلغوا وبلغن نحو تسعة ملايين شخص بنسبة 66.12% من البالغين من السكان البالغ عددهم وقتئذ 68 مليون ( أوشك العدد الآن أن يجاوز 72 مليونا ) وبلغ عدد المطلقات 206 الف امرأة ، مقابل 58 ألف رجل طلقوا ولم يتزوجوا ، وبلغ عدد النساء الأرامل مليونين وخمسة وثمانين ألف امرأة ، مقابل 287 ألف أرمل .
وتشير الإحصاءات فى مجملها إلى أن عدد الذكور فى الجملة ، وفى إجمالى العزباء يزيد عن الإناث بقرابة المليون ونصف المليون .


2- التشنيع على التعدد بناء على الإحصاء :
تخلص القراءات العجلة للإحصاءات المذكورة إلى أننا لسنا بحاجة البتة إلى تعدد الزوجات كوسيلة إلى علاج مشكلات العنوسة ، فعدد الذكور يفوق عدد الإناث ، وهذا حق إذا تجاهلنا عدد المطلقات والأرامل ، وأيضا قد يكون الراصدون محقين إن كان كل العزباء سواء ، خصوصا من حيث القدرة المادية والإنسانية والاجتماعية على الوفاء باحتياجات الزوجة ، وحيث أنهم ليسوا كذلك فلا ينبغى أن يخدعنا الإحصاء العددى ، وكذلك لا ينبغى أن يغيب عن البال أن ليس كل الزوجات سواء ، فمنهن المريضة التى لم تعد قادرة على الوفاء برغبة الزوج المشروعة ، ومنهن التى اختبرها الله بالعجز عن الإنجاب ، وهاتين ومن على شاكلتيهما إما أن يظللن زوجات مع زوجات أخريات ، أو ننقلهن من قائمة الزوجات إلى قائمة المطلقات .

3- الإنكار على النسوة الراغبات فى التعدد :
ومن عجب أنه فى الوقت الذى يطالب فيه الكثيرات بحق من شاء فى التعبير عما يشاء من خلال منابر شرعية كالجمعيات ونحوها ، وإن كان ما يعبر عنه مما يرده ديننا وأعرافنا ، وإن كان المعبرون لا يجاوزون العشرات ، فوجئنا باحتجاج من يدعين أنهن مهمومات بشأن المرأة المصرية على تأسيس جمعية خيرية مصرية أشهرت باسم جمعية التيسير المصرية ومؤسستها الصحفية هيام دربك ، وتنادي الجمعية بتعدد الزوجات كحل لمشكلة العنوسة في المجتمع المصري بوجه أخص ،والعربي عموما ؛ إذ دعت هيام دربك صاحبة الفكرة إلى تعميم الفكرة في المجتمعات العربية بتأسيس فروع للجمعية في العراق وفلسطين والإمارات والمملكة العربية السعودية.
وشهدت الفكرة ردود أفعال شديدة من جانب النائبات المصريات في البرلمان وغيرهن ، وأثرن ضجة كبيرة في المجتمع المصري وصل صداها إلى البرلمان .
إذ حذرت النائبات في مذكرات وأسئلة عاجلة، وزيرة التأمينات الاجتماعيةالسابقة الدكتورة أمينة الجندي، من خطورة إعلان موافقتها على قرار إشهار تأسيس هذه الجمعية، وطالبن بتوضيح موقف الوزارة من الجمعية التي أشهرت في إبريل من العام الماضي، وشعار الجمعية "زوجة واحدة لا تكفي" وهو نفس عنوان المقال الذي نشرته بجريدة شباب مصر الإلكترونية على شبكة الإنترنت وقالت فيه: (وأقر وأعترف أنني أقوم الآن بمحاولة لتزويج زوجي رغم حبي له وأنا مستعدة لأن أخطب له من يريدها لأنني واثقة أن أجري كبير ـ إن شاء الله ـ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) بل إنها توافق على أن تتزوج ابنتها من رجل متزوج بشرط أن يعدل بينها وبين زوجته الأخرى ولا تمانع في أن يأتي يوم يتزوج فيه زوج ابنتها من أخرى .

4- من علماء الأزهر من يمهد لمنع التعدد :
منذ سنوات طويلة مضت كتب العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر مقالة فى تعدد الزوجات بمناسبة تعليقه على تفسير ابن كثير لقوله تعالى " وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا ... النساء.. آية 3 " كتب رحمه الله يقول " نبتت فى عصرنا هذا الذى نحيا فيه نابتة افرنجية العقل ، نصرانية العاطفة ، رباهم الافرنج فى ديارنا وديارهم ، وأرضعوهم عقائدهم ، صريحة تارة وممزوجة تارات حتى لبسوا عليهم تفكيرهم وغلبوهم على فطرتهم فصار هجيراهم وديدنهم أن ينكروا تعدد الزوجات ، وأن يروه عملا بشعا غير مستساغ فى نظرهم ، فمنهم من يصرح ومنهم من يجمجم ، وجاراهم فى ذلك بعض من ينتسب إلى العلم من أهل الأزهر ، والمنتسبين للدين ، والذين كان من واجبهم أن يدفعوا عنه ، وأن يعرفوا الجاهلين حقائق الشريعة ، فقام من علماء الأزهر من يمهد لهؤلاء الافرنجى العقيدة والتربية للحد من تعدد الزوجات ، زعموا ، ولم يدرك هؤلاء العلماء أن الذين يحاولون استرضاءهم لا يريدون إلا أن يزيلوا كل أثرلتعدد الزوجات فى بلاد الإسلام ، وأنهم لا يرضون عنهم إلا إن جاروهم فى تحريمه ومنعه جملة وتفصيلا ، وأنهم يأبون أن يوجد على أى وجه من الوجوه ، لأنه منكر بشع فى نظر سادتهم الخواجات ...... حتى يقول عن حجج هؤلاء : إن أول ما اصطنعوا من ذلك أن اصطنعوا الشفقة على الأسرة ، وعلى الأبناء خاصة ، وزعموا أن تعدد الزوجات سبب لكثرة المتشردين من الأطفال ..... وزعموا أن إباحة التعدد مشروطة بشرط العدل ، وأن الله سبحانه أخبر بأن العدل غير مستطاع ، فهذه أمارة تحريمه عندهم ......... حتى يقول رحمه الله والقوم أصحاب هوى ركب عقولهم لا أصحاب علم و لا استدلال ، يحرفون الكلم عن مواضعه ويلعبون بالدلائل الشرعية من الكتاب والسنة ما وسعهم اللعب كتحريفهم قصة خطبة على بن أبى طالب كرم الله وجهه بنت أبى جهل بغية استخلاص باطل مفاده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى – دون إبداء السبب من قبل المزيفين - أن يتزوج على - كرم الله وجهه - ثانية على فاطمة .

و تصديقا لحكاية الشيخ فإن الأعجب من غضب النائبات - الثائرات على السيدة الصحافية هيام دربك - هو- وحسبما ذكرت الصحافة على لسانها - جواب الأستاذة الدكتورة آمنة نصير أستاذ الفلسفة الإسلامية الذى يتغافل عن جملة أسباب التعدد فلا يرى منها إلا ما يقال عن أثره فى علاج العنوسة ، بينما يتبنى نظرة مثالية إن أمكن تحقيقها – وهو شاق جدا – فلن يكون قبل سنوات مديدة ، ودون إشارة منها إلى أن التعدد حل إلهى له ضوابطه ، تقول الدكتورة آمنة : أرى أن الدعوة لتعدد الزوجات بدعوى القضاء على العنوسة أو تأخر سن الزواج لدى الشباب هي دعوة خلت من الحكمة، فلابد من البحث عن جذور المشكلة، فالمشكلة ليست في زيادة عدد الذكور عن الإناث حتى نقول بزواج الرجل بأكثر من واحدة، بل لقد ثبت العكس في آخر إحصائية رسمية بأن عدد الذكور يفوق عدد الإناث بمليون ونصف تقريباً، مما يعني أن المشكلة بحاجة إلى حل آخر حقيقي، مثل خفض قيمة المهر وتيسير الأمور بالعودة لصحيح الإسلام والتطبيق الحقيقي لحديث الرسول بتزويج الفتاة متى تقدم لها حسن الدين والأخلاق، ولكن للأسف فهناك العديد من الأسر الآن تبحث عن صاحب المال وليس صاحب الدين، ويظهر هذا في مراسم الأفراح ومظاهر البذخ الشديد والإنفاق بتبذير شديد على حفلات الأفراح).
وتضيف د. آمنة أن الإسلام لم يترك الأمر على مصراعيه فيما يتعلق بالتعدد: (وما حدث في هذه الدعوة أرى أنه فرقعة ودعاية إعلامية، ففي حال التعدد تسعى كل زوجة للفوز والانتصار على الأخرى وفي الغالب فهي تتجه هنا للإنجاب بكثرة لتوطيد وضعها من زوجها، وهذا يعني مزيداً من المشكلات للمجتمع وزيادة سكانية نعاني منها جميعاً من سنوات في التعليم والسكن وفي كل مناحي الحياة، كما أن العقل يقول أن نزوج الشباب غير القادر فعلاً لا أن أزوج الرجل المتزوج فعلياً، وأترك الشاب المسكين المحروم من الزواج، يجب إنشاء مشاريع للشباب وتوفير فرص العمل لهم، والتيسير عليهم).
وحين أخبرتها – الكلام للسيدة التى أجرت مع سيادتها الحديث الصحفى - أن صاحبة الفكرة نفسها تقول إنها لا مشكلة لديها أن يتزوج زوجها من أخرى قالت: (هذا كلام من طرف اللسان وليس جاداً ولا حقيقياً، والمجتمع لا يحتمل هذا النوع من الهزار، والتسطيح للقضية الخطيرة التي يعاني منها المجتمع، فيجب الانتباه إلى أن الزواج الثاني يخلق مشكلات كثيرة للأسر ويخلق قلاقل وتصدعا في استقرار البيوت القائمة فعلاً، ونحن بحاجة إلى "روشتة" علاج حقيقية بعيداً عن هذا الهزل).
و نأتى على حديث السيدة الدكتورة من آخره فنذكرها بأن ما تصفه بالهزر والهزل أقرب إلى نصوص الشرع وروحه مما تدعيه سيادتها من الجد .
وما تدعيه حضرتها من أن الزواج الثانى يخلق مشكلات كثيرة ، ويخلق قلاقل وتصدعا فى استقرار البيوت القائمة فعلا فجوابه أن المشاكل لا يخلو منها بيت على الإطلاق ، حتى بيت النبوة لم يخلو من المشاكل ، ودواوين السنة شاهدة بذلك ، بل إن البعض من الناس ليس له إلا زوجة واحدة ، ومع ذلك فهي تكيل له من العناء والتعب ما لا طاقة له به ، فأمر المشاكل ليس عائقاً عن التعدد .
وما يدعى من أن العدل غير مستطاع ، وهذه أمارة تحريمه ، فإنه أخذ ببعض الكتاب وكفر ببعضه ، فقول الله فى ذلك بتمامه { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما }النساء 129 فالقصد فى الآية ليس نفى العدل ، وإنما نفى العدل التام ، وهذا لا يلغى السبب ، وإنما يحذر فقط من الميل فى المستطاع .
وفى دراسة للأستاذ محمد زيدان تحت عنوان " فقه الأسرة مساحات الاجتهاد والاتباع " منشورة بموقع " لها أون لاين " بحث سيادته مسألة الثابت والمتغير من أحكام الأسرة ، وإذ أكد على أن التعدد من الأحكام الثوابت فإنه حرص على أن يبرز بعض أوجه حكمة مشروعيته ، ويبرز من ذلك قوله :
" على خلاف ما قد يبدو للكثير من الناس، فإن تعدد الزوجات هو وسيلة من وسائل حماية المجتمع وصيانة أفراده من الانحراف والتشرد والضياع. يدل على هذا قولُه تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا} النساء 3 .
إن القارئ لهذا النص القرآني الكريم، لا شك أنه سيتساءل عن العلاقة بين الإقساط في اليتامى -أي العدل فيهم بإعطائهم حقوقهم- وتعدد الزوجات؟ وكيف يكون تشريع تعدد الزوجات مقتضياً وموجباً للعدل في اليتامى؟
والجواب: أن لليتيم حاجات تتجاوز حاجة الجسم من الأكل واللباس والمأوى؛ حاجات عاطفية ونفسية وتربوية لا تقلّ في أهميتها عن الحاجات الجسمية، والواقع العملي وأحكام الشرع (الإسلامي) تظهر أنَّ هذه الحاجات في الغالب تُلبَّى عندما تتزوج أمّ اليتيم فيكون لليتيم في هذه الحالة أب بديل وجوّ أسريّ بديل وإخوة وأخوات من أمه، وتكون علاقة زوج الأم بربيبه أو ربيبته (أولاد الأم من الزوج السابق) مشابهة في الغالب لعلاقته بأولاده لصلبه، حتى إنه يحرَّم عليه شرعاً الزواج بربيبته، كما يحرم عليه الزواج من ابنته.
أم اليتيم :
والواقع يُظهر أنَّ أمّ الأيتام في الغالب لا تتزوَّج إلا في مجتمع يكون فيه الطلب على النساء كثيراً والعرض قليلاً، وهذا الوضع لا يتحقق عادة إلا في مجتمع يشيع فيه تعدد الزوجات. في مثل هذا المجتمع وحده تُتاح فرصة الزواج لكل امرأة مهما كان لديها من موانع الرغبة فيها كزوجة؛ مثل أن تكون أرملة مصبية، أي ذات أولاد. وبالعكس فإنَّ المجتمعات التي لا يشيع فيها تعدد الزوجات، تتحدد فيها فرصة الأرامل في الزواج، حتى إنَّه مع مرور الوقت يصبح زواج الأرملة عيباً أو محرَّماً بحكم التقليد.
معنى ما تقدَّم أنَّ شيوع تعدد الزوجات في مجتمع ما، يجعل فرصة النساء في الزواج كبيراً، فحتى الأرملة ذات الأيتام سوف تجد الرجل المناسب الذي يرغب في زواجها، فإذا تزوَّجت فاء ظلّ الأب البديل على أولادها اليتامى ونعموا بالجوّ الأسري كأيّ أطفال عاديين لم يُصابوا بفقد أبيهم، وبذلك يتحقق في هذا المجتمع الوفاء لليتيم بحقوقه، أو كما جاء في الآية الكريمة (الإقساط فيه).

ومع هذا فإن اختلال العدل ليس من لوازم التعدد فكثيرا ما يغيب مع الزوجة الواحدة ، وأنقل هنا كلاما - أحسبه يدفع فى الاتجاه الصحيح - للدكتور أحمد عبد الله يقول سيادته " وإنني أتامل في هذا العدل الغائب داخل بيوتنا حين تهدر أبسط الحقوق الشرعية، وبخاصة حقوق النساء التي أوصى الله بها ورسوله كثيرا، وأشعر كأن هناك تواطئا بين كبار الظالمين وصغارهم، فهؤلاء يسطون على قوت العباد، ويستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، وأولئك من صغار الظالمين يستقلون بالعنف الأسري، والبطش الذكوري، في غياب الردع الاجتماعي، والوازع الديني والأخلاقي، وقوة القانون طبعا..
صغار الظالمين هؤلاء مطلقو السراح والأيدي في التنكيل بالقوارير والأطفال، وأحيانا ينقلب الوضع فتنتزع المرأة سوط الظلم باسم القانون، أو في ظل أوضاع نفسية أو أسرية مختلة، وبالجملة تتحول بيوتنا إلى سجون، وإلى معامل تفريخ لأجيال كاملة من الجاهزات والجاهزين لاستقبال بطش السلاطين، وظلم الأمراء بابتسامة عريضة أو بعدم اكتراث؛ لأنهم يعرفون الظلم، وتعودوا عليه في البيوت، وصاحبهم طويلا من المهد إلى اللحد!!!
تأملت أن العدل في بيوتنا لا يكاد يذكر إلا حين يأتي الحديث إلى تعدد الزوجات فنتذكر أن العدل بينهن واجب، ويفوتنا أن العدل مع الزوجة الواحدة فريضة أسبق قبل الحديث عن التعدد أو التفكير فيه، وننسى أن العدل بين الأبناء فريضة تجب طالما زاد عددهم عن "واحد"!!
بل إن العدل مطلوب مع الواحد.. في اختيار أمه واسمه .. وحسن تربيته... إلخ .

وأخيرا فإننا نختم بشىء من أدب الرافعي رحمه الله قال: "يتهموننا بتعدد المرأة على أن تكون زوجة لها حقوقها وواجباتها -بقوة الشرع والقانون- نافِذةً مُؤدّاةً، ثم لا يتهمون أنفُسهم بتعدد المرأة خليلةً مُخادِنةً ليس لها حق على أحد، ولا واجب على أحد، بل هي تتقاذفها الحياة من رجل إلى رجل، كالسِّكّير يتقاذفه الشارع من جدار إلى جدار " وهو نفس ما ينقل عن الفيلسوف الغربى شوبنهور من قوله " ولقد أصاب الشرقيون مرة أخرى فى تقريرهم لمبدأ تعدد الزوجات لأنه مبدأ تحتمه وتبرره الإنسانية ، والعجيب أن الأوربيين فى الوقت الذى يستنكرون فيه هذا المبدأ نظريا يتبعونه عمليا ، فما أحسب أن بينهم من ينفذ مبدأ الزوجة الواحدة على وجهه الصحيح " .

الضوابط الشرعية للتعدد :
التعدد قضية محسومة من قبل الشرع ، فلا مجال للرأي فى قبولها أو رفضها مبدأ ، وهي سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم ، ، لقد جاء التشريع بالتعدد ولا يمكن أن يشرع المولى جل وعلا أمراً يكون فيه ضرر وظلم للناس ، فذلك لا يتصور ، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، ومن اعتقد مثل ذلك الأمر فقد هوى ، وضل عن الهدى ، وكفر كفراً مبيناً ، وزاغ عن الصراط المستقيم ، واتبع غير سبيل المؤمنين ، ولكن التعدد وفق ضوابطه الشرعية المحكمة من لدن حكيم حميد هو ما جاز ، فمن كانت له زوجتان فأكثر فإنه يجب عليه أن يعدل بينهن ، ولا يحل له بحال أن يخص إحدى زوجاته بشيء دون الأخريات ، من النفقة والسكنى والمبيت والهدية وحتى الابتسامة ، فإذا تبسم في وجه الأولى كان لزاماً عليه أن يتبسم في وجه الأخرى ، هذا شرع ربنا ، وسنة نبينا ،فالعدل أساس التعدد ، وقد جاء الوعيد الشديد لمن كانت عنده امرأتان فلم يعدل بينهما ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من كانت له امرأتان يميل مع إحداهما على الأخرى جاء يوم القيامة وأحد شقيه ساقط " [ أخرجه الخمسة وغيرهم ، بسند صحيح ] ، وفي رواية : " من كانت له امرأتان يميل لإحداهما على الأخرى ، جاء يوم القيامة يجر أحد شقيه ساقطاً أو مائلاً " ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل " ، وفي هذه الأدلة دليل على تأكيد وجوب العدل بين الضرائر ، وأنه يحرم ميل الزوج لإحداهن ميلاً يكون معه بخس لحقهن ، إلا أن يسمحن بذلك .
على أنه يجب أن يراعى أن الله الذي فطر النفس البشرية ، يعلم من فطرتها أنها ذات ميول لا تملكها ، ومن ثم أعطاها خطاماً لينظم حركتها فقط ، لا ليعدمها ويفقدها بالكلية ، من هذه الميول أن يميل القلب البشري إلى إحدى الزوجات ويؤثرها على الأخريات ، فيكون ميله إليها أكثر من الأخرى أو الأخريات ، وهذا ميل لا حيلة فيه ، ولا يملك محوه أو التخلص منه ، فالله تبارك وتعالى لا يحاسبه على أمر خارج عن إرادته ولا حول له فيه ولا قوة ، فلا يكون الرجل موزعاً بين ميل لا يملكه ، وأمر لا يطيقه ، فأمر القلب خارج عن إرادة بني البشر فلا يملكه إلا الخالق سبحانه ، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي في القسم بين نسائه ويقول : " اللهم هذا قسمي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك " [ أخرجه الخمسة ، وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود صـ 164ـ ] ، لكن هناك من العدل ما هو داخل في إرادتهم ، فهناك العدل في المعاملة ، والعدل في القسمة ، والعدل في المبيت ، والعدل في النفقة ، والعدل في الحقوق الزوجية كلها ، حتى الابتسامة في الوجه ، والكلمة الطيبة باللسان ، وهذا هو المطالب به الأزواج ، .
وكذلك الجماع ، فقد ينشط الزوج للواحدة ما لا ينشط للأخرى ، فإذا لم يكن ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه ، فإنه مما لا يستطيعه فلم يتعلق به تكليف ، لهذا لا يقبل أن تشترط فى أدائه المساواة ،ولكن اشترط القسم بين الزوجات ،وتقرر كواجب شرعي ، تتعلق به حقوق الزوجية بين الزوجين ، وعماد القسم هو الليل ، لأنه مأوى الإنسان إلى منزله ، وفيه يسكن إلى أهله وينام على فراشه ، والنهار للمعاش ، والاشتغال ، والنهار يتبع الليل فيدخل في القسم تبعاً ، قالت عائشة رضي الله عنها : " قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي " وإنما قبض نهاراً ، وهو تبع لليلة الماضية . وعن عروة رضي الله عنه قال : قالت عائشة رضي الله عنها : " يا ابن أختي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا ، وكان قل يوم إلا وهو يطوف علينا جميعاً ، فيدنو من امرأة من غير مسيس حتى يبلغ التي هو يومها فيبيت عندها " [ أخرجه أحمد وأبو داود بإسناد حسن ، وصححه الحاكم ] ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يطوف على زوجاته ويتفقد أحوالهن ولكن من غير جماع ، أو مبيت ، ولا يكون مبيته إلا عند التي هو يومها ، وهذا من عدله صلى الله عليه وسلم ، وقسمه بين زوجاته رضوان الله عليهن ، لأنه لو لم يتفقد أحوال الواحدة إلا في يومها ، لكان في ذلك مشقة عليهن لكثرتهن ، ولاحتياج كل واحدة لشيء من متطلبات الحياة ، فكان عليه الصلاة والسلام يطوف عليهن ويداعبهن ويلاطفهن من غير جماع ، وذلك لتطمئن نفوسهن ، مع أن الله تعالى لم يوجب على نبيه القسم بين نسائه وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، فله أن يرجي من يشاء منهن ويؤوي إليه من يشاء ، وأن أعينهن قارة بذلك وراضية به ، لأنه أمر الله تعالى ، ومع ذلك فكان عليه الصلاة والسلام أعدل الناس مع نسائه ، وأعظمهم قسماً لهن . وكان تفقده صلى الله عليه وسلم لنسائه بعد صلاة العصر ، ويشهد لذلك حديث عائشة رضي الله عنها قالت : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى العصر دار على نسائه ثم يدنو منهن . . . الحديث " متفق عليه .
إذن محصلة الضابط هو العدل فى المقدور خصوصا الوفاء بحاجات الزوجات الجسدية ، والقسم فى الوقت والمبيت ، والقدرة على الإعالة والنفقة ، ونحو ذلك مما يمكن أن تجرى عليه طرق الإثبات .

تعدد الزوجات فى القوانين المعاصرة :
نجحت القوى المعارضة للتعدد فى فرض رؤيتها على الهيئات المضطلعة بالتقنين ، غير أنها نجحت بالمطلق فى تركيا وتونس ، وفى خصوص هذه الأخيرة صدرت مجلة الأحوال الشخصية وفى (الفصل 18) منها ما نصه "تعدد الزوجات ممنوع، كل من تزوّج وهو في حالة الزوجية وقبل فك عصمة الزواج السابق يُعاقب بالسجن لمدة عام وبخطية قدرها مائتان وأربعون ألف فرنك، أو بإحدى العقوبتين، ولو أن الزواج الجديد لم يبرم طبق أحكام القانون.
ويعاقب بنفس العقوبات كل من كان متزوجا على خلاف الصيغ الواردة بالقانون عدد 3 لسنة 1957 المؤرخ في 4 محرم 1377 (أول أوت 1957) والمتعلق بتنظيم الحالة المدنية، ويبرم عقد زواج ثان ويستمر على معاشرة زوجه الأولى".
وفى بعض البلدان الأخرى لم ينجح معارضو التعدد فى إقرار الحظر ، ولكنهم نجحوا فى تقييده بإذن المحكمة المختصة بعد التأكد من ظروف الطالب الاجتماعية وقدرته المادية والصحية ، وأخذ بذلك القانون الليبى رقم 10 لسنة 1984 ، والقانون العراقى الصادر 1959 والقانون السورى ، وقاربهم فى ذلك مدونة الأحكام المغربية .
وفى مصر وجدت الدعوة إلى تقييد التعدد – بما يشبه الحظر – طريقها إلى التقنين فى مشروع قانون الأسرة المعد فى العام 1967 ، ولكنها لم تر النور فعلا إلا بالقرار بقانون 44 لسنة 1979 ، وحيث أبطل هذا القرار بقانون بالحكم بعدم دستوريته فإن المقنن المصرى أبقى على حياة النص القاضى بتقييد التعدد – بما يشبه الحظر- وضمنه المادة 11 مكررا من القانون 25لسنة 1929 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985 ، ونصها :
على الزوج أن يقر فى وثيقة الزواج بحالته الاجتماعية ، فإذا كان متزوجا فعليه أن يبين فى الإقرار اسم الزوجة أو الزوجات اللاتى فى عصمته ومحال إقامتهن ، وعلى الموثق إخطارهن بالزواج الجديد بكتاب مسجل مقرون بعلم الوصول .
ويجوز للزوجة التى تزوج عليها زوجها أن تطلب الطلاق منه إذا لحقها منه ضرر مادى أو معنوى يتعذر معه دوام العشرة بين أمثالهما ، ولم تكن قد اشترطت عليه فى العقد ألا يتزوج عليها ، فإذا عجز القاضى عن الإصلاح بينهما طلقها عليه طلقة بائنة .
ويسقط حق الزوجة فى طلب التطليق لهذا السبب بمضى سنة من تاريخ علمها بالزواج بأخرى إلا إذا كانت قد رضيت بذلك صراحة أو ضمنا ، ويتجدد حقها فى طلب التطليق كلما تزوج زوجها بأخرى .
وإذا كانت الزوجة الجديدة لم تعلم أنه متزوج بسواها ثم ظهر أنه متزوج فلها أن تطلب التطليق كذلك " .
وحسب ظاهر عبارة النص ، وبصريح قول المذكرة الإيضاحية فإن كل ضرر مادى أو أدبى ، ولو مجرد إصابة الزوجة بالوحشة نتيجة انقطاع الزوج عنها عددا من أيام الأسبوع ، أو لإحساسها بالغيرة والإحباط ، أو لأنه قد تصرف على غير مقتضى المعروف والمروءة فتزوج عليها ، أو لمجرد تضررها من الاستمرار فى عصمة رجل رغما عنها ، كل ذلك يجيز للزوجة أن تطلب من القاضى التفريق ، وعلى القاضى بعد الطلب أن يطلقها عليه طلقة بائنة إذا عجز عن الإصلاح بينهما .( )
ولكن وبمناسبة الطعن على هذا النص أمام المحكمة الدستورية العليا فإنها وإن قضت بدستورية النص ( ) إلا أنها فسرته – وتفسيرها ملزم – تفسيرا مضيقا جدا عما كان يسعى إليه ممروه ، ومجمل قضائها أن هذا النص ينطوى على تطبيق خاص للتطليق للضرر ، وهو باعتباره كذلك يعد فرعا لأصل يرد إليه ، وليس للفرع امتياز على الأصل الذى يلحق به ، ومقتضى ذلك أن يفسر النص المطعون عليه على نحو يوفق بين أحكامه وقوله تعالى " وعاشروهن بالمعروف " وكذلك يفسر على ضوء القاعدة الشرعية الكلية " لا ضرر و لا ضرار " والقواعد الجزئية المتفرعة عنها ، وعلى ما انتهت إليه المحكمة فى حكمها الذى التزمته من بعد محكمة النقض المصرية ( ) فإن المادة 11 مكررا تفسر فى الإطار التالى :
1- لا يعد مجرد الزواج بأخرى فى حد ذاته ضررا مفترضا يجيز للزوجة طلب التطليق ، إذ أن من حق الزوج أن ينكح من الزوجات مثنى وثلاث ورباع .
2- أن حق الزوجة التى تعارض الزواج الجديد لا يقوم على مجرد كراهيتها لزوجها لتزوجه بأخرى ، وإنما يجب عليها أن تقيم الدليل على أن ضررا منهيا عنه شرعا قد أصابها بفعل أو امتناع من زوجها ، على أن يكون هذا الضرر حقيقيا لا متوهما مستقلا بعناصره عن واقعة الزواج اللاحق فى ذاتها ، وليس مترتبا عليها .
3- أن يكون هذا الضرر مما لا يغتفر لتجاوزه الحدود التى يمكن التسامح فيها شرعا ، منافيا لحسن العشرة بين أمثالها بما يخل بمقوماتها ، ويعد إساءة دون حق اتصلت أسبابها بالزيجة التالية وكانت هى باعثها .
4- إذا رفعت الزوجة دعاها فى الموعد المحدد وارتكنت إلى المادة 11 مكررا فى ضوء هذا التفسير فإن على القاضى قبل إجابة إلى طلبها بذل محاولات الصلح بينهما فإن عجز طلقها على زوجها طلقة بائنة .
وإعمال النص فى هذا الإطار لا ينافى مبادىء الشريعة الإسلامية ، ويتفق مع قول الله تعالى " و لا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا " .
وسنعود إلي هذا الموضوع مرة أخرى عند حديثنا عن الطلاق للضرر
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:29 am

الحق الثالث
النفقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة
لعلنا لا نجاوز الحقيقة إن قلنا إن النفقات هى البحث الأهم فى دائرة الحقوق الزوجية ، فهى الحق المتجدد ، والعوز الباقى ببقاء الحياة ، ولأنها تستمر فالنزاعات حولها تكثر وتتنوع على خلاف المهر ، وإذ يمكن الصبر على الوطر ، بل والعيش دون قضائه ، وإن تضجرت نفس المحروم نوعا ما فإن العيش دون ضـــــرورات النفقة فقدان تام للأمن ، وفى الحـــديث الشريف " من أصبح منكم آمناً فى سربه ، معافى فى بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا " ( )حيث يدل بظاهره على أن الحاجة لا تذهب إلا بأمن النفس ( ) من عوادى الأرض وضواريها ، وأعين الناس وأيديهم ، وأعاصير الرياح ، ومطر السوء ، وأكثر ما يحقق ذلك هو المسكن ، ويتعافى البدن بالسلامة من الأمراض المهلكة ، أو المقعدة ، ومن أسباب السلامة، أن يكسى الجسد بما يقيه قيظ الصيف ، وبرد الشتاء ، وهذه عافية الدنيا، أما عافية الدين والخلق فمن أسبابها لباس يوارى السوءات ويستر العورات ، والحاجة إلى القوت لا تحتاج إلى عناء إثبات ، إذ لا يمكن للمرء أن يعيش بمعزل عن الطعام والشراب ، ولهذه الأهمية القصوى أوجب الشارع الحكيم لمن لا يقدر على الاستطعام بنفسه أن يطعم بواسطة ، كالرضيع فقد أوجب الله إطعام المرضع ، لأن الطعام لا يصل إلى الأول إلا بواسطتها . ( )
ونظراً لأهمية هذه الحاجات الثلاث الأساسية ، فإنها تستحق للفرد – فى ماله أو مال غيره – على الدوام ، لأن قطعها مضر بالنفس أو الدين ، وقياما بها أوجبها الله فى مال الآخرين ما لم يكن للمحتاج إليها مال ، أو له ولكن لا يكفيه ، ولهذا أبيحت المطعومات من المحرمات فى المخمصة ، وامتنع حق الدائنين فى المال اللازم لنفقه المفلس ، هو ومن تلزمه نفقته وكسوتهم كأدنى ما يلزم لمثله ومثلهم ، لأن ذلك مما لابد منه ، ولا تقوم النفس بدونه ، قال ابن قدامة ولا أعلم فيه خلافاً ( ) وقال: لا تباع داره التى لا غنى له عن سكناها ، وقال جماعة تباع ويكترى له بدلها ( ) ، فعلى القولين لا يحرم من محل للسكنى وإن كان له مطالب
ومن ناحية أخرى فإن النفقة لا تلزم للزوجة حال قيام الزوجية حقيقة فحسب ، وإنما تجب للزوجة حكما ، وهى المعتدة من طلاق رجعى ، بل لعموم المعتدة فى عدتها – إلا فى حالات استثنائية – على ما أخذ القانون ، وفوق ذلك فإن النفقة تجب للأولاد والأقارب بشروط خاصة ، ومن هنا فإننا نفضل لو جمعنا أسباب النفقة فى صعيد واحد .
ولكثرة احتياج المستهدفين بالدراسة فإننا آثرنا أن نعالج استفسارات النفقة بطريقة مختلفة ، شرفنا بعرضها على فريق من الخبراء القانونيين والشرعيين – عن طريق المجلس القومى للمرأة فى مصر ، وكانت قد أعدت كطلبه - برئاسة الأستاذة الدكتورة فوزية عبد الستار ، وكم أثلج صدرنا ثناء اللجنة المحترمة على مضمون وشكل هذه المعالجة ، ولهذا فأننا آثرنا أن ننشر المعالجة كما أقرتها لجنة الحكماء . ونسلك فى ذلك طريقين
أولهما : شرح أبرز المبادىء الضابطة فى مادة النفقة فى عبارة مختصرة .
والثانى : استعراض أكثر الاستفسارات الدائرة حول النفقات والإجابة القانونية عليها بإيجاز نحسبه يفى بالغرض .








- 1-
أهم المبادىء الحاكمة فى مادة النفقة
أولا :تعريف النفقة والاستدلال على مشروعيتها
تعريف النفقة :
النفقة اسم من الفعل الرباعى (أنفق) ويجئ على معنيين :
أولهما : النفاد ، تقول: أنفقت المال : أى أفنيته ، وأنفق الشخص : إذا فنى زاده ، ونفقت الدابة : إذا ماتت ، وهى بهذا مشتقة من النفاق ، أى الهلاك أو الموت .
والثانى : الرواج ، يقال : نفقت " بفتحات ثلاث " السلعة نفاقا – بفتح النون- إذا راجت وكثر طلابها .
وقد غلب إطلاق النفقة في معنى ما ينفقه الإنسان على عياله ونحوهم ، وهى بهذا المعنى تتضمن معنى ما اشتقت منه ، إذ فيها هلاك المال بالنسبة للمنفق ، ورواج الحال بالنظر إلى المنفق عليه .

وفى اصطلاح – أى تعارف- الفقه الإسلامي تستخدم النفقة بإطلاقين
1- إطلاق عام وبمقتضاه يقصد بالنفقة : الإدرار – أى الدفع المنتظم - على الشىء بما به – أو بما فيه - بقاؤه ، وهذا هو الاستخدام الغالب في خطة كثير من الفقهاء وهو ما عليه بعض الحنفية ، وبتتبع استعمالات لفظة النفقة في القرآن الكريم نجدها غالبة في هذا المعنى ، أى القيام بما يحتاج إليه المنفق عليه .
2- والغالب عند الحنفية والجمهور إطلاق لفظ النفقة على الطعام فقط ، وعلى ما قال ابن عابدين فإن هذا من قبيل الإطلاق العرفى .، وحسب تفسير الإمام محمد بن الحسن الشيبانى – أحد فقهاء المدرسة الحنفية- فإن النفقة تعنى عند عدم التحديد الحاجات الثلاث الرئيسية وهى المطعم والملبس والمسكن ، وما عدا هذه الثلاث لا يدخل تحت معنى الكلمة دون ذكر ، ومثال ذلك البدلات والأجور .

وقد غلب هذا الاستعمال الأخير على الدلالة القانونية في مصر، حتى استقر العمل على أن للنفقة معنى خاص يقصد به الطعام فقط ، ومعنى عام يشمل الطعام والكسوة والسكنى .
والأصل أنه إذا أطلق - أى ورد دون تحديد - لفظ النفقة كان معنى ذلك أن المقصود هو الطعام فقط ، وعلى ذلك فإذا تضمنت صحيفة الدعوى طلب الحكم بفرض نفقة للمدعية على المدعى عليه تقيد القاضي بالحكم بنفقة طعام فقط دون سواه ، فإذا أريد الحكم بفرض نفقة ملبس ومسكن أيضا كان لابد وأن يطلب ذلك في صحيفة الدعوى أو يطلب الحكم بنفقة شاملة .
ومعنى ذلك أنه لن يحكم بالكسوة والسكنى دون طلب صريح ، أو طلب الحكم بنفقة شاملة ، ولكن طلب (نفقة شاملة ) لا يحقق رغبة طالبة – أو طالب- النفقة في الحكم له بأجور أيا كان نوعها – مثل أجر حضانة ، أجر رضاع ، أجر مسكن ، إلخ - ، كما لا يحقق حاجة الطالب في الحكم له بمصاريف العلاج أو بدل الفرش والغطاء ، فكل هذه أمور خارجة عن مدلول النفقة ، ويتعين للحكم بها أو بأى منها أن تطلب صراحة في الدعوى ،فإن لم تطلب امتنع على القاضي الحكم بها حتى لا يقضى بغير ما يطلب الخصوم .ولا يغير من هذه الحقيقة نص المادة الأولى من المرسوم بقانون 25 لسنة1920 والمعدلة بالقانون 100 لسنة 1985 على أن " تشمل النفقة الغذاء والكسوة والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك مما يقضى به الشرع " لأنه لم يبين مشتملات النفقة بيان حصر ، وإنما أضاف إلى النفقة كل ما يقضى الشرع باعتباره من النفقة ، وهو ما يطلق عليه الفقهاء " شبه النفقة" .
وانتقاد هذا التحديد ليس مجاله هنا ، لذا فإننا فقط ننبه طالبات النفقة الشاملة والبدلات والأجور ومصاريف العلاج إلى هذا الذي يجرى عليه العمل في المحاكم المصرية ، حتى لا يضطررن إلى تعديل الطلبات ، أو الحاجة إلى ادعاء جديد .

مشروعية النفقة :
كلامنا هنا في النفقة التي تجب للشخص على غيره ، زوجا كان أو قريبا ، والشرع الإسلامى ممثلا في القرآن والسنة حافل بتقرير هذا الحق ، وعليه أجمع علماء المسلمين سلفا وخلفا ، أما عناية الفقهاء ببيان أدق تفصيلاته فحدث عنها ولا حرج ، ففيها من تنويعات الحلول ما تتهاوى عنده مدائح الفحول ، ويقينى أن كل من خبرها يرفع عند القدح فيها صيحة ( ألا ليت قومى يعلمون ) .
وعلى كل حال فإن نفقة الزوجة واجبة على زوجها بمقتضى عقد الزواج الصحيح ، وأساس هذا الوجوب الأدلة من القرآن والسنة والإجماع والمعقول .
ومن روعة تقرير الوجوب في القرآن أن الله تعالى نص عليه في الحالات الأدنى ليتقرر في النفوس واجبا في الحالات الأعلى من باب أولى :
فالله سبحانه يوجب السكن المريح للمطلقة في عدتها منبها بذلك على أن وجوبه حال قيام الزوجية يثبت من باب أولى ، قال تعالى " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن . الطلاق6"
ويقول " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف . البقرة 233 " فيوجب النفقه في الحال التي تتشاغل فيه المرأة بولدها عن استمتاع زوجها ، فوجوبها في حال استمتاعه بها يثبت من باب أولى ، ويوجب الله الإنفاق على المطلقة الحامل ، " فإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " ولاشك أن إيجابها على غير المطلقة يكون أولى .
وفى تقنين تعدد الزوجات ينبه الله سبحانه إلى دور النفقة في جواز أو عدم جواز التعدد فيقول " فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا .النساء3" والمعنى أن أول الجور عدم العدل في النفقة ، وأظهر أسبابه كثرة العيال ، فلولا وجوب النفقة لما كان لخشية العيال تأثير . وأصرح من ذلك في تقرير هذا الوجوب قول الله تعالى " لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله . الطلاق 7" حيث يوجبها في حالتى اليسر والعسر .
ويؤخذ من مجموع الآيات وتنوعها أن النفقة واجبة للزوجة وجوبا أكيدا في عموم أحوال الرجل من السعة والضيق ، وفى عموم أحوال المرأة من السلامة والعذر، حتى كانت النفقة محذورا من محاذير التعدد .
وفى السنة المشرفة أحاديث كثيرة يكفينا منها ، قول النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ( ....اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه – أى لا يدخلن بيوتكم أحدا بغير إذن منكم – ولهن عليكم رزقــــهن وكسوتهن بالمعروف " وما جاء في حديث عائشة أن هند – زوج أبى سفيان- جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله : إن أبا سفيان رجل شحيح ، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدى إلا ما أخذت منه سرا وهو لا يعلم ، فهل علىّ في ذلك من جناح ؟ فقال صلى الله عليه وسلم " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف " وهو واضح الدلالة أن للزوجة – ولأولادها إن لم يكن لهم ( أى الأولاد فقط) مال – على الزوج ما يكفيها من غير سرف ولا تقتير ، وقد أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ قدر ما يكفيها وولدها ، ولو بغير إذنه ، ولو لم تكن النفقة واجبة في مال الزوج لما إذن لها بذلك " .

وعلى وجوب النفقة للزوجة في مال الزوج أجمع المسلمون في كافة العصور ، وإجماعهم حجة شرعية معتبرة .
وسنشير إلى بقية الأدلة تباعا كلما وجدت المناسبة تفاديا للتكرار .

ثانياً :الأصل أن نفقة كل إنسان فى ماله
القاعدة فى الشريعة الإسلامية أن نفقة كل إنسان فى ماله ، ويدل على ذلك ما جاء فى القرآن الكريم من تفصيل الكلام فى أموال اليتامى وإنفاقهم منها وجواز أن يأكل المنفق من مالهم بالمعروف ، وكما حكى القرطبى – صاحب التفسير المعروف – فإن العلماء أجمعوا على أنه : لو أن رجلا له ولد طفل وللطفل مال والأب موسر أنه لا يجب على الأب نفقة و لا إرضاع ، وأن ذلك من مال الصغير . وخالف فى هذا الرأى أهل الظاهر إلا أنهم قصروا التزام الأب أو وارث الرضيع قبل الفطام بالنفقة عليه وإن كان له مال.
وعلى ما أجمع عليه الفقهاء من أن الأصل أن نفقة كل إنسان تجب فى ماله – عدا الزوجة – استقر العمل فى مصر فاطردت الأحكام على أنه " متى كان الصغير ابناً أو بنتاً ذا مال حاضر فإن نفقته تجب فى ماله ولا تجب فى مال أبيه لأن المقرر شرعاً أن نفقة الصغير الموسر فى ماله وإن كان الأب موسراً ، وأنه إذا التزم بنفقة الصغير غيره ولو كان أباً فإن التزامه يعد من قبيل التزام ما لا يلزم " وتأكد هذا العمل تشريعياً بصدور القرار بقانون 44/1979 ومن بعده القانون 100/1985 بإضافة نص تحت رقم (المادة 18 مكرر ثانياً ) حيث نص على أنه " إذا لم يكن للصغير مال فنفقته على أبيه . وتستمر نفقة الأولاد على أبيهم إلى أن تتزوج البنت أو تكسب ما يكفى نفقتها وإلى أن يتم الابن الخامسة عشر من عمره قادراً على الكسب المناسب فإن أتمها عاجزاً عن الكسب لآفة بدنية أو عقلية أو لسبب طلب العلم الملائم لأمثاله ولاستعداده أو بسبب عدم تيسر هذا الكسب استمرت نفقته على أبيه ... الخ النص.
وحيث حاول المشرع فى المادة 18 مكرراً ثالثاً من المرسوم بقانون 25/1929 والمضافة بالقانون 100/1985 الالتفاف حول هذا الأصل فإن محكمتنا الدستورية أبطلت عليه قصده فحكمت بعدم دستورية المادة 18 مكرر ثالثاً فيما نصت علية وتضمنته من :
أولاً : إلزامها المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره من مطلقته وحاضنتهم ولو كان لهم مال حاضر يكفى لسكناهم أو كان لحضانتهم مسكن تقيم فيه مؤجراً كان أم غير مؤجر.

ثالثاً :نفقة الزوجة تجب فى مال زوجها وإن كانت موسرة
يستثنى من الأصل السابق نفقة الزوجة ، فهذه تجب في مال زوجها وإن كانت موسرة ، على هذا اجمع علماء المسلمين ، والسر في ذلك أن نفقة الزوجة تجب في مقابل احتباسها وقصرها نفسها على زوجها بمقتضى عقد الزواج ، وتفرغها لواجبات الحياة الزوجية ، وهذا سيرا على قاعدة :أن كل من حبس نفسه لمنفعة غيره كانت نفقته واجبة على هذا الغير ، كالقاضي وغيره من موظفي الدولة فهؤلاء تجب نفقتهم - كرواتب وأجور –على الدولة لأن عائد عملهم يعود على الجميع.
ويترتب على ثبوت هذا الحق أمور أبرزها :-
1- أن إعداد بيت الزوجية يلتزم به الزوج وحده فلا يلزم المرأة أن تتجهز إلى زوجها بشئ أصلاً لا من صداقها الذي أصدقها ، ولا من غيره من مالها ، أما ما يجري عليه العرف من مشاركة المرأة في الجهاز فهو من رأي المالكية ، فكما في تبصرة الحكام " " والمتعارف من أحوال النساء فيما يوسعن به على أزواجهن من أموالهن إنما يردن بذلك موادات الأزواج ، واستدامة عصمتهن معهم ، وتقمن مسرتهم " .
ويخفف من غلواء هذا العرف أن الجهاز يثبت في قائمة المنقولات على أنه حق الزوجة وليس للزوج فيه إلا الانتفاع معها ما دامت الزوجة باقية ، فإن طلقت الزوجة أخذته.
3- أن مال الزوجة لها وإن كانت عاملة لا تكلف شيئاً من مصاريف بيتهما إلا إذا ارتأت هي المعاونة في المعيشة حباً وتفضلاً . وليس لأحد عليها في ذلك سبيل ، وإن كان من فقهاء الشافعية والحنابلة من يقول بانتقاص نفقة المرأة العاملة بقدر انشغالها عن بيتها . ولاشك أن هذا القول وإن كان مرجوحاً في الفقه الإسلامي إلا أنه يقدم حلاً عملياً لمشكلة المرأة العاملة ، ولا يخفي أنه مرعى في الواقع المعاصر إلى حد كبير.

رابعـــــــــــاً :ضوابط استحقاق نفقة الزوجية
وفقاً للمادة الأولى من المرسوم بقانون 25 لسنة 1920 والمعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 فإنه يشترط لوجود نفقة الزوجة على زوجها ما يلي :-
1- أن يكون عقد الزواج بينهما صحيحاً ، ويكون العقد غير صحيح متى فقد شرطاً من شروط الصحة ، كأن تكون المرأة محرمة على الرجل تحريماً مؤبداً أو تحريماً مؤقتاً ، أويتم الزواج دون شهود . ولا يعتبر فقداُ للصحة الزواج بغير توثيق والمعروف بالزواج العرفي ، لأن المقرر قانونا أن التوثيق شرط لسماع دعوى الزوجة عند الإنكار.
2- وجود الاحتباس المحقق للغرض المقصود من الزواج وهو المعاشرة ودواعيها ويتحقق متى لم تمانع المرأة في الانتقال أو الإقامة بمسكن الزوجية ، حتى ولو لم تنتقل إليه بالفعل ، ما دام الزوج لم يطلب انتقالها أو طلب ولكنه لم يهيئ المسكن الشرعي ، أو هيأ كل شئ إلا أن مرضه أو عجزه حال بينه وبين استيفاء حقه الشرعي من زوجته ، المهم أن الاحتباس يوجد متى لم تمانع المرأة في تسليم نفسها لزوجها ، ولا تعتبر الممانعة وإن فات الاحتباس متى كان سبب ذلك يرجع إلى الزوج ، ولكن إن فات الاحتباس المحقق للغرض المذكور ، وهو صلاحية المرأة لاستيفاء مقاصد النكاح منها ، بسبب يرجع إليها وإن كانت معذورة فيه فلا حق لها في النفقة ومن ذلك مثلاً أن تمرض المرأة قبل انتقالها إلى مسكن الزوجية ، وإن تكون صغيرة صغراً لا تصلح معه للمعاشرة الجنسية ،- مع الأخذ فى الاعتبار أن القانون المصرى يمنع من توثيق الزواج مالم يكن الرجل قد بلغ الثامنة عشرة من عمره ‘ والمرأة السادسة عشرة من عمرها وقت الزواج ، الأمر الذى يعنى عملا أن امتناع الزوجة بسبب صغر سنها لم يعد قائما عملا - أوأن تحبس ولو بغير حكم ، أو يمنعها أولياؤها من الانتقال إلى زوجها.
3- ومما يلحق بهذا الشرط الثاني شرط عدم نشوز المرأة أو تفويتها حق الاحتباس على زوجها ، وتنشز المرأة كلما فوتت على زوجها الحق فى الاحتباس بغير حق ، وهو في الحقيقة تفصيل للشرط الثاني.
4- وكشرط قضائي فإن المحكمة لا تفرض النفقة إلا إذا ظهر مطل الزوج وعدم إنفاقه على زوجته ، ولا تكفي الشكاية فإذا لم يظهر مطل الزوج لا يقضي عليه بالنفقة.

خامساً :تقدير النفقة ومشتملاتها ووسائل الحصول عليها
1- تقدير النفقة :
في تعريفنا النفقة ذكرنا أن القانون مال إلى الأخذ بالمعنى الضيق في تعريف النفقة ولكن لم يعرف النفقة تعريفا جامعا مانعا ، حيث وردت عبارة المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 المعدلة بالقانون 100 لسنة 1985 بلفظ " تشمل النفقة الغذاء والكسوة والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك مما يقضي به الشرع " فلم يكن بيان مشتملات النفقة بيان حصر وإنما أضافت إلى النفقة ما أطلق عليه الفقهاء شبه النفقة " أي الأمور التي لا يطلق عليها في الفقه الحنفي مصطلح نفقة وإنما هي تشبهها باعتبار أنها تلزم من تجب عليه النفقة ، وأبرز هذه الأشياء : الأجور والبدلات ومصاريف العلاج ، وتظهر قيمة هذا التحديد متى كان المطلوب الحكم به مبلغاً من النقود.
ومعنى ذلك أن قدر ما تحكم به المحكمة من نفقة يتحدد وفق جملة من الضوابط :
أولها : مشتملات الطلب ، فمن تطلب نفقة شاملة ( مطعم – ملبس – مسكن ) مثلاً لن يحكم لها بداهة بقدر ما يحكم به متى طلبت بالإضافة إلى ذلك الحكم لها بأجر حضانة ومصاريف علاج ، ونحو ذلك .
ثانياً : وأيا كان الطلب فإن قدر ما يحكم به يقدر وفقاً للمادة 16 من المرسوم بقانون 25/1929 - مستبدلة بالقانون 100 لسنة 1985 – " بحسب حال الزوج وقت استحقاقها يسرا أو عسرا ، على ألا تقل في حالة العسر عن القدر الذي يفي بحاجتها الضرورية".
فالمعول عليه في التقدير هو حال الزوج وقت استحقاق النفقة يسرا وعسرا دون اعتبار لمكانة المرأة أو مركزها الاجتماعي.
كما أنه لا عبرة بيسار أبي الزوج وأن كان الزوج يعيش في كنف أبيه.
وحيث كانت العبرة بحال الزوج وقت الاستحقاق فإن وعد الزوج زوجته بمقدار معين من النفقة في ذات يوم زواجه منها أو بعد ذلك ، وتعليق هذا الوعد على الامتناع عن الإنفاق عليها لا اعتبار له ، ولا يكون ملزما ، إذ لا يخرج عن أن يكون الدافع له ترغيبها في الزوجية ، فلا يتقيد القاضي به وله أن يفرض ما دونه.
وسائل الحصول على النفقة :
النفقة إما أن تفرض بالتراضي أو بالتقاضي مع مراعاة أن القضاء لا يفرض للزوجة نفقة إلا إذا ظهر مطل الزوج وعدم إنفاقه على زوجته .
وفي الحالين فإن النفقة تفرض عينا ، أو نقداً ، وتسمى الأولى نفقة تمكين ، وغالباً ما تكون في حال الوفاق ، حيث يقوم الزوج على حاجة أهله جميعها ، فيوفر للزوجة المأكل والملبس ويسكنها حيث يسكن دون تضييق ، ويعـالجها إذا مرضت إلخ .
وأحياناً تفرض نفقة التمكين بحكم القضاء ، والمثال الأبرز لذلك تمكين الزوجة من المسكن الشرعي ، وتمكين المطلقة الحاضن وصغارها المحضونين من الاستقلال بمسكن الزوجية ما لم يهيئ لهم المطلق مسكناً أخر مناسباً ، وتمكين المطلقة من مسكن الزوجية طوال مدة عدتها.
والوفاء بالنفقة تمكينا لا يمنع من فرضها تمليكا أو بدلا بمعنى أن يدفع إلى الزوجة مبلغاً نقديا يشمل عناصر النفقة المطلوبة وتتولى هي الإنفاق على نفسها.
والغالب في النفقة المفروضة قضاء أن تكون بدلاً أي مبلغا نقدياً يشمل عناصر المطلوب نفقة ، ولكن هذا لا يمنع قطعا أن تلزم المحكمة الزوج بالوفاء بعين النفقة ، وقد حسمت المحكمة الدستورية العليا الجدل حول هذا الحكم بنصها على أن الأصل في النفقة أن تكون عينا ، فلا يصار إلى ما يقابلها باعتباره عوضها أو بدلها إلا إذا كان استيفاء أصلها متعذراً … وتقول " هذا الأصل قائم على الأخص في مجال العلائق الزوجية ".
وبداهة فإنه لن يسأل عن وسيلة الحصول على النفقة في حال الوفاق ، وإنما يثار هذا في حال الخلاف التي تستوجب التدخل القضائي ، والحق أن المشرع المصري لم يدخر جهداً في سبيل تمكين المرأة من استيفاء حصتها في النفقة بوسائل عدة لعل أخرها إصدار القانون رقم 11 لسنة 2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة . وسنعرض لهذه الوسائل في حديثنا عن حماية حق المرأة في النفقة.

سادسا :مظاهر حماية حق المرأة في النفقة :
من القواعد الراسخة أنه لا قيمة لحق لا يجد طريقة إلى النفاذ ، وحفاظاً على حق المرأة في النفقة فإن المشرع قد يسر لها سبل الحصول عليها بوسائل عدة ، بل لم يزل – كلما وجدت عقبة في التطبيق – يصدر من التشريعات ما يرفع به العنت عن المرأة ، وقد كان أخرها كما ذكرنا القانون 11 لسنة 2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة ، وكما نوهنا ونكرر فإن كل مظاهر هذه الحماية لابد وأن تكون مما لا يخالف الشريعة الإسلامية وإلا كانت عرضة للطعن عليها بعدم الدستورية.
ويمكننا حصر مظاهر هذه الحماية على النحو التالي
1- إيجاب نفقة الزوجة على زوجها من مبدأ العقد الصحيح حتى ولو كانت موسرة أو مختلفة مع زوجها في الدين ( م 1 من القانون 25 لسنة 1920 ).
2- اعتبار التسليم الحكمي كافياً لحصول شرط الاحتباس .
3- استبعاد مرض الزوجة المدخول بها من موانع استحقاق النفقة ، بل والنص على مصاريف العلاج كجزء من مشتملات النفقة.
4- التوسع في مشتملات النفقة باعتبار أن كل ما يقضي به الشرع من مشتملاتها ، دون تحديد لذلك .
5- التضييق من أسباب سقوط النفقة ، والتشدد في إثبات تفويت المرأة حق الزوج في الاحتباس ، بإلزام الزوج بتوجيه إنذار للزوجة في الدخول في طاعته ، وتقديم ما يدل على تخلف المرأة عن الاعتراض على هذا الإنذار خلال الموعد القانوني ، أو رفض اعتراضها إن كان ( مادة 11 مكرار ثانياً من القانون 25 لسنة 1929 والمستبدلة بالقانون 100 لسنة 1985 ).
6- اعتبار نفقة الزوجة دينا على الزوج من تاريخ امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه مع مراعاة أن دعوى النفقة عن مدة ماضية لا تسمع عن مدة ماضية أكثر من سنة نهايتها تاريخ رفع الدعوى ولا تسقط نفقة الزوجة إلا بالأداء أو الإبراء.
7- النفقة المفروضة بالتراضي كالنفقة المفروضة بالتقاضي غير أنها لا تستحق إلا من تاريخ التراضي أو من التاريخ الذي ينص عليه في الاتفاق . وللزوجة المطالبة بالمتجمد منها من تاريخ الاتفاق دون أن تكلف بإقامة الدليل على عدم الوفاء في الفترة السابقة على رفع الدعوى.
8- إذا تبين للزوجة أن النفقة التي تراضت عليها دون الحد المناسب فلها أن تلجأ إلى القاضي لزيادتها وفي حالة إجابتها إلى طلبها تكون الزيادة من تاريخ الاتفاق وليس من تاريخ الحكم.
9- الأحكام الصادرة بالنفقات لا تحوز إلا حجية مؤقتة لأنها مما يقبل التغيير والتبديل ويرد عليها الزيادة والنقصان بسبب تغير الظروف .
10- في حال طلب زيادة المفروض من النفقة فإنه يحكم بفرض الزيادة – متى وجدت دواعيها – من تاريخ استحقاقها أي من تاريخ تغير الحالة المالية ، وهو لاشك أسبق على تاريخ رفع الدعوى ومن باب أولى تاريخ صدور الحكم . وهذا هو أقرب الآراء إلى حكم المادة 16 من القانون 25/1929 مستبدلة بالقانون 100/1985.
11- لا يقبل من الزوج التمسك بالمقاصة- أى خلاص الحق - بين نفقة الزوجة وبين دين له عليها إلا فيما يزيد على ما يفي بحاجتها الضرورية.
12- يكون لدين النفقة امتياز على جميع أموال الزوج ويتقدم في مرتبته على ديون النفقة الأخرى ( مادة 77 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي فى مسائل الأحوال الشخصية والصادر بالقانون رقم 1 لسنة 2000م.
13- للزوجة طلب الإذن لها باستدانة النفقة المحكوم بها ضد الزوج من الغير ، ويكون للغير الحق في الرجوع بالدين على الزوج مباشرة ، ومن فوائد التصريح بالاستدانة أنه إذا توفى الزوج أصبحت النفقة ديناً للزوجة في تركة الزوج.
14- على القاضي في حال قيام سبب استحقاق النفقة وتوفر شروطه أن يفرض للزوجة ولصغارها من الزوج – في مدى أسبوعين على الأكثر من تاريخ رفع الدعوى نفقة مؤقتة بحاجتها الضرورية وذلك بحكم غير مسبب واجب النفاذ فوراً إلى حين الحكم بالنفقة بحكم واجب النفاذ.
15- تعفى دعاوي النفقات وما في حكمها من الأجور والمصروفات بجميع أنواعها من كافة الرسوم القضائية في كل مراحل التقاضي ( مادة 3 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي … )
16- تختص المحكمة الجزئية بنظر الدعاوي المتعلقة بالنفقات وما في حكمها من الأجور والمصروفات بجميع أنواعها ، أيا كان المبلغ المطلوب الحكم به ، ( والمحكمة الجزئية هي دائماً أقرب محكمة ففي دائرة كل قسم أو بندر أو مركز توجد محكمة جزئية هى أقرب ما يكون إلى طالبة النفقة وهذا مما يخفف من عنت الانتقال ).
مع ملاحظة أن الاختصاص بنظر الدعاوى المذكورة ينعقد للمحكمة الابتدائية متى كانت مرتبطة بدعوى طلاق أو تطليق أو تفريق جسماني ، فهذه الدعاوى مما تختص بالفصل فيه المحكمة الابتدائية ، وواضح أن هذا استثناء على الاختصاص العام لا تتأثر به الزوجة إلا إذا كانت طرفاً في دعوى طلاق أو تطليق ، فمثلاً الزوجة التي ترفع دعوى بطلب التطليق لعدم الإنفاق يجب أن ترفعها أمام المحكمة الابتدائية لا الجزئية ( المادتان 9 ، 10 من قانون إجراءات التقاضي ).
17- يخير طالب – طالبة – النفقة من كل من الأولاد والزوجة والوالدين والحاضنة بين رفع الدعوى ( بالنفقات والأجور وما في حكمها ) أمام المحكمة الجزئية التي تقع بدائرة موطنها – أو موطنه - أو أمام المحكمة الجزئية التي تقع بدائرة موطن المدعي عليه . ( مادة 15 من قانون تنظيم إجراءات التقاضي ).
18- لا يلزم توقيع محام على صحيفة الدعاوي المرفوعة أمام المحكمة الجزئية والمتعلقة بالنفقات والأجور وما في حكمها فإذا تبين للمحكمة – الجزئية – ضرورة وجود محام انتدبت محاميا للدفاع عن المدعي – ويحدد الحكم الصادر في الدعوى أتعابه على أن تتحملها الخزانة العامة ( م 3 من قانون تنظيم إجراءات التقاضي ).
19- تنفذ الأحكام الصادرة بالنفقات نفاذا فوريا دون استلزام الانتظار بصيرورة الحكم نهائياً بصدوره استئنافياً ، أو بفوات مواعيد الطعن ، بل لا يوقف الإشكال في تنفيذ حكم النفقة إجراءات تنفيذه.
20- يخير من صدر لصالحه حكم بالنفقة بين ثلاث طرق للتنفيذ
أ- التنفيذ بطريق الحجز على ممتلكات المحكوم ضده عقارية كانت أم منقولة.
ب- التنفيذ بالطريق الودى بالتراضى .
ج- التنفيذ عن طريق بنك ناصر الاجتماعي علماً بأن المشرع ألزم بنك ناصر الاجتماعي بأداء ما يحكم به للزوجة أو المطلقة أو الأولاد أو الوالدين من النفقات والأجور وما في حكمها ، على أن تتولى جهات العمل إعانة ببنك ناصر في التنفيذ وذلك بخصم المبالغ المحكوم بها في الحدود التي يجوز الحجز عليها من المرتبات وما في حكمها والمعاشات وإيداع مبلغ الخصم خزانة البنك فور وصول طلب الخصم إلى جهة العمل ودون حاجة إلى إجراء آخر، كما ألزم المحكوم عليه، متى كان من غير ذوى المرتبات أو الأجور أو المعاشات وما في حكمها، أن يودع المبلغ المحكوم به خزانة بنك ناصر الاجتماعي أو أحد فروعه . ( المواد 72 – 76 من قانون تنظيم إجراءات التقاضي .
وتمكينا لبنك ناصر الاجتماعي من أداء النفقات والأجور وما في حكمها صدر القانون رقم 11 لسنة 2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة ، ونص في مادته الثالثة على أن يكون أداء بنك ناصر الاجتماعي للنفقات والأجور وما في حكمها … من حصيلة موارد الصندوق ويؤول إلى الصندوق المبالغ التي يتم إيداعها أو استيفاؤها وفقاً لأحكام المواد 73 ، 74 ، 75 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي.

21- للمحكوم عليه له طلب الحكم على المحكوم ضده القادر على القيام بأداء ما حكم به وأمر بالأداء ولم يتمثل لأمر المحكمة طلب الحكم بالحبس وتجيبه المحكمة إلى طلبه وفق ضوابط خاصة . ( مادة 76 مكررا من قانون تنظيم إجراءات التقاضي ).

سابعاً :أسباب سقوط نفقة الزوجية :
وفق الفقرتين الرابعة والخامسة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25 لسنة 1920 المعدل بالقانون 100 لسنة 1985 نظم المشروع المصري أحكام سقوط نفقة الزوجة عن زوجها ، فأورد على سبيل المثال جملة من الحالات التي تسقط – مع قيامها – نفقة الزوجة عن زوجها ، وجميعها تعد تطبيقا للسبب العام لسقوط النفقة إلا وهو " فوات الاحتباس بسبب لا دخل للزوج فيه ، وسواء كان هذا الفوات باختيار الزوجة أو اضطرت إليه ".
وعلى ذلك فإن نفقة الزوجة تسقط عن زوجها في الحالات الآتية :-
1 - إذا ارتدت الزوجة عن الإسلام . سواء اعتنقت بعد ردتها دينا أخر ، أو صارت ملحدة بلا دين.
ويستوي أن تكون ردة الزوجة قبل الدخول أو بعده فبالردة تقع الفرقة بين الزوجين ومتى كان السبب من قبل الزوجة سقطت النفقة عن الزوج.
2- إذا امتنعت الزوجة مختارة عن تسليم نفسها لزوجها دون وجه حق .
ويكون امتناع الزوجة قبل الدخول برفضها إتمام الزواج دون وجه حق ، فلو امتنعت بحق كان امتناعها مشروعا لا يسقط نفقتها .
ويكون الامتناع بحق في الحالات الآتية :
أ- إذا لم يوف الزوج زوجته عاجل صداقها [ أي مقدم الصداق ] الذي اتفقا علي تعجيله.
ب- إذا لم يعد الزوج لزوجته بيت الزوجية المشتمل على مرافقه الصحية وأدواته الضرورية اللازمة لها ، واللائقة بحال الزوج ، الآمن الخالي من سكن الغير .
ج- ومما يتصل بالحالة السابقة إذا وجد بمسكن الزوجية ضرة للزوجة أو من لا تجب على الزوج مساكنتهم من أهله.
د- إذا كان الزوج غير أمين على نفس زوجته أو مالها في حال السفر بها ، أو الإقامة بها بين جيران غير صالحين.
هـ- سفر الزوجة سفرا مشروعاً.
و- إذا كان الزوج لا يقدر على إتيان النساء.
ز- إذا كان الزوج محبوساً ولو بدين عليه لزوجته حتى وإن كان غير قادر على أداء الدين.
3 - إذا اضطرت الزوجة لعدم تسليم نفسها لزوجها بسبب ليس من قبله ، كما لو جلست ، أو اعتقلت ، المهم أن يكون فوات الاحتباس لا يرجع إلى سبب يرتبط بالزوج.
4- خروج الزوجة من منزل الزوجية بدون إذن زوجها وذلك إذا انتفت الضوابط التي حددتها الفقرة الخامسة لمشروعية الخروج .
وحسب الفقرة الخامسة فإن الخروج يكون مباحاً ومن ثم لا تسقط به نفقة الزوجة في الحالات الآتية :-
أولاً : أن يكون خروج الزوجة من مسكن الزوجية مباحاً بحكم الشرع ، ويتعين الرجوع إلى كتب الفقه الحنفي للتعرف على الحالات التي يباح فيها للزوجة الخروج ولو بدون أذن زوجها.
وأبرز ما نص عليه الحنفية في هذا الخصوص.
أ- خروج الزوجة إلى والديها في كل أسبوع مرة إن لم يقدرا على إتيانها.
ب- خروج الزوجة لرعاية أبيها المريض بعاهة مقعدة ويحتاج إلى رعايتها، قالوا : ولو كان والدها كافراً.
ج- إذا كان للزوجة حق على آخر فذهبت تقتضيه ، أو كان لآخر عليها حق فخرجت لتقضيه ، فخروجها إلى قسم الشرطة أو إلى النيابة العامة أو المحكمة لا يعتبر خروجاً غير مشروع وبالتالي لا يسقط نفقتها.
د- إذا خرجت لتتعلم أمور دينها التي لا يحفظها الزوج مع ملاحظة أن كل ذلك منوط بعدم التعسف في إساءة استخدام الحق.

ثانياً : أن يكون خروج الزوجة مباحاً بمقتضى العرف الصحيح ، أي الذي لا يتعارض مع الكتاب والسنة ، ومثاله خروج المرأة في الواجبات الاجتماعية المعهودة كتهنئة الفرحين ومواساة المكلومين من الأهل والجيران . بشرط ألا يكون خروجها في المناسبات مشوبا بإساءة استعمال الحق أو منافيا لمصلحة الأسرة.

ثالثاً : أن تخرج المرأة من بيتها مضطرة.
معلوم أن من القواعد الشرعية قاعدة " الضرورات تبيح المحظورات " والدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ".
فإذا وجدت حالة الضرورة بضوابطها الشرعية فإن الواجب يسقط ، والحظر يرفع ، وتطبيق ذلك في الزواج أن يسقط التزام الزوجة بالاحتباس ، ولا يلزمها استئذان الزوج قبل خروجها ، فإن خرجت دون أذنه فلا تأثير لذلك على حقها في النفقة .
ومن أبرز حالات الضرورة : خروج المرأة إذا تعرض المنزل لحريق ، أو أشرف على الانهيار ، أو اضطرت إلى الذهاب إلى الطبيب . ونحو ذلك.

رابعاً : خروج المرأة للعمل المشروع ، ما لم يظهر أن عملها مناف لمصلحة الأسرة ، أو مشوب بإساءة استعمال الحق ، وطلب منها الزوج الامتناع عنه ، ويرجع في تحديد المشروعية للمذهب الحنفى .
ويكون خروج المرأة لعملها متاحا في الحالات الآتية :
1- إذا أذن الزوج لزوجته بالعمل.
2- إذا عملت دون اعتراض منه.
3- إذا تزوجها عالما بعملها.
وفي كل الأحوال فإن هذا الخروج يباح ولا يؤثر في النفقة ما لم يظهر أن عمل المرأة مناف لمصلحة الأسرة ، أو أن خروجها للعمل مشوب بإساءة استعمال الحق ، وطلب منها الزوج الامتناع عنه.
وضابط إساءة استعمال الحق أن يكون ضرر خروجها أكبر من نفعه.
وقد تناولنا جانبا كبيرا من أحكام التسليم والخروج والنشوز عند حديثنا فى الحقوق الواجبة للرجل على زوجته ، وننصح بالرجوع إليها ليكتمل المعنى فى ذهن القارىء والقارئة .
***********

ثامناً : حقوق المطلقة
لا يستطيع أحد أن يزايد على الإسلام في حمايته حقوق المرأة التي تطلق بإرادة زوجها أو بناء على طلبها هي ولكن لضرر أو تقصير يرجع إلى الزوج.
فالإسلام يوجب أن يكون الفراق بالمعروف ، أو بالإحسان ، ويقرر أن المطلقة في عدتها كالزوجة ، فلها ما للزوجة من نفقة ، وكما قلنا من قبل فإن حديث القرآن في النفقات ورد في سورة الطلاق حيث الكلام عن المطلقات مالهن وما عليهن ، ومع النهي الصريح عن التضييق عليهن.
وفضلاً عن ذلك يوجب القرآن للمطلقات متعة ، والمتعة مبلغ من المال يجب للمطلقة جبرا لخاطرها عما لحقها من أذى بسبب الطلاق.
ليس ذلك فحسب ولكن يجب للمطلقة متى انتهت عدتها أو طلقت ولم يكن لها على الزوج –المطلق – نفقة ، يجب لها أجر عما تقوم به من عمل لأولادها من طليقها ، فلها أجر رضاع ولها أجر حضانة ، بل من حقها إن كانت حاضنة وليس لها مسكن أن تستقل مع محضونها بمسكن الزوجية دون الزوج طوال مدة الحضانة ما لم يهيئ لها المطلق مسكناً أخر مناسباً لها وللمحضونين.
وعلى ما انتهت إليه قوانين الأحوال الشخصية حسب آخر تعديلاتها فإنه يثبت للمطلقة الحقوق الآتية :-
1- نفقة عدة ، بصرف النظر عن نوع العدة ، أي سواء كانت بالأشهر أم بالحيض ، أم بوضع الحمل ، وبصرف النظر كذلك عن نوع الطلاق ، أي سواء كان رجعيا أم بائناً ، فقط يلزم أن يكون الطلاق بعد الدخول ، لأن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها ، كما يلزم أن يكون الطلاق بعد عقد زواج صحيح ، فإن كان العقد فاسداً فلا تجب نفقة عدة.
وتستحق المطلقة – بعد الدخول أو الخلوة الصحيحة – النفقة لمدة لا تقل عن ستين يوماً وهي أقل مدة للعدة ،ولا تزيد عن سنة ميلادية ، وهي أقصى مدة لتنفيذ حكم بنفقة عدة.
وتشمل نفقة العدة ما تشمله نفقة الزوجة ، باعتبار أن المطلقة المعتدة هي زوجة حكما أو اعتباريا.
( المادة 2 من المرسوم بقانون 25/1920 معدلة بالقانون 100/1985 . والمادة 17 من المرسوم بقانون 25/1929 ).

2- نفقة متعة ، والمتعة كما ذكرنا عبارة عن تعويض للمطلقة عما أصابها من غضاضة بسبب الطلاق ، ويلزم المطلق الذي أساء استعمال حقه في الطلاق.
وحسب المادة 18 مكررا من القانون 25/1929 والمضافة بالقانون 100/1985 فإن المتعة تجب " للزوجة المدخول بها فى زواج صحيح إذا طلقها زوجها دون رضاها ولا بسبب من قبلها . وتقدر بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسرا وعسرا وظروف الطلاق ومدة الزوجية .
وكما هو واضح فإن المتعة تجب للمطلقة بعد الدخول ، وتعتبر مثل المطلقة بعد الدخول حسب الراجح في المذهب الحنفي المطلقة بعد الخلوة الصحيحة.
وفي كل حال يشترط القانون أن يكون الطلاق صادراً بغير رضا الزوجة ، وبغير سبب من قبلها – أي ناحيتها – وبشرط أن يكون الطلاق بعد عقد زواج صحيح.
وينبغي أن يلاحظ أنه بناء على الراجح في المذاهب الحنفي فإن المطلقة قبل الدخول والخلوة الصحيحة تستحق أيضاً نفقة متعة بشرط زائد على الشروط السابقة ، وهو ألا يكون هناك اتفاق على مهر محدد وهو ما يطلق عليه المهر المسمى ، فــــــــــــإن حدد مهر وجب نصف المحدد ( المسمى ) ولا تجب نفقة متعة ، وإن لم يحدد وجبت متعة لا تزيد على نصف مهر المثل .
وعلى ما قضت به المحاكم المصرية فإن المرأة التي تطلق بحكم المحكمة بناء على طلبها لدفع الضرر الواقع عليها تستحق نفقة متعة كالتي طلقها زوجها دون رضاها ، لأنها في الواقع مكرهة على طلب الطلاق من المحكمة دفعاً لإساءة الزوج لها ، ورفعاً للضرر الواقع عليها.
وإذا أبرأت المرأة زوجها من مؤخر الصداق ومن نفقة المتعة ليطلقها فطلقها على الإبراء فالأصل أنها لا تستحق نفقة متعة إلا إذا أثبتت المطلقة أنها أكرهت على الإبراء ، وعندئذ يتعين على المحكمة إحالة الدعوى إلى التحقيق ، فإن نجحت المطلقة في إثبات ما تدعى اعتبر إبراؤها قد صدر مشوبا بعيب في الرضا مما يبطل الإبراء ، ويتحول معه الطلاق الواقع عليها إلى طلاق رجعي وتستحق المتعة.

ومن أحكام نفقة المتعة :
أ- أنها تستحق باستيفاء شروطها سواء كانت الزوجة قد سمي لها مهر ، أم لم يسم ،مع مراعاة أن المطلقة قبل الدخول والخلوة تستحق نفقة متعة في حدود نصف مهر المثل في حالة عدم التسمية.
ب- لا يسقط حق المطلقة في نفقة المتعة بتكرار الطلاق فكلما طلقت المرأة استحقت المتعة.
ج- تستحق المتعة مهما قصرت مدة الزواج حتى ولو لم يستمر الزواج سوى أيام قليلة.
د- لا يمنع من نفقة المتعة إلا أن يكون الطلاق برضا المرأة أو بسبب يرجع إليها ، فإن كان السبب لا يرجع إليها استحقت المتعة ، ومن ذلك مثلاً إذا طلقت المرأة لأنها عاقر لا تنجب ، فإنها تستحق متعة لأن عدم الإنجاب سبب خارج عن إرادتها .
هـ- يجب ألا يقل مبلغ المتعة المحكوم به للمطلقة بعد الدخول أو الخلوة عن نفقة سنتين كحد أدنى ، وللمحكمة أن تحكم بما يجاوز هذه المدة بالنظر إلى حالة المطلق وظروف الطلاق ومدة الزوجية ، ولا يمنع نص المادة 18 مكرر أن تفرض المتعة لمدة حياة المطلق.
و- المقصود بعبارة " ظروف الطلاق " أي الأسباب الشخصية التي دعت الزوج لإيقاع الطلاق ، ومدى تعسفه في استخدام حق الطلاق.
ز- يجوز للمحكمة أن ترخص للمحكوم عليه – المطلق – بسداد نفقة المتعة على أقساط.
*****************
3- ما تستحقه المطلقة – كأجور أو بدلات لقيامها بواجب نيابة عن الولي الشرعي للطفل كأجر الرضاع أو أجر حضانة أو بدل مسكن ، إلا أن المطلقة لا تستحق أجراً إذا كانت تتقاضى نفقة عدة ، فإن كانت لا تتقاضى نفقة لأي سبب استحقت الأجور المقررة.

ومن أهم أحكام الأجور :-
1- أنها عوض نقدي يدفعه الملتزم بنفقة الصغير لمن يقدم خدمات أوجبها الشرع للصغير كالرضاع والحضانة.
2- وقولنا يدفعه الملتزم بنفقة الصغير معناه أن هذه الأجور تجب على من تجب نفقة الصغير عليه ، فإن كانت نفقة الصغير تلزم الأب المطلق – وهو الغالب – فقد استحقت المطلقة هذا العوض من ماله ، أما إن كانت نفقة الصغير لا تلزم المطلق – وذلك متى كان للصغير مال – فالأجور لا تلزمه ولا تستحقها المطلقة على المطلق.
3- أنها تستحق طول المرحلة الزمنية المشروعة للوفاء بالخدمة لمصلحة الصغير ، فمثلاً الرضاع مدته الشرعية سنتان فيستحق أجر الرضاع لمدة سنتين ، ومدة الحضانة الإلزامية خمس عشرة سنة للفتى والفتاة ، فيستحق أجر الحضانة تبعا لمدتها ، وأجر الرضاع تبعاً لمدته ، مع مراعاة أن الحق في الأجر لا يثبت إلا إذا كانت المطلقة لا تستحق نفقة عدة ، فإن كانت تستحق نفقة فلا أجر لها طول الفترة التي تتقاضي عنها نفقة عدة.
4- أن من بين الأجور ما يعرف بأجر مسكن الحضانة ، ويستحق متى كان المحضون يقيم لدى الحاضنة في ملكها أو مسكنها المؤجر و ليس للصغير مسكن ، ولم يكن لها سكنى على غيرها – كما لو كانت متزوجة من رجل أخر – أو اختارت هي أن تسكن بالمحضون في مسكنها الخاص – مملوكاً أم مؤجراً – عندئذ يجب على من تلزمه النفقة – أجر مسكن حضانة.
وبداهة فإنه يستحق للمطلقة ، متى كانت هي الحاضنة ، وفق الضوابط المذكورة وهي :
1- ألا تكون الحاضنة مقيمة بمسكن الزوجية أو المسكن الذي هيأه لها وللمحضونين مطلقها.
2- ألا تكون الحاضنة مستحقة السكنى على آخر ، فإن كانت تسكن مع أبيها في مسكن واحد ، أو تزوجت من أخر وبالطبع تسكن معه . فلا تستحق أجر مسكن.
3- وأخيراً يستحق الأجر في مال المطلق إذا كان هو الملزم بنفقة الصغير ، ولكن إذا كانت نفقة الصغير تجب في مال الصغير ذاته فالأجور ومنها أجر المسكن تجب على الصغير.
*************

تاسعاً :نفقة الأولاد والأقارب
إحالة ( نفقة كل إنسان في ماله )
في حديثنا في البند ثانياً – من النفقة - قلنا أن نفقة كل إنسان في ماله أصلاً إلا الزوجة فنفقتها تجب في مال زوجها حتى وإن كانت موسرة ، واستثناء من هذا المبدأ فإن نفقة من هم عدا الزوجة كأولاد الشخص وأقاربه تجب على هذا الشخص بشروط خاصة تختلف عن شروط استحقاق نفقة الزوجية.
وأولاد الشخص معروفون ، أما أقاربه فهم قرابته من الدم سواء كانوا أصولاً أم فروعاً أم حواش ، ويستوي أيضاً أم يكونوا من العصبات ( ابن ، أب ، جد ، أخ ، أبن ، أخ …… الخ ) أو من ذوى الأرحام [ أي قرابته من جهة النساء كالجد من ناحية الأم ، والخال ، وابن البنت ، وبنت البنت … الخ .
المهم أننا عندما نتحدث عن الأولاد فإننا نقصد أبناء وبنات الشخص ذاته ، وما عدا ذلك ( كالأبوين ، والأحفاد ، والأخوة والأخوات ) فيطلق عليهم عملا لفظ أقارب.
وغالباً ما يكون المطلوب بالنفقة هو الأب وبذلك نكون أمام نفقة أولاد ، ولكن متى عجز الأب عن النفقة أو مات وليس للأولاد مال فإنهم يطالبون غير الأب بالإنفاق عليهم ، وحينئذ نكون بصدر نفقة أقارب.
- وينظم نفقة الأولاد المادة 18 مكرر ثانياُ من القانون 25/1929 والمضافة بالقانون 100/1985 ، كما تعتبر المادة 18 مكررا ثالثاً تكملة أو تفعيلاً للفقرة الثالثة من المادة 18 مكرر ثانياً.
أما نفقة الأقارب فتخضع قواعدها للقول الراجح في المذهب الحنفي عملاً بالمادة الثالثة من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضي الصادر بالقانون 1 لسنة 2000.
ويمكن الإشارة إلى مجمل الأحكام التي تنظم نفقة الأولاد والأقارب فيما يلي
تنص المادة 18 مكررا ثانياً والمضافة بالقانون 100/1985 إلى المرسوم بقانون 25/1929 على أنه :
" إذا لم يكن للصغير مال فنفقته على أبيه ".
وتستمر نفقة الأولاد على أبيهم إلى أن تتزوج البنت أو تكسب ما يفي لنفقتها ، وإلى أن يتم الابن الخامسة عشرة من عمره قادراً على الكسب المناسب ، فإن أتمها عاجزاً عن الكسب لآفة بدنية أو عقلية أو بسبب طلب العلم الملائم لأمثاله ولاستعداده ، أو بسبب عدم تيسر هذا الكسب استمرت النفقة على أبيه . ويلتزم الأب بنفقة أولاده وتوفير المسكن لهم بقدر يساره وبما يكفل للأولاد المعيشة في المستوى اللائق بأمثالهم.
وتستحق نفقة الأولاد على أبيهم من تاريخ امتناعه عن الإنفاق عليهم ".
وكما هو واضح من عبارة النص فإن شروط استحقاق الولد [ ذكرا أو أنثى ] النفقة على أبيه هي :
1- أن يكون الابن فقيراً لا مال له ، فإن كان له مال لا يكفي نفقته التزم الأب بتكملة الباقي منها .
2- أن يكون الابن عاجزاً عن الكسب لصغر أو أنوثة أو عاهة ، أو لانشغاله بالتعليم.
3- أن يكون الاب غنياً أو قادراً على الكسب .
- فإن كان الأب فقيراً معسراً إلا أنه قادر على الكسب ( أي يستطيع أن يمارس أي عمل يكتسب منه ) فإنه يحكم عليه هو بالنفقة ثم يؤمر – من قبل المحكمة – من تجب عليه نفقة الولد من الأقارب على فرض غياب الأب أو عجزه فينفق نيابة عن الأب ثم يرجع على الأب بما أنفق.
- وإن كان الأب فقيراً عاجزاً مزمناً فإنه يعتبر ميتاً وتجب نفقة هذا الأب ونفقة أولاده على الجد الموسر ولا يرجع بها على الأب ، وكما هو واضح من الفقرتين الثانية والرابعة فإن النفقة تستحق على الأب من تاريخ امتناعه عن الإنفاق على أولاده ، وتستمر حتى يزول سبب عدم الكسب.
وقد افترض المشرع عدة قرائن في صالح الولد ، وهذه القرائن هي :
1- اعتبار الصغر والأنوثة والعاهات والانخراط في التعليم عجزا ، ولا يكلف ذو العاهة ، والمنخرط في التعليم بإقامة الدليل على عجزه عن التكسب ، ويكفي أن تدل الأوراق على السن والأنوثة والعاهة والانخراط في التعليم لإثبات العجز ، وعلى من يدعي خلاف ذلك إثبات العكس.
2- اعتبار أن الولد – ذكرا أم أنثى – في حالة فقر وليس بذي مال ، فلا يطالب الولد بإثبات فقره واحتياجه ، وإنما يقع على عاتق الأب إذا أدعى أن الولد ذا مال أن يثبت ما يدعيه ، ويمكن إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات القانونية بما في ذلك شهادة الشهود.
3- فإذا بلغ الولد خمس عشرة سنة افترض أنه قادر على الكسب وعندئذ عليه أن يثبت عدم قدرته على الكسب لمرضه أو لانخراطه في التعليم الملائم لأمثاله ولاستعداده ، فإذا أثبت عدم القدرة وجبت النفقة على الأب.

ومن أهم أحكام نفقة الأولاد :
1- أنها تبتدئ من الحمل والولادة فقد حكم في أجرة القابلة ( الداية ومثلها في الحكم الطبيب الذي يجري عملية التوليد ) أنها تجب باعتبارها من نفقة المولود على أبيه.
2- أنها تستمر حتى تتزوج البنت أو تكسب ما يكفي لنفقتها ويقع على عاتق الأب المطالب بالنفقة عبء إثبات ذلك ، أما نفقة الولد ( الذكر ) فتستمر حتى يبلغ الخامسة عشرة من عمره قادراً على الكسب ، ويعتبر بلوغه السن قرينة على قدرته الكسب ، فيقع على عاتقه هو – أي الولد – إثبات عدم قدرته لأي سبب من الأسباب التي ذكرناها من قبل.
وتستحق قضاء من تاريخ امتناع الأب عن الإنفاق على أولاده كما في نفقة الزوجة دون تقيد بمدة سنة للمطالبة .
3- أنها تشمل كل ما يلزم للوفاء بحاجة الولد ( ذكرا أو أثنى ) مع مراعاة صياغة طلب النفقة كما وضحنا في البند خامساً في مشتملات النفقة لأن الأجور وكذا نفقة المسكن لا تدخل في معنى النفقة إلا إذا نص على ذلك.
4- أما تقديرها فتقدر بقدر يسار الأب وبما يكفل للأولاد العيش في المستوى اللائق بأمثالهم.
5- يسري على نفقة الأولى ما يسري على نفقة الزوجة من حيث قوتها وعدم سقوطها ، ومن حيث قبولها للزيادة والانتقاص ومع حيث تيسير إجراءات التقاضي بشأنها ، وتيسير سبل الحصول عليها ، وأخيراً حبس المدين بها القادر على الأداء ولم يتمثل لأمر المحكمة بالأداء.
*******************

ثانياً : نفقة الأقارب :
يثور الكلام عن نفقة الأقارب متى كان المطالب بالنفقة شخصً غير الأب ، وذلك متى كان الأب غير موجود على قيد الحياة ، أو وجد ولكنه فقير عاجز عن الكسب لمرضه المزمن.
ولم يتناول القانون أحكام نفقات الأقارب ، وعندئذ يطبق الراجح من المذهب الحنفي .
وحسب الراجح من المذهب الحنفي فإن النفقة تلزم القريب بشرط أن يكون محرماً [ أي لا يحل زواجه من المنفق عليه ] وأن يكون موسرا ويلزم بالضرورة أن يكون طالب النفقة عاجزاً عن الكسب.
وواضح أن شرط التزام الأب القدرة على الكسب ، أما القريب فشرط التزامه أن يكون موسرا فلا تكفي قدرته على التكسب.
وفي تحديد الملتزم بالنفقة عند تعدد الأقارب الموسرين يطبق أيضاً الـــــــــراجح من المذهب الحنفي ، وحسب هذا الــــــراجح فإن المعتبر هو القــرب – أى درجة القرابة - والجزئية دون الإرث ، وإذا وجد عندنا من الأقارب وارثون وغير وارثين كلهم فالنفقة بقدر الإرث ، وإن تساووا في القرب وبعضهم وارث والبعض غير وارث فالنفقة على الوارث.
والحقيقة أن طريقة الحنفية صعبة وتفاصيلها مضطربة وكثير من علمائنا ينتقدونها من أكثر من زاوية ولصعوبتها فإننا ننصح بمراجعة محام متمكن قبل رفع الدعوى بنفقة للقريب على قريبه حتى لا يفاجأ المدعي بالحكم بعدم الاستحقاق.
ولكن إرضاء للراغبين والراغبات فى المعرفة نورد هنا طريقة الحنفية بأيسر وأبسط عبارة وقفنا عليها ، وهى – فى جوهرها - من صياغة المستشار أحمد نصر الجندى فى مؤلفه القيم " الحضانة والنفقات " وقد بسطها كثيرا عما كانت عليه فى مؤلفاته السابقة ، ومع هذا فقد حرفنا وأضفنا ما نظنه أنفع لعموم القراء .كتب سيادته يقول :
المعتبر عند الأحناف فى فرض نفقة الفروع ( أى الأولاد والأحفاد ) القرب والجزئية وليس الإرث ، ويجعلون الجزئية سابقة على القرب ، فالجزئية أولا ، لأن الولد جزء أبيه وهى جهة الولادة أصولا وفروعا ، وهذه الجهة تقدم على غيرها من الرحم ، ثم يقدم فيها الأقرب ، ولا ينظر عند فرض النفقة إلى الأرث .
وعلى هذا الأساس إذا احتاج الصغير الفقير إلى نفقة ، وكان أبوه فقيرا غير قادر على الكسب ، واجتمع فى قرابته أصل ( جد مثلا ) وحواش ( أخ أوابن أخ أو عم مثلا )، فإن كان أحدهما غير وارث اعتبر الأصل وحده ترجيحا للجزئية ، فيقدم الأصل ، سواء كان هو الوارث أم كان هو الصنف الآخر الذى معه ، كالجد من ناحية الأم ( فهذا الجد مؤخر جدا فى استحقاق الإرث لأنه من ذوى الأرحام فلا يرث إلا بعد أصحاب الفروض والعصبات ) .
مثال ذلك صغير فقير له جد لأب ( أى أب الأب ) مع أخ شقيق فإن نفقته تكون على جده لأبيه دون الأخ الشقيق ، وهو – أى الجد لأب – الوارث دون الأخ الشقيق ( حسب مذهب الحنفية ) ، ومثاله أيضا : الجد لأم ( أى أب الأم ) مع العم ، فإن النفقة على الجد لأم دون العم ، بيد أن العم هو الوارث ، وسبب ذلك هو ترجيح الجزئية فى المثالين مع عدم الاشتراك فى الإرث ، و لا يرد على هذه القاعدة إلا قيد واحد هو أن يكون كل من الصنفين موسرا .
فإذا كان بعض الصنفين فقيرا والآخر موسرا ففى هذه الحالة نفرق بين أمرين :
الأول : أن يكون المعسر يحرز كل الميراث – يعنى لو فرضنا أن المحتاج إلى النفقة قد مات وكان المعسر يستحق على حسب حالة ومكانة الأقارب الموجودين على قيد الحياة كل تركة هذا المحتاج على افتراض أنه ، أى المحتاج ،قد مات وترك مالا ـ ففى هذه الحالة يجعل المعسر فى حكم الميت ، ثم ينظر إلى ورثة الصغير المطلوب له النفقة وتجعل النفقة عليهم بقدر توريث كل منهم ، أى بقدر حصة كل منهم فى الميراث .
الثانى : أن يكون المعسر لا يحرز كل الميراث – أى لايستحقه كله ولكن يشاركه فيه غيره – ففى هذه الحالة تقسم النفقة عليه وعلى من يرث معه .
وقد اعتبر المعسر موجودا فى هذه الحالة لإظهار قدر ما يجب من النفقة على غيره من الموسرين من الورثة ، ثم تجعل كل النفقة على الموسرين ، مثال : صغيرة فقيرة لها أم فقيرة وجدة لأم ، وأعمام موسرون ، فالأم هنا لا تحرز ( تستحق ) كل الميراث ، ولذلك لا تنزل منزلة المعدوم ، بل تعتبر حية ، ولما اعتبرت حية سقطت – أى استبعدت – الجدة بها ، لأن الجدة لا ميراث مع وجود الأم ، فيكون الميراث – الباقى بعد استحقاق الأم فرضا – للأعمام دون الجدة ، فتكون النفقة عليهم دونها ، ولأن الأم معسرة فإنها تعتبر فى حكم الميت ، وبالتالى تجب النفقة على الأعمام فقط .
وفى حالة النفقة على الأصول أى نفقة الشخص على والده أووالدته ، أو جده إلخ فالمعتبر- فى تقرير النفقة ومقدار ما يلزم الشخص الواحد منها لمن يستحق النفقة عليه – هو القرب والجزئية والجزئية مقدمة على القرب ، و لا اعتبار للإرث فى هذه الحالة .
مثال ذلك إذا كان هناك ولدان لرجل مسلم ، وكان أحد الولدين مسلما والآخــــــــــر نصرانيا ( وتحصل هذه الصورة فى الواقع إذا أسلم الأب وله ولدان أحدهما كبير ، لا ولاية للأب عليه ، والأخ صغير للأب عليه ولايـــــــــة ، فالصغير يعتبر مسلما بإسلام أبيه ، أما الكبير فهو حر فى اعتناق الإسلام أو البقاء على النصرانية، فإن اختار البقاء على دينه حصلت الحالة التى أمامنا )فى هذه الحالة تجب نفقة الأب عليهما بالسوية ، على الرغم من أن الأب إذا مات فلن يرثه إلا ولده المسلم فقط ، والسبب فى ذلك أن المعتبر هو القرب والجزئية بصرف النظر عن الاستحقاق فى الإرث ، لقول الله تعالى فى الوصاية بالوالدين { وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفا } وليس من المصاحبة بالمعروف أن يتقلب فى نعم الله ويدعهما يموتان جوعا ، والأجداد والجدات من قبل الأب والأم بمنزلة الأبوين فى ذلك ، لأن استحقاقهم النفقة هنا باعتبار الولادة ، بمنزلة استحقاق الأبوين .
وتجب النفقة أيضا لاستواء القرب والجزئية ، ففى ابن ابن ، وبنت ابن تكون النفقة عليهما وإن كانت بنت الابن غير وارثة ، وسبب ذلك ما صرح به الفقهاء – الحنفية – بأنه لا اعتبار للإرث فى الفروع .

*******************


الأمثلة التطبيقية فى مشكلات النفقة

- الخطبة والنفقة ( نفقة الزوجية ) :
س : يرفض خطيبي أن يعطيني مصروفا يوميا أستعين به في تعليمي في الجامعة واشتري منه ما أحتاج من ملابس وخلافه فهل أرفع عليه دعوى أطالبه بذلك
ج : أولا يجب أن يعلم أن الخطوبة ليست زواجا ، وإنما هي مجرد تواعد على الزواج مع القبول به . وما تطالبين به خطيبك نفقة ، والنفقة لا تجب إلا بالزواج ولأنك لست زوجة فلا حق لك فيما تطالبين به ، فإن تطوع الخاطب وأعطاك خير وبركة ، وإلا فلا حق لك عليه حتى يتم عقد القران ولا يكون عندك مانع من الانتقال إلى بيت الزوجية .

- ابتداء نفقة الزوجية :
س : عقد قراني على الرجل الذي أرغب في الارتباط به ، وكان أملنا أن يتم زفافنا بعد شهرين من عقد القران ، ولكن نظرا لمشاكل بين زوجي واخوته على توزيع الميراث تأخر زواجنا والحقيقة أنا واحدة من ثلاث فتيات في سن الزواج ولا نعمل ،و يقول أبي إن من واجب زوجي أن ينفق علىًّ حتى وأنا في بيت والدي لم أزف إليه ، فهل هذا صحيح؟
ج : نعم من حقك أن ينفق عليك زوجك منذ عقد القران مادام السبب في تأخير الزفاف لا يرجع إليك ، وهذا معنى العبارة القانونية التي تقول تجب نفقة الزوجة على زوجها بالعقد الصحيح وعدم الممانعة في التسليم . ويفضل لو تراجعين بدقة كلامنا في البند رابعا تحت عنوان ضوابط استحقاق نفقة الزوجية .

معنى التسليم :
س : سمعت أحد المتحدثين يقول إن المرأة بعد عقد القران إذا سلمت نفسها إلى زوجها ولو حكما فنفقتها واجبة على زوجها فما معنى هذا الكلام ؟

: أولا : لزيادة الفهم أنصح بقراءة البند رابعا والمعنون له بعنوان " ضوابط استحقاق نفقة الزوجية " .
ثانيا : العبارة صحيحة وهي نص قانوني فيه تحوير بسيط .
ثالثا : أما معنى النص فهو بيان بعض شروط استحقاق النفقة وفي نفس الوقت تحديد بداية الاستحقاق وحسب العبارة فالاستحقاق يبتدئ من تاريخ العقد الصحيح بشرط ألا تمانع المرأة في الزفاف لغير مبرر مشروع ، فإن لم تكن ممانعة مطلقا أو كانت ممانعة في الزفاف بسبب تقصير يرجع إلى الزوج ففي الحالتين يقال إنها " سلمت نفسها حكما " فمعنى " حكما " أي افتراضا ، أي تعتبر كأنها زفت إلى بيت زوجها في الحالتين .

النفقة في الزواج الباطل :
س : ماذا لو أن امرأة تزوجت رجلا ولم تزف إليه حتى الآن ، وقد اكتشفت بعد عقد القران أنه كان زوج أمها في وقت من الأوقات وقد طلقها منذ فترة ، المهم أن هذه المرأة تريد أن تجبر هذا الرجل على الإنفاق عليها فماذا تفعل .
ج : يجب أن تعلم هذه السيدة أن من شروط استحقاق النفقة أن ترتبط المرأة بالرجل بعقد زواج صحيح . ومن شروط صحة عقد الزواج ألا تكون المرأة محرمة على الرجل . ومن بين أسباب حرمة المرأة على الرجل أن يتزوج الرجل أمها ويدخل بها ، فإن حصل زواج ودخلة ( دخول ) فبنت هذه المرأة تسمى ربيبة لا يجوز لزوج الأم المدخول بها أن يتزوجها . فإن حصل وعقد الرجل على الربيبة – ولم يكن يعرفها – فعقدهما باطل ، ومن شروط النفقة كما قلنا أن يكون العقد صحيحا .
وبناء عليه فنصيحتنا للسائلة أن تفارق هذا الرجل فورا وتمنع نفسها عنه تماما لأنه في منزلة أبيها ، وليس من صالحها أن تطالبه بنفقة لأنه لا يلزمه الإنفاق عليها . وإذا أنفق الآن ظنا منه أنها تحل له فإنه يستطيع متى حكم ببطلان العقد أن يطالبها برد ما أنفقه عليها ولو بعد مدة . لهذا ننصحها بالسعي في إبطال هذا الارتباط والامتناع عن هذا الرجل ، وعدم تقاضي أية مبالغ منه كنفقة حتى لا تطالب برد ما أخذت في المستقبل بعد الحكم ببطلان العقد.

أسئلة في معنى التسليم الحكمي :
قلنا التسليم حكما معناه ألا تمانع المرأة في تسليم نفسها إلى زوجها وذلك بقبول الزفاف والانتقال إلى بيت الزوجية ، أو تمانع ولكن بناء على سبب يرجع إلى الزوج ، فإن امتنعت ولو لسبب يرجع إليها فإن حقها في النفقة يسقط .
وفيما يلي استعراض لمعنى التسليم وبيان متى يتخلف هذا الشرط :
س : تقول امرأة قبل عقد قراني شعرت بتعب فقمت بزيارة أحد الأطباء فنصحني بإجراء بعض التحاليل والأشعة ، وللأسف تبين أنني مريضة بمرض يصعب الشفاء منه ، وفكر خطيبي أن عقد القران قد يحسن من حالتي فعقد قراننا ولكن لم نزف حتى الآن ، وقد طالبته بعد العقد بالمساهمة في مصاريف علاجي ولكنه رفض فهل أرفع عليه دعوى نفقة؟
ج : تذكري أختاه أن من شروط النفقة أن تسلم المرأة نفسها إلى زوجها ولو حكما ، ومعناه إجمالا كما قلنا عدم الممانعة في الزفاف أي أن تكون المرأة جاهزة لأن يستمتع بها زوجها وبداهة فإن المرض من موانع الاستمتاع ، فالمريضة تثير الشفقة لا الرغبة ، وقد يكون الاستمتاع بها خطرا على حياتها أو حالتها .
وإذا امتنع الاستمتاع بسبب يرجع إلى الزوجة – ولو كان خارجا عن إرادتها – فلا نفقة لها على زوجها .
وحسب ما قررت المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 فإن " المرض لا يمنع من استحقاق النفقة " ولكن هذا إذا حصل المرض بعد الزفاف ، أما قبل الزفاف فعلى المقرر عند جميع الفقهاء أن الزوجة المريضة إذا لم تزف إلى زوجها لا تستحق نفقة قبله في حالة عجزها عند الانتقال إلى منزل الزوجية . كما جاء في المذكرة الإيضاحية تعليقا على نص الفقرة الثانية من المادة الأولى .
وعلى ذلك فإن السائلة إذا كانت مريضة مرضا يمنع من الاستمتاع بها فإنها لا تستحق نفقة على زوجها ، فإن كان مرضها لا يمنع من الاستمتاع ولا تمانع في الزفاف والانتقال إلى منزل الزوجية فلها على زوجها نفقة حتى ولو كان مرضها مزمنا . ومتى وجبت النفقة دخلت فيها مشتملاتها . بما في ذلك مصاريف العلاج .

تابع صحة العقد كشرط لوجوب النفقة :
س : هل يشترط أن تكون المرأة طالبة النفقة والزوج المطالب بها على دين واحد حتى يقضي لها بالنفقة ؟
ج : حسب الفقرة الأولى من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 فإن النفقة تجب للزوجة على زوجها حتى ولو كانت موسرة أو مختلفة معه في الدين . على أنه يجب أن يفهم أن اختلاف الدين الذي لا يؤثر في النفقة هو الاختلاف الذي لا يمنع من الزواج والعقد الصحيح .
وفي مصرنا العزيزة فإن اختلاف الدين يعد مانعا من الزواج في الحالات الآتية :
1- إذا كانت المرأة مسلمة والرجل غير مسلم أيا كان دينه .
2- إذا كان الرجل مسلما والمرأة غير مسلمة وغير كتابية ، أي ملحدة ، أو تعتنق دينا وضعيا كالبوذية ، والبهائية ، ونحو ذلك . وعلى ذلك فإن الزوج المسلم تلزمه نفقة زوجته الكتابية – اليهودية أو المسيحية – ولكن لا تجب عليه نفقة المشركة أو الملحدة لعدم صحة زواجهما أصلا .

النفقة في الزواج العرفي :
يقصد بالزواج العرفي الزوج غير الموثق بالكتابة الرسمية على يد المأذون بالنسبة للمصرين المسلمين ، أو على يد الموظف المختص بمكتب التوثيق متى كان أحد الزوجين غير مصري أو غير مسلم ( يراجع ما كتبناه تفصيلا حول الزواج العرفى عند كلامنا عن شرط توثيق الزواج )
فإن فقد العقد شرط التوثيق فقط واستوفى مع ذلك بقية أركانه وشروطه فهو زواج صحيح ، ولكن إن فقد بالإضافة إلى التوثيق شرطا آخر كعدم شهادة شهود مثلا فالعقد باطل ولا يسمى زواجا أصلا .
وعلى ضوء هذا ينبغي أن يفهم السؤال والجواب التاليين :
س : زوجني أبي بالصيغة ، أي من غير كتب كتاب رسمي لأن سني أقل من 14 سنة ، مع أن جسمي وافي وتأتيني الدورة الشهرية ، وبعد سنة من دخول زوجي بي سافر للعمل في مدينة بعيدة عن قريتنا ولم يرسل لي أي مصاريف ، فهل يحق لي مطالبته بالنفقة رغم أن زواجنا عرفي ؟
ج : الزواج بالصيغة هو تعبير رقيق عن عقد القران دون إفراغه في الأوراق الرسمية بالعملية التي يقال عنها توثيق ، وصورته أن يتبادل طرفا عقد الزواج الإيجاب والقبول في حضور الشهود ، وغالبا ما يكون بوجود ضيوف الحفل ، وأحيانا يتم تبادل الإيجاب والقبول في حضور الشهود فقط وفي كثير من الأحيان يتم إفراغ الاتفاق على الزواج والذي نسميه الإيجاب والقبول في أوراق غير رسمية بصرف النظر عمن يقوم بذلك .
وحسب المعمول به في مصر فإنه لا يلزم لصحة الزواج التوثيق ، وإنما يلزم التوثيق لكي تقبل المحكمة سماع دعوى الزواج أو الدعاوى الناشئة عنه ومن بينها دعاوى النفقة ، وذلك عند إنكار الطرف الآخر الزواج .
وكذلك فإن القانون المصري عندما نظم مسألة سن الزواج فإنه لم يصل بقرار المنع من الزواج ( قبل بلوغ الرجل سن 18 سنة والبنت 16 سنة ) إلى درجة بطلان العقد ، وإنما اكتفى بتهديدات أبرزها أنه منع من سماع دعوى الزوجية والدعاوى الناشئة عنها ما لم تكن سن الزوجية وقت رفع الدعوى سنا قانونيا ( 18 سنة للزوج ، 16 سنة للزوجة ) .
ومعنى كل ذلك أن السن والتوثيق ليسا شرطين لصحة الزواج فالزواج بهما أو بدونهما صحيح ، كما أن شرط التسليم يتوافر متى كانت المرأة لا تمانع في تسليم نفسها إلى زوجها وكانت بحالة صحية وجسدية تسمح بالمعاشرة الجنسية .
وحسب سؤال السائلة فإن شروط استحقاق النفقة متوافرة في حقها . ولكنها مع الأسف لن تسمع دعواها ، أي سترفض ، لأن سنها وقت رفع الدعوى – حسب السؤال – أقل من 16سنة . فلتحاول أن تتراضى مع زوجها على الإنفاق حتى تبلغ سن 16 سنة فترفع بعدها دعوى تطالب فيها بنفقة حاضرة ، ونفقة عن مدة ماضية لا تزيد عن سنة آخرها تاريخ رفع الدعوى، ( فقرة 7 من المادة الأولى ) .
يعني إذا كانت السائلة سنها مثلا خمسة عشر عاما ونصف الآن وتريد أن تقاضي زوجها بالنفقة فعليها أن تنتظر حتى تبلغ سن 16 سنة وعندئذ تستطيع أن تطالب بنفقة عن مدة ماضية أقصاها سنة يعتبر اليوم الموافق 365 منها هو يوم رفع الدعوى ، وتستطيع أيضا أن تطالب بنفقة عن الوقت التالي لبلوغها سن 16 سنة.
وستقبل دعواها هنا بشرط ألا ينكر الرجل أنها زوجته ، فإن أنكر حصول زواج بينهما فلا سبيل أمام المحكمة إلا الامتناع عن سماع الدعوى ، ولعل هذا يوضح للسائلة وغيرها الأخطار التي يمكن أن تتعرض لها إذا تزوجت عرفيا ، أو تزوجت دون السن القانونية .

تطبيقات في معنى التسليم :
س : حبست بعد عقد قراني في جنحة ضرب ، وقد ساءني جدا أن زوجي يحضر لزيارتي في السجن كالغريب مجرد زائر ، وعندما طالبته بأن يترك لي مصروفا رفض وامتنع عن زيارتي في السجن فكيف ألزمه بالإنفاق علي ؟
ج : حسب نص الفقرة الأولى من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 فإنه " تجب النفقة للزوجة على زوجها من تاريخ العقد الصحيح إذا سلمت نفسها إليه ولو حكما. ويتحقق التسليم الحكمي بعدم الممانعة أو الامتناع عن الانتقال لمسكن الزوجية المستوفى الشروط الشرعية ، وتعد الزوجة في حكم من سلمت نفسها حكما وإن امتنعت عن الانتقال إلى مسكن الزوجية متى كان امتناعها هذا لسبب يرجع إلى الزوج.
ولكن إن امتنعت الزوجة عن التسليم لسبب يرجع إليها ، اختيارا أو اضطرارا فإن حقها في النفقة يسقط ، ومن قبيل هذه الفرضية أن تحبس المرأة أو تعتقل إلا إذا كان زوجها هو الذي حبسها في دين له عليها . ففي هذه الحالة الاستثنائية – حبس الزوجة في دين لزوجها عليها – فقط يعتبر الامتناع لسبب يرجع إلى الزوج فلا تسقط النفقة وفي غير ذلك من حالات الحبس أو الاعتقال ، بحق أو بغير حق ، لا تستحق النفقة على الزوج ، لأن الامتناع لسبب لا يرجع إلى الزوج يفوت على الزوج حق الاحتباس وإذا فات الاحتباس سقط الحق في النفقة.
وعلى ما تقدم فإنه ليس من حقك سيدتي نفقة زوجية لأن امتناعك عن الاحتباس لمصلحة زوجك يقوم على سبب لا يرجع إلى الزوج .

مشتملات النفقة :
- ننصح القراء بمراجعة ما أوضحناه تفصيلا في تعريف النفقة في البند أولا ، وما أوضحناه في البند خامسا تحت عنوان تقدير النفقة ومشتملاتها ووسائل الحصول عليها .

س : لو تقدمت إلى المحكمة بطلب فرض نفقة لي على زوجي فبم تحكم لي المحكمة ؟
ج : من المعلوم أن القاضي المدني يطبق القانون ولا ينشئه ، يعني أن القاضي مقيد فى الحكم بما تقضى به القوانين المرعية في التطبيق .
وكما قلت من قبل فإننا في مصر وحسب المادة الثالثة من القانون 1 لسنة 2000 نطبق أولا النصوص الواردة بقوانين الأحوال الشخصية كالمرسوم بقانون 25/1920 ، والمرسوم بقانون 25/1929 والمعدلان بالقانون 100/1985 ، وفي حالة عدم وجود نص يعمل بأرجح الأقوال من مذهب الإمام أبي حنيفة .
وقد نص في الفقرة الثالثة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 على أن " تشمل النفقة الغذاء والكسوة والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك مما يقضى به الشرع " .
وقد فسر القضاء والفقه هذا النص بالقول بان النفقة في مدلول المادة الأولى بعد التعديل تشمل عند الإطلاق الأنواع الثلاثة التي هي الطعام والكسوة والسكنى ، وماعدا ذلك فلابد من تسميته عند الطلب قضاء .
وعلى ذلك فإنه لمن المنتظر أن تقضي المحكمة للأخت السائلة بنفقة مأكل وكسوة وسكنى فقط . لأنها طلبت نفقة مطلقة- أى غير محددة- فلا يقضي لها بنفقة زائدة على ذلك حتى لا تقضي المحكمة بما لم يطلبه الخصوم .

س : طلبت من أحد المحامين أن يرفع لي دعوى نفقة على زوجي فسألني : تريدين نفقة فقط، أم نفقة شاملة ، وحدثت مشكلة في مكتب المحاماه فلم أستوضح الأمر وأريد أن أعرف الفرق بينهما .
ج : في تفسير النصوص القانونية نستعين بعدة أمور لتوضيح المعنى ، ومن أهم هذه الأمور المصدر الذي استقى منه المشرع النص القانوني . وهذا المصدر بالنسبة لقوانين الأحوال الشخصية هو الفقه الإسلامي عموما والفقه الحنفي خصوصا . وما جرى عليه العمل في المحاكم الشرعية ودوائر الأحوال الشخصية .
وقبل القانون 100/1985 كان المراد بلفظة النفقة عند الإطلاق المأكل فقط ، ويراد بالنفقة الشاملة المأكل والملبس والسكنى . وبصدور القانون 100/1985 وسعت الفقرة الثالثة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 مدلول النفقة ، فإذا طلبت – في حكم الفقرة الثالثة – الزوجة نفقة دون تحديد انصرف الطلب إلى الأنواع الثلاثة المأكل والملبس والمسكن فقط ، وإذا طلبت نفقة شاملة اتسع المدلول ليشمل أجر الطبيب وثمن الأدوية وغير ذلك مما يقضي به الشرع . فإذا ما طلبت الزوجة الحكم لها بنفقة شاملة وقضى لها بهذا اللفظ امتنع عليها العودة للمطالبة بأي مما يدخل في مشتملات النفقة كبدل الفرش والغطاء ومصاريف العلاج ، وغير ذلك إلا ما يكون قد استجد بعد صدور الحكم الأول .

س : أنا مطلقة ولم أزل في العدة و فى نفس الوقت أنا حامل ومرضع وأرغب في طلب نفقة عن طريق المحكمة فماذا أكتب في عريضة الدعوى ؟
ج : سيدتي من حق المعتدة على مطلقها أن ينفق عليها كما ينفق على زوجته حتى تنقضي عدتها ، لأن المطلقة رجعيا زوجة حتى تنتهي عدتها، والمطلقة طلاقا بائنا تجب لها نفقة كالزوجة مادامت في عدتها لأن الاحتباس المقرر بالنكاح الصحيح ثابت في أثناء العدة كما هو ثابت في حال قيام الزوجية بشرط واحد وهو أن يكون الطلاق آت من جهة الزوج ، أو كان خلعا ولم تبرئ الزوجة زوجها من نفقة العدة وقت الخلع .
وقد أحالت المادة الثانية من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 أحكام نفقة المطلقة إلى المادة الأولى – التي تنظم نفقة الزوجة – لبيان هذه الأحكام مع ملاحظة ما نص عليه في المادة 17 من المرسوم بقانون 25/1929 من أنه " لا تسمع الدعوى لنفقة عدة لمدة تزيد على سنة من وقت الطلاق " .
وعلى ذلك سيدتي فإن من حقك طلب نفقة شاملة ولك بصفتك حاضنة لابنك أن تطلبي له أيضا نفقة .
وتشمل نفقتك المأكل والملبس والمسكن ومصاريف العلاج وغير ذلك مما يقضي به الشرع.
وبالإضافة إلى ذلك فإن لك متى كان الطلاق بسبب يرجع إلى الزوج نفقة متعة ، وتقدر بنفقة سنتين على الأقل ولكن ليس لك في أثناء قيام العدة الحق في أي أجور فليس لك أجر رضاعة وإن كنت ترضعين ، ولا لك الحق في أجر حضانة وإن كنت حاضنة . ومتى انتهت عدتك ، وذلك بوضع حملك ، يصبح لك الحق في آجر حضانة وأجر رضاع بالإضافة إلى نفقة ولديك، بينما يسقط حقك أنت في النفقة ، لأن نفقة المطلقة تجب طوال مدة عدتها بشرط ألا تجاوز هذه المدة سنة من تاريخ الطلاق .

س : أنا حامل في شهور الحمل الأولى ، وفي حديثي مع زوجي عن ضرورة متابعة الحمل على يد طبيب ، وأن تكون الولادة في مستشفى مضمون حرصا على سلامتي وسلامة الحمل، قال لي زوجي إنه لا دخل له في مصاريف كل هذا وعلى أن أطالب أهلي بتحمل ذلك باعتبار أن مصاريف الولادة ليست من نفقة الزوجة ، فهل هذا صحيح ؟
ج : لا سيدتي ، زوجك مخطئ فيما قال ، لأن الراجح في الفقه الحنفي أن أجرة الطبيب الذي يتابع الحمل ويجري عملية التوليد تجب على أبي الحمل والمولود باعتبارها من نفقة الولد على أبيه . وهذا ما أخذت به المحاكم قبل تعديلات القانونين 25/1920 ، 25/1929 .
كما أن الراجح في الفقه الإسلامي أن مصاريف علاج الزوجة تجب في مال زوجها ، لأن القول بغير ذلك لا يتفق على ما بينهما من صلات أوجب الشارع الحكيم رعايتها والإمساك عليها بمعروف ، وبهذا الراجح أخذ المشرع المصري في المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 حيث أوجب في الفقرة الثالثة من المادة المذكورة مصاريف العلاج وغير ذلك مما يقضي به الشرع كجزء من مشتملات النفقة.
وعلى ذلك فإننا لو اعتبرنا نفقات المتابعة والتوليد من نفقة الولد على أبيه فإنها تلزم زوجك . وإن اعتبرها من مصاريف العلاج فإنها تدخل في مشتملات نفقة الزوجة ( والمعتدة) التي تجب على الزوج بمقتضى الفقرة الثالثة من المادة الأولى المذكورة .

س : اعتدت – من الاعتياد - في بيت أهلي على وجود شغالات يتولين أعمال المنزل وكان اتفاقي مع زوجي على أن تكون عندنا شغالة تخدمني وبعد الزفاف لم يتحقق شيء من هذا وكلما طالبته تعلل بأن ظروفه لا تسمح ، وقد اعتاد في بيت أسرته أن تتولى المرأة شئون بيتها ، فهل إذا طالبته أمام المحكمة تنصفني .
ج : من المقرر شرعا وعرفا أن على الزوج كفاية زوجته ، ومن كفايتها خدمتها ، فإن كانت الزوجة ممن تخدم فعلى زوجها أن يوفر لها خادما أو يدفع لها نفقة خادم وتكتري هي من يخدمها وهذا الحكم مقرر من قديم باعتباره من المفتى به في مذهب الحنفية ،و يدخل في مفهوم ما يقضي به الشرع للزوجة في ضوء التعديل الذي أدخل على نص المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 .
وعلى ما تفيده مواد القانون في موضوع النفقة فإن فرض أجر الخادم يتوقف على ما يثبت أمام المحكمة مما إذا كان المدعى عليه على درجة من اليسار تسمح للقول بأنه ممن تخدم نساؤه ، إلا أن فرضه لا يرتبط بمنزلة الزوجة بالنظر إلى حسبها وأنها ممن تخدم عادة، بل يقتصر النظر على حالة الزوج المالية .
وفي ضوء ذلك سيدتي فإن المتصور أن المحكمة لن تحكم بالنظر إلى سابق عهدك بعادة أهلك ، ولا بمراعاة أحاديثك الودية مع زوجك قبل الزفاف ، وإنما ستحكم حسب درجة يسار الزوج وبصرف النظر عن عادة أهله ، فإذا ثبت أمام المحكمة أنه ميسور إلى درجة تسمح للقول بأنه ممن تخدم نساؤه فليس هناك ما يمنع من الحكم عليه بإحضار خادم وحمله على ذلك ، وإذا كانت خادمتك قبل الزواج قد انتقلت معك لخدمتك فعليك إثبات ذلك وستفرض لك المحكمة أجر خادم ، وستقدره المحكمة حسب أوان كل زمان ومكان .

س : متى يجوز لي طلب أجر خادم لي ولأولادي ؟
ج : على الزوج كفاية زوجته ، كما تقدر نفقة الولد بقدر كفايته ، فإن كان يحتاج إلى خادم فعلى الأب نفقة خادم وبمقتضى الفقرة الثالثة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 فإن أجر الخادم يدخل في مفهوم ما يقضي به الشرع .
فإذا أثبتت الزوجة أن الزوج موسر فليس هناك ما يمنع من الحكم عليه بإحضار خادم وحمله على ذلك متى كان ممن يخدم نساؤه ويخدم أولاده .
ومتى أقامت الزوجة الدعوى بطلب نفقة زوجية لها ونفقة لأولادها من الزوج وطلبت فرض أجر خادم لها وللأولاد وتوافرت أمام المحكمة أدلة الاستحقاق حكمت المحكمة بأجر خادم واحد فلا يجوز لها أن تفرض أجر خادمين .
وما يثبت للزوجة من نفقة يثبت أيضا للمعتدة من طلاق .
وبالنسبة للأولاد فإن كانوا في حضانة أمهم المطلقة التي انقضت عدتها ، وقد قضى لها بأجر حضانة فإن هذا لا يمنع من الحكم لهم بأجر خادم متى كانوا أولادا لمن يخدم أولاد مثله ، ولا يمنع من ذلك فرض أجر حضانة لاختلاف طبيعة كل من الفرضين .

س : هل يمنع حبس زوجي من استحقاقي النفقة ؟
ج : مقتضى الفقرة الأولى من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 فإن النفقة تجب للزوجة على زوجها من تاريخ العقد الصحيح إذا سلمت نفسها إليه ولو حكما .
ومعنى التسلم الحكمي الاستعداد للانتقال لمسكن الزوجية أوعدم الممانعة في ذلك وكذلك إذا امتنعت عن تسليم نفسها ولكن لسبب يرجع إلى الزوج .
ولا تعتبر الزوجة ممانعة إذا فات الاحتباس لمعنى من جهة الزوج ، كحبسه هو فإنه لا يسقط حق الزوجة في النفقة بل تجب للزوجة نفقة حتى مع فوات الاحتباس مادام فواته لمعنى من جهة الزوج .

اضطرار الزوجة إلى عدم تسلبم نفسها :
س : أنا طالبة دكتوراه تم عقد قراني على رجل ولم أزف إليه حتى الآن ، وحرصا مني على سرعة الانتهاء من الدكتوراه استقلت من عملي بإحدى الشركات وبعدها طالبني زوجي بإتمام الزفاف ، ولخوفي من الانشغال عن بحثي رفضت حتى أنتهي من الدكتوراه ، وعندما احتجت إلى مصاريف طالبته فرفض أن يعطيني شيئا وقال : ليس لك على نفقة إلا إذا تم الزفاف . فهل هذا صحيح ؟
ج : بمقتضى نص الفقرة الرابعة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 فإن النفقة لا تجب للزوجة في حالات منها إذا امتنعت مختارة عن تسليم نفسها دون حق أو اضطرت إلى ذلك لسبب ليس من قبل الزوج
وتسليم النفس معناه – كما بينا – الاستعداد للانتقال إلى منزل الزوجية الشرعي والاحتباس لمصلحة الزوج .
وحيث امتنعت عن تسليم نفسك ولو مضطرة مخافة التعطل عن الدراسة فإن امتناعك هذا مبناه سبب ليس من قبل الزوج وصريح النص كما ترين أن الاضطرار إلى الامتناع بسبب ليس من قبل الزوج يسقط النفقة .
وعلى ذلك فإن امتناع زوجك عن الإنفاق مبرر قانونا وشرعا ، ولكن يجب أن يعلم أن الإنفاق ليس متوقفا على الزفاف – أي التسليم الفعلي - وإنما يكفي حسب نص الفقرة الأولى من المادة الأولى المذكورة عدم الممانعة في التسليم بغير حق .

النفقة والزينة :
س : كلما رغبت في الذهاب إلى الكوافير حصلت بيني وبين زوجي مشاكل بسبب المصاريف، ونفس الأمر يحدث إذا طلبت منه أدوات ماكياج أو روائح ونحو ذلك . فهو يقول مصاريف الزينة لا تلزم الزوج فما مدى صحة كلامه ؟
ج : يجب أن تعلم السائلة أنه في تفسير النصوص القانونية يجب الرجوع على المصدر الذي استمد منه النص ، وحسبما جاء في المذكرة الإيضاحية للقانون 100/1985 تعليقا على الفقرة الثالثة من المادة الأولى فإنه قد أخذ " بما ذهب إليه مذهب الزيدية وتقتضيه نصوص فقه الإمام مالك من أن ثمن الأدوية وأجرة الطبيب من نفقة الزوجة ، وعدل المشرع بهذا عن مذهب الحنفية في هذا الموضع .
وعلى ذلك فإنه في تفسير الفقرة الثالثة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 يجب الرجوع لمذهبي المالكية والزيدية .
وفي مذهب المالكية ما نصه " ويفرض لها نفقة زينة تستضر – أي يحصل لها الضرر – عادة بتركها – ومن أمثلة ذلك في رأيهم ، الكحل ، الدهن ، والحناء ، وما يحصل بتركه شعث الشعر ، أي هيجانه وخشونته .
ومن جانب آخر فإن الثابت كما يقول الإمام السيوطي أن الفقهاء أكثروا من نصح النساء بالزينة والتطيب للزوج وبهذا وردت السنة ، بل إن من دلالة قول الله تعالى " ولا يبدين زينتهن " ما يشير إلى أن الزينة من طبع النساء الذي لا يأباه الشرع متى كانت في إطار ما حدده الله .
وعلى ذلك فإنه كلما كان التزين للزوج ، وفي إطار ما حده الشرع من البعد عن استعمال المواد المحرمة ، والتستر عن الأعين ، فإنه يجوز ، وما جاز من الزينة التي تدعو الزوج إلى الاستمتاع بزوجته فهو حق من حقوق الزوجة على زوجها يلزمه في حدود يساره وإعساره .

النفقة وعمليات التجميل :
يقصد بعمليات التجميل . تلك الجراحات التي تجرى لتحسين منظر جزء من أجزاء الجسم الظاهرة أو وظيفته إذا ما طرأ عليه نقص أو تلف أو تشوه ، وقد يكون النقص أو التشوه قديما ولد به الإنسان ، وقد يكون حديثا ناشئا عن آفة مرضية ومن أمثلة ذلك الشفة المفلوجة ،و التصاق أصابع اليدين والرجلين، وجحوظ العينين ، وأية تشوهات تقع بسبب المرض أو الحوادث .
س : أرغب في إجراء عملية تجميل فهل يجب على زوجي دفع تكاليف العملية ؟
ج : مقتضى نص الفقرة الثالثة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 فإنه مما يلزم الزوج كجزء من النفقة مصاريف العلاج والأجور والبدلات التي يقرها الشرع ، ومعنى ذلك فإن أجر العملية التجميلية لن يلزم الزوج كنفقة إلا في حالتين :
الأولى : أن تكون هذه العملية بمثابة علاج .
الثانية : أو أن يمكن إلحاق عملية التجميل بالزينة فتأخذ حكمها .
ومن جانب آخر فإن عمليات التجميل نوعان ، جراحات ضرورية لإزالة العيوب الخلقية والتشوهات الناتجة عن الأمراض والحوادث . وجراحات تحسينية اختيارية تهدف إلى تحسين المظهر وتجديد الشباب مثل تجميل الأنف وتجميل الثديين ونحو ذلك ، والنوع الأول من هذه الجراحات مشروع لا شك في ذلك بل أن نصوص الشرع وروحه العامة تطلبه ، وقد ترقى به إلى درجة الوجوب ، لذا فقد اعتبره العلماء علاجا وبالتالي فإن مصاريفه تلزم الزوج لاشك في ذلك .
أما النوع الثاني ، فقد اختلفت آراء العلماء فيه ، ونميل إلى الرأي القائل بمشروعيته متى انتفى التغرير والتدليس والقصد السيء على ما يفهم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن المتفلجات للحسن ، أي اللاتي يجرين عمليات في أسنانهن لتظهر صغيرة جميلة ، طالبات بذلك الحسن والتغرير، فإن أجرت زوجة عملية تجميل القصد منها تحسين المنظر لزوجها فذلك – فى رأيى ، والله أعلم - جائز شرعا .
ولكن هل يلزم الزوج كنفقة زينة ؟
الجواب في رأينا نعم ، فإن كانت العملية قد طلبها الزوج لزمته باتفاق آراء الفقهاء ، وإن لم يطلبها ففي مذهبي المالكية ومذهب الزيدية ، اللذين استقى منهما المشرع عبارة الفقرة الثالثة ، ما يسوغ ذلك للزوجة . جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 2/510ط الحلبي " وزينة تستضر، أي يحصل لها ضرر ، عادة بتركها ، ككحل ودهن معتادين ، وحناء لرأسها اعتيد -أى تعودت عليها- ، ومشط – بفتح الميم – وهو ما يخمر به الرأس من دهن وحناء وغيرهما " وعلى ما ذكر الدسوقي تمثيلا للزينة التي تستضر المرأة بتركها " ما يحصل به الشعث " أي خشونة الشعر وهيجانه .
ومع هذا فإننا نتوجه إلى المرأة المصرية مذكرين بأن الجمال مطلوب شرعا بالقدر الذي يؤدي الغرض الطيب منه بعيدا عن الحرام في الأسلوب والهدف والغاية ، وأنه لا يليق بنا رجالا ونساء أن نكون متلقين لكل قمامات العالم ونفاياته من ثقافة وأشكال ، ونضحي بثقافتنا وقيمنا ، ونتكالب على النموذج الغربي حتى في أشكالنا ،وهمسة في أذن المتأثرات بسطوة الإعلام التجاري لصالونات التجميل ، اعلمي أن البحوث الاجتماعية تشير إلى أن نسبة الطلاق بين ملكات الجمال وفتيات الغلاف تبلغ ثلاثة أمثالها بين النساء العاديات ، فلا يكن الحسن الظاهري هو مبلغ انشغالك ، فجمال الروح والخلق أبقى وأنفع .
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:31 am

نفقات المصيف والترويح عن النفس :
س : في كل صيف تقع مشاجرة بيني وبين زوجي بسبب المصيف ، فأنا والأولاد نرغب في التصييف ، وهو لا يرغب بسبب المصاريف ، ومع أنه ميسور الحال ويستطيع أن يشركنا في أحد النوادي الاجتماعية والرياضية أو يرتب لنا فسحة بين الحين والآخر ، إلا أنه لا يفعل شيئا من ذلك فهل يحق لي أن أطالبه قانونا بالتصييف والفسحة والنادي وما إلى ذلك ؟
ج : ما ذكرتين ترويح عن النفس ، ولا شك أن الترويح يمنح الشخص المتعة والإشباع والنشاط البدني والتنفيس عن المشاعر العدائية ، والحصول على الخبرات ومعلومات جديدة خصوصا بالنسبة للأطفال .
وبالرجوع إلى قوانين الأحوال الشخصية في مادة النفقة نجدها قد أحالت الحكم في قضية الترفيه والسياحة ونحو ذلك إلى " ما يقضي به الشرع " ومن ثم فالرجوع إلى الشرع في هذا الأمر محتم .
والمقرر شرعا أن على الزوج والأب ما تحفظ به الصحة البدنية والنفسية ، كما أن الترويح عن النفس مطلوب لابد منه ، وهو عمل جدي وملتزم إذا حصل أغراضه الشرعية كتنشيط النفس ، وتجديد الحرص والإقبال على العمل والجد والوفاء بالمسئوليات .
وعلى ذلك إن كان الترفيه في حدود المباح شرعا ، وكان من أثره أنه لا يهدر الوقت، ولا يضيع الواجبات ، ولا يوقع في المحظورات ، بل يجدد العزائم ويبعث في النفس النشاط للعمل والعلم والإنتاج والتنمية فإنه يكون مطلوبا ، ويدخل في مفهوم الكفاية الواردة في قول النبي صلى الله عليه وسلم " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ، وما كان كذلك فهو واجب في مال المنفق في حدود يساره وإعساره .
وعموما فإننا نقول لمثل هذا الزوج إن إهمال الترويح والترفيه المشروع ينتج عنه ولابد أن تمل النفوس وتضيق ، ونذكرك أنت وأمثالك – أختي السائلة – بأن المغالاة في الترويح يفقدك متعته ، ويجعله مسألة روتينية لا تحقق هدفها .

هل تشارك الزوجة في النفقة ؟
ننصح القارئات الكريمات بمطالعة المبدأ الثالث والمعروض تحت عنوان : نفقة الزوجة تجب في مال زوجها وإن كانت موسرة "
س : زوجة تقول أنا زوجة عاملة فهل على التزامات شرعية في مصاريف البيت والأولاد ، وهي من حق زوجي أن يمتنع من الإنفاق على أنا شخصيا بحيث أتكفل أنا بمصاريف نفسي من مأكل وملبس ونحو ذلك ؟
ج : كمبدأ عام يجب أن يعلم أن نفقة الزوجة على زوجها وإن كانت موسرة ، ( مادة1/3) من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 . كما أن نفقة الأولاد الذين لا مال لهم تجب على أبيهم لا يشاركه فيها أحد (م18/1) من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985. وبالتالي فإن ما يجب كنفقة زوجة ونفقة الأولاد يجب في مال الأب وإن كانت الزوجـــــــــــة – أو الأم – موسرة .
وبالنظر إلى مشكلة المرأة العاملة فإنها لا تكلف شيئا على الرأي الذي أخذ به القانون المصري ، ولكن ثمة رأيا آخر يقول بمسئولية المرأة العاملة عن جزء من نفقتها يعادل قدر ما نقص من احتباس لمصلحة الزوج ، وهذا الرأي وإن كان غير معمول به عندنا في مصر لكننا ننصح الأخوات بمراعاة فلسفة التكافل التي يقوم عليها.
أما من حيث نفقاتك الشخصية فالزوج يلزم بما يلزم به الرجل من نفقة زوجته بفرض أنها لا تعمل بمعنى أنه يلزم بالمأكل والملبس المعتاد لامرأة لا تعمل ، ولكن لا إلزام عليه بما يمكن أن تحتاجه العاملة من ملابس تناسب الخروج اليومي ، وكذا نفقات انتقالها إلى ومن جهة عملها وغير ذلك من نفقات شخصية ترتبط بالعمل فهذه نفقات لا يلزم بها الزوج .
وأخيرا فإن عمل المرأة لا يسقط حقها في النفقة متى كان عملها مشروعا ، ولذلك شروط نوضحها في الإجابة على السؤال التالي .

أثر عمل الزوجة على نفقتها :
س : هل يعد عملي سببا لاعتباري ناشزا ، وبالتالي سقوط حقي في النفقة ؟
ج : من المهم جدا أن يعلم النساء أن حق العمل مكفول في الشريعة الإسلامية للرجل أو للمرأة على حد سواء ، حفظا للكرامة و الحرية الاقتصادية لكل منهما ، بشرط أن يكون عملا شريفا ، وفي استطاعة العامل أن يقوم بهذا العمل ويناسبه ، وأن يقصد الخير ، ولا ينتج عنه أي شر، ومن ثم يجوز للمرأة المسلمة أن تمارس أي مهنة شريفة سواء داخل منزلها ، أو خارجه ، بشرط التزامها بآداب الشرع .
وقد كان العمل – فى قضاء المحاكم الشرعية - قبل تعديل المرسوم بقانون 25/1920 بالقرار بقانون 44/1979 ومن بعده بالقانون 100/1985 ، يقوم على حق الزوج المطلق في منع زوجته من العمل ، وبالتعديل لم يعد هذا الحق على إطلاقه ، بل صار من حق الزوجة احتراف العمل المشروع ، دون أن يكون عملها مسقطا لنفقتها وذلك وفق الضوابط الآتية :
1- أن يكون العمل المقتضى للخروج مشروعا ، ومشروعية العمل أو عدم مشروعيته يرجع فيها إلى أرجح الأقوال في مذهب الإمام أبي حنيفة .
2- أن تخرج المرأة إلى العمل في الأحوال التي ليس للزوج منع زوجته من الخروج للعمل وذلك في الأحوال الآتية :
أ- إذا اشترطت الزوجة في عقد زواجها بقاءها في العمـــــــل أو حقها في أن تعمل .
ب- إذا تزوجها عالما بعلمها قبل الزواج .
ج- إذا عملت بعد الزواج ورضى الزوج بذلك صراحة أو ضمنا .
ويقع على الزوجة عبء إثبات رضاء الزوج الصريح أو الضمني .
3- ألا يكون خروج الزوجة لهذا العمل مشوبا بإساءة استعمال الحق ، أو مناف لمصلحة الأسرة وطلب منها الزوج الامتناع عنه ، فإذا تبين أن عمل المرأة يضيع حاجة صغيرها الرضيع فيضر بمصلحة الأسرة ، أو أن تكون هذه الزوجة تسيء استخدام حقها في الخروج كأن تخرج في كل وقت لسبب ولغير سبب ، أو أنها تتعمد مضاعفة فترة عملها حتى تستغرق اليوم كله أو أغلبه ، عندئذ يكون للزوج الحق في منعها من العمل فإن خرجت كان خروجها بغير إذنه فتسقط نفقتها عليه .
وفي ضوء ذلك فإن عملك يكون سببا لسقوط نفقتك على الزوج إذا انتفت الشروط المذكورة أعلاه ، وطلب منك الزوج الامتناع عن الخروج فلم تمتثلى ، ولكن إن كان عملك مشروعا ، وكنت قد اشترطت على زوجك في عقد الزواج حقك في العمل ، أو تزوجك وكنت عندئذ عاملة ، أو عملت بعد الزواج – سواء قبل الدخول أو بعده – ورضى الزوج بذلك صراحة أو ضمنا ، ولم يثبت أن عملك مناف لمصلحة الأسرة ، ولا أنك تسيئين استعمال الحق في الخروج للعمل فلا أثر لعملك على حقوقك الزوجية ، حتى وإن طلب الزوج منك الاستقالة أو عدم الخروج للعمل فلا أثر لطلبه هذا ولا تعتبرى بعدم إجابة طلبه ناشزا .

الخروج المؤثر وغير المؤثر على النفقة :
س : يقول زوجي إذا خرجت من البيت لأي سبب فلا نفقة لك على ، فهل هذا صحيح ؟
ج : بالطبع لا . فهذا فهم خاطئ لكلمة " احتباس " فبعض الناس يظنون أن المراد به حبس الزوجة في المنزل والتضييق عليها وهذا ظن في غير محله تماما ، وقد ردته أحكام المحاكم المصرية قبل صدور القانون 100/1985 وبعده ، فقبل القانون 100/1985 كان العمل جاريا على أن للمرأة أن تخرج من بيت الزوجية بغير إذن الزوج متى كان الخروج بحق ، وقد ذكر الحنفية صورا عدة للخروج بحق ، ومنها على سبيل المثال زيارة والديها مرة كل أسبوع إن لم يقدرا على إتيانها ، والعناية بالمريض مرضا مزمنا من الوالدين يوميا ، ولو كان والدها كافرا ، وإن عارض الزوج في ذلك .
وبصدور القانون 100/1985 توسع المشرع المصري في الحالات التي يجوز للمرأة فيها الخروج من منزل الزوجية ولو بدون إذن زوجها ، دون أن يعد خروجها مسقطا لنفقتها ، فنص في الفقرة الخامسة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985على أن " ولا يعتبر سببا لسقوط نفقة الزوجة خروجها من مسكن الزوجية دون إذن زوجها في الأحوال التي يباح فيها ذلك بحكم الشرع مما ورد به نص أو جرى به عرف، أو قضت به ضرورة ، ولا خروجها للعمل المشروع ، ما لم يظهر أن استعمالها لهذا الحق - أي الخروج – مشوب بإساءة استعمال الحق ، أو مناف لمصلحة الأسرة وطلب منها الزوج الامتناع عنه .
ومضمون هذه الفقرة أن للمرأة الخروج ولو بدون إذن الزوج في الحالات الآتية بعد وبشرط ألا يكون في خروجها إساءة لاستعمال حقها في الخروج ، أو فيه منافاة لمصلحة الأسرة وطلب منها الزوج الامتناع عن الخروج .
وهذه الحالات هي :
1- الحالات التي ورد بها نص في كتب الحنفية وأبرزها : زيارة الوالدين في كل أسبوع مرة إن لم يقدر على إتيانها ، وزيارة محارمها في كل سنة مرة ، وقيل في كل شهر مرة ، والعناية اليومية بالوالد المريض مرضا مزمنا ، والخروج إلى المحاكم وأقسام الشرطة طالبة أو مطلوبة بحق ، وكذلك إذا أرادت أن تخرج لتتعلم أمور دينها التي لا يحفظها الزوج .
وعلى كل حال فإنه يرجع في ذلك إلى كتب الحنفية .
2- الأحوال التي يجرى العرف بخروج الزوجة فيها من مسكن الزوجية بشرط ألا يتعارض العرف في ذلك مع الكتاب والسنة ، وينبغي أن يعلم أن لكل مجتمع أعرافه وبالتالي يتصور أن ما يباح عرفا للصعيدية غير ما يباح لبنات بحري ،وما جرى به العرف في الأوساط الشعبية قد يختلف عما يجري في الأوساط المتمدينة وهكذا .
3- الأحوال التي تقضي بها الضرورة .
فتخرج المرأة من بيتها دون إذن زوجها إذا كانت هناك ضرورة أو حاجة تستدعي ذلك
والمقصود بالضرورة : الحالة المحدقة – أي الواقعة فعلا – بالإنسان ، ويترتب عليها ضرر يلحق بالنفس أو المال أو الدين أو العقل أو العرض ، بحيث يضطر معها إلى ارتكاب محظور شرعا للمحافظة على أي من هذه الأمور .
أما الحاجة : فيقصد بها حالة المشقة الخارجة عن المعتاد والتي يتعذر احتمالها عادة ، ولا يتوفر لها مخرج شرعي لدفعها .
ومن أمثلة الضرورة : حالة احتمال انهيار المنزل فورا أو حصول حريق .
ومن أمثلة الحاجة : إذا أعسر الزوج بنفقة زوجته ولم تجد من تستدين منه .

4- الحالة الرابعة : الخروج للعمل المشروع إذا أذن لها الزوج بالعمل ، أو عملت دون اعتراض منه ، أو تزوجها عالما بعلمها .
وفي كل حال فإنه ينبغي ألا يكون في خروجها في الأحوال الأربعة المذكورة إساءة لاستعمال الحق ، أو منافاة لمصلحة الأسرة وطلب منها الزوج الامتناع عنه .
ومعنى إساءة استخدام الحق . أي استخدامه في غير الغرض الذي ثبت الحق من أجله ومثال ذلك : امرأة تتعمد الذهاب إلى العمل فترة ثانية ( أوفر تايم ) يمكن الاعتذار عنها مع علمها بأن زوجها يضيق بذلك ، أو تختار وردية ليلية وهكذا ، ومعنى منافاة الخروج لمصلحة الأسرة : أي أن يكون الخروج في غير مصلحة الأسرة بل وضدها . ومثال ذلك أسرة لديها طفل مريض يحتاج إلى رعاية خاصة وتتركه الأم ( الزوجة ) وتخرج إلى العمل، وهى تستطيع أن تتحصل على إجازة – ولو بدون أجر – لرعاية طفلها .
وفي كل حال فإن تقدير كل ذلك يخضع لتقدير القاضي .

سقوط النفقة وتوقف النفقة :
س : اسمع الناس يقولون : فلانة أسقطت نفقتها وفلانة توقفت نفقتها فهل هناك فرق بين العبارتين ؟
ج : عبارتا " سقوط النفقة " ، و " توقف النفقة " مصطلحان قانونيان ورد الأول منهما في المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والثاني في المادة 11 مكررا ثانيا .
وكمبدأ عام فإن العبرة في الأسماء التي تطلق في لغة القانون بما يفهم منها عند القانونيين من رجال القضاء والمحاميين وغيرهم ، أي ليست العبرة بما يفهم العامة من المصطلحات وإنما بما يفهم رجال القانون منها .
وعلى كل حال فإن سقوط النفقة معناه زوال الالتزام بها ورفعه عن الزوج، فمثلا إذا انتهت عدة المطلقة سقطت نفقة عدتها عن زوجها ، و فى خصوص نفقة الأب على أولاده مثلا إذا بلغ الولد سن الخامسة عشرة قادرا على العمل ، أو تزوجت الأنثى سقطت النفقة عن الأب .
أما توقف النفقة فمعناه : توقف النفقة مؤقتا لسبب طارئ ينتهي بانتهاء هذا السبب ، ومثاله ما جاء بالمادة 11 مكرر ثانيا من المرسوم بقانون 25/1929 والمضافة بالقانون 100/1985 من أنه " إذا امتنعت الزوجة عن طاعة الزوج دون حق توقف نفقة الزوجة من تاريخ الامتناع " ومتى عادت إلى طاعة الزوج انتهى الوقف .

نفقة التراضي ونفقة التقاضي :
س : هل هناك فرق بين نفقة التراضي ونفقة التقاضي ؟
ج : يجب أن يعلم أن نفقة التراضي هي التي تثبت وتتحدد بالاتفاق ،أما نفقة التقاضي فهي التي تحكم بها المحكمة بناء على طلب من مستحق النفقة ، وبمراعاة حال المطلوب بها يسرا وعسرا.
والمقرر قانونا : أن النفقة المفروضة بالتراضي كالنفقة المفروضة بالتقاضي إلا في حالات قليلة يبدو فيها بين الأمرين خلاف . ومن ذلك :
1- إنه إذا تم الاتفاق على النفقة ثم تبين للزوجة أن ما تراضت عليه دون الحد المناسب لها فلجأت إلى القاضي لزيادتها فقضى لها بالزيـــادة تحسب من تاريخ الاتفاق وليس من تاريخ الحكم ، وليس كذلك في حالة فرض النفقة بحكم محكمة ثم اتفق الزوجان على مبلغ آخر غير الذي حكم به، فعندئذ يبطل حكم النفقة ويمتنع على الزوجة المطالبة بالمقرر به ، وإن كان أزيد مما تم الاتفاق عليه .
2- أنه في حالة ما إذا كان النكاح فاسدا أو باطلا فإن ما انفق بالتراضي لا يجوز الرجوع به على الزوجة بعد فسخ الزواج بينما للزوج أن يطالبها بالنفقة المفروضة بالتقاضي .

متجمد النفقة وابتداء تاريخ الاستحقاق :
س : ما معنى متجمد النفقة ؟ وما معنى ابتداء تاريخ الاستحقاق ؟
ج : يقصد بمتجمد النفقة أي المبالغ المستحقة عن مدة ماضية سابقة على تاريخ رفع الدعوى ، وقد حدد القانون هذه المدة- بالنسبة لنفقة الزوجة - بسنة آخر يوم فيها هو يوم رفع الدعوى . فلا يجوز المطالبة بأكثر من ذلك .
وإذا حكم لزوجة بمتجمد نفقة فإنها تكون دينا على الزوج فإذا مات كان للزوجة استيفاء هذا المتجمد من تركته ، وإذا ماتت هي بعد الحكم لها كان لورثتها الحق في اقتضاء المتجمد من نفقتها من الزوج ، ولا يسقط نشوز الزوجة متجمد نفقتها.
أما تاريخ ابتداء الاستحقاق فهو الوقت الذي حدده القانون لاستحقاق أصل النفقة أو الزيادة .
أما أصل النفقة فيستحق من تاريخ العقد الصحيح إذا سلمت الزوجة نفسها إلى الزوج ولو حكما ( وقد شرحنا فيما مضى ضوابط العقد الصحيح والتسليم ) .
أما ابتداء الزيادة فقد اختلف الرأي فيه ، ونميل إلى القول بأن الزيادة تستحق من تاريخ تغير الحالة المالية .
ولإكساب المتأخر من النفقة قوة نص المشرع في الفقرة السادسة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 على أنه " تعتبر نفقة الزوجة دينا على الزوج من تاريخ امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه " مع مراعاة القيد الوارد في الفقرة السابعة من أنه " لا تسمع دعوى النفقة عن مدة ماضية لأكثر من سنة نهايتها تاريـخ رفع الدعوى " .

ويستحسن متابعة الفرضيات التالية :
س : إذا رفعت دعوى أطالب بالنفقة فهل يحكم لي من تاريخ رفع الدعوى أم من تاريخ صدور الحكم ، أم من تاريخ الامتناع عن الإنفاق ؟
ج : جرى العمل بالمحاكم على أن تفرض النفقة شهرية ، وتفرض من تاريخ الامتناع إذا قام الدليل على ثبوته بإقرار أو بشهادة الشهود أو بغير ذلك من وسائل الإثبات ، وإلا فمن تاريخ رفع الدعوى لأن التداعي دليل الامتناع . مع ملاحظة أن مجرد رفع الدعوى لا يعطي الزوجة الحق في النفقة ولا يقضي بها القاضي إلا إذا ثبت مطل الزوج وامتناعه ، فإذا أثبت الزوج قيامه بالإنفاق خلال فترة المطالبة بالقدر الذي يجب على أمثاله ، رفضت دعوى الزوجة .

س : وقعت بيني وبين زوجي مشاكل على أثرها امتنع عن الإنفاق على ، وصبرت عليه كثيرا وكنت اضطر لأمد يدي إلى أبى وأخوتي كلما عجز راتبى عن كفايتي أنا والأولاد ، ورغم مضي ثلاث سنوات على ذلك فالحال لم يتغير وأريد أن أطالبه بالنفقة الماضية والنفقة الحالة فهل تحكم لي المحكمة بذلك .
ج : في خصوص المشكلة المطروحة تختلف نفقة الزوجة عن نفقة الأولاد :
أما الزوجة : فيتصور متى ثبت امتناع الزوج عن الإنفاق أن يحكم عليه بنفقة حــــــالة - أي للمستقبل – وتسمع دعوى الزوجة – ويقضى لها بنفقة – عن مدة ماضية أقصاها سنة آخرها تاريخ رفع الدعوى ، وما زاد على ذلك من مدة سترفض المحكمة سماع الدعوى بشأنه على ما قضت الفقرة السابعة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/2000.
أما نفقة الأولاد : فيتصور أن تحكم المحكمة بالنفقة الحالة وبالنفقة الماضية من تاريخ الامتناع عن الإنفاق ، أي منذ ثلاث سنوات كما في السؤال ، لأن المذكرة الإيضاحية للقانون 100/1985 أوضحت " أن الحكم المقرر بالفقرة السابعة والمتعلق بعدم سماع الدعوى لأكثر من سنة نهايتها تاريخ رفع الدعوى خاص بنفقة الزوجة على زوجها لا يتعداه إلى غير هذا من الحقوق .

س : اكتشفت أن زوجي كان مقترا – بخيلا – على جدا في السنوات السابقة ، وأن ما كان ينفقه شهريا لا يصل إلى نصف نفقة أختي الأصغر مني ، وهي أقل جمالا وتعليما منى ألا يحق لي أن أطالبه بالفرق بين ما أنفقه فعلا وبين نفقة أختي باعتبارها نفقة مثل ؟
ج : لا سيدتي فالنفقة في ذلك تختلف عن المهر ، ففي المهر ما يسمى بمهر المثل ، وليس كذلك في النفقة ، وعلى ذلك فإنه متى كان الزوج قائما بالنفقة بأي شكل وبأي مقدار رضيته الزوجة بدون منازعة ولا خصومة فإنه والحال كذلك يعتبر أنه قام بما وجب عليه ، وليس للزوجة أن تدعى بعد ذلك أن ما أنفقه كان أقل مما يجب ولا أن تطالبه بالفرق عن المدة السابقة على رفع الدعوى .

س : امتنع زوجي عن الإنفاق علي فرفعت دعوى وحكم عليه بمتجمد نفقة من تاريخ امتناعه فهل إذا خرجت عن طاعته واعتبرت ناشزا يسقط حقي في النفقة ، وهي يسقط ما حكم لي به إذا طلقني ؟
ج : مقتضى نص الفقرة السادسة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 أن " نفقة الزوجة تعتبر دينا على الزوج من تاريخ امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء " .
مقتضى ذلك أن نشوز المرأة أو طلاقها لا يسقط حقها في المتجمد باعتباره دينا قويا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء فإن لم يؤد الزوج على زوجته ما حكم به ، ولم تبرئه هي فلا سبيل لسقوط المحكوم به .
بل إذا طلق الرجل زوجته فإنها تستطيع مطالبته بالنفقة عن المدة التي امتنع من الإنفاق خلالها أثناء قيام الزوجية مع مراعاة شرط السنة لسماع الدعوى بالنفقة الماضية.

استيفاء متجمد النفقة من تركة الزوج :
س : توفى زوجي رحمه الله وكان لي عليه متجمد نفقة مبلغا كبيرا فهل لي الحق أن آخذ ذلك من التركة ؟
ج : نعم لك الحق ، فصريح نص الفقرة السادة من المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 أن نفقة الزوجة تعتبر دينا على الزوج من تاريخ امتناعه عن الإنفاق مع وجوبه ، ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء " فإن لم يكن أداء أو إبراء فإن نفقة الزوجة المتجمدة والمستحقة لا تسقط بوفاة الزوج ، بل يكون للزوجة استيفاء النفقة المقضي بها لها عليه من تركته حتى تاريخ وفاته .
والشرط في ثبوت حق الزوجة في استيفاء مالها من نفقة من تركة الزوج مشروط بأن تكون الزوجة قد نجحت في الحصول على حكم بالمتجمد قبل وفاة الزوج ، أما مجرد الحق في النفقة فلا يستحق في تركة الزوج حتى لو قام دليل على امتناعه عن الإنفاق قبل وفاته .

س : سمعت أحد الناس يقول دين نفقة الزوجة على الزوج قوي لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ما معنى ذلك ؟
ج : ينبغي أن نبصر أولا بمعاني بعض المصطلحات :
1- الدين القوي : هو الذي لا يسقط بمضي المدة ، أي لا يتقادم كما لا يسقط بموت المدين أو الدائن ، وعلى خلاف ذلك الدين الضعيف فإنه يسقط بمضي المدة أو موت المدين أو الدائن.
2 - الأداء معناه قيام المدين بالوفاء بما عليه من دين .
3- أما الإبراء فمعناه: التنازل عن المستحق كدين واجب الوفاء ، وبالتالي لا يقبل الإبراء إلا من نفقة ماضية ، واستثناء يجوز الإبراء عن نفقة مستقبلة في حدود شهر فقط .
4- وأما دين النفقة فيقصد به المبالغ المستحقة في ذمة الزوج لصالح الزوجة منذ تاريخ امتناعه عن الإنفاق ، مع مراعاة أن دعوى الزوجة بالمطالبة بالنفقة عن مدة ماضية لا تسمع قضاء إلا إذا كانت المدة سنة نهايتها تاريخ رفع دعوى المطالبة بالنفقة ، بحيث يشكل تاريخ رفع الدعوى اليوم الأخير من السنة المطالب بالنفقة عنها
وأخيرا فإن ما يقال من أن دين نفقة الزوجة قوي لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء هو قول صحيح ومعناه أن بقيـــة أسباب سقوط الدين مثل مضي زمن ( سنة ، أو ثلاث ، أو خمس ، أو خمس عشرة سنة ) على نشأة الدين ومثل وفاة الدائن بالنفقة والمدين بها إلخ أسباب انقضاء الديون بطرق أخرى لا تؤثر في دين الزوجة الثابت في ذمة الزوج أو في ماله .

ويترتب على هذا الحكم أن ما يثبت للزوجة يستحق فى مال الزوج ، سواء في أثناء قيام الزوجية أو بعد انتهائها بالموت أو الطلاق ، فالمتوفى عنها زوجها تطالب بما لها من دين نفقة في تركة الزوج ، وإذا توفيت الزوجة فإن لورثتها هي الحق باقتضاء ما ثبت لها من دين . وكذلك إذا طلقت وكان لها نفقة متأخرة في ذمة الزوج .

س : كان زوجي تاجرا ، وكثيرا ما مرت به ظروف عسر تصل إلى درجة العجز عن الإنفاق على وعلى الأولاد ، فكنت أستأذنه في أن أستدين من أبي ما يكفي نفقتنا ، والآن مات زوجي، فهل من حق أبي أن يستوفي ما أعطاه لنا من تركة زوجي ؟
ج : بتعديل المادة الأولى من المرسوم بقانون 25/1920 قوى المشرع المصري دين نفقة الزوجة ، بل وجعله في مرتبة أقوى من ديون النفقات الأخرى إذا فدين النفقة قوي ولو لم يكن هناك إذن بالاستدانة أو أمر قضائي بها . ومع هذا فإن للإذن بالاستدانة أو الأمر القضائي بها فوائد أهمها :
1- أنه يكون للغير ( الشخص الذي تمت الاستدانة منه ) الحق في الرجوع بالدين على الزوج مباشرة ، وإذا مات الزوج فمن حقه أن يرجع على تركة الزوج .
2- تعتبر المبالغ المستدانة بإذن الزوج أو بأمر القضاء ديونا تجوز المطالبة بها لمدة ماضية أكثر من سنة .
وعلى ذلك سيدتي فإن لوالدك – الذي استدنت منه – الحق في الرجوع بماله من دين على تركة الزوج .

س : ماتت أختي وليس لها وريث غيري . وكانت رحمها الله قد حصلت على أحكام بالنفقة على زوجها ولم يوفها المبالغ المحكوم لها بها ، فهل لي الحق في المطالبة بهذا المتجمد؟
ج : نعم لك الحق فدين النفقة دين قوي لا يسقط إلا بالسداد أو الإبراء ، وبالتالي إذا ماتت الزوجة فلورثتها الحق في اقتضاء متجمد نفقتها من الزوج ويوزع المال المستحق كمتجمد نفقة حسب قسمة الميراث فإذا لم يكن للمتوفاة غير السائلة فإن السائلة تستحق كل المستحق فرضا وردا .

س : حصلت بيني وبين زوجي خلافات وتم الصلح بيننا بوساطة الأهل والأصدقاء ، وكان من شروط الصلح أن أبرأه من النفقة فأبرأته . فهل معنى ذلك أنه لا يحــــق لي المطالبة بالنفقة مطلقا .
ج : الإبراء معناه تنازل الدائن عما له من الدين في ذمة المدين ، وحسب الضوابط الشرعية فإن الإبراء لا يكون إلا لدين واجب الوفاء ، وهذا الوصف ( أي وجوب الوفاء ) لا يتحقق إلا مع النفقة الماضية فهذه فقط هي التي يصدق عليها أنها واجبة الوفاء ، أما النفقة المستقبلة فلأنها لم تجب بعد فلا تصلح محلا للإبراء .
وعلى ذلك فإن إبراءك لزوجك يسقط ما لك من نفقة ماضية ، أما النفقة المستقبلة فلا تقبل الإبراء لأنها لم تجب بعد فلا تكون دينا ، لأن النفقة عوض عن الاحتباس المتجدد ، وحيث لم يوجد الاحتباس الذي يوجب النفقة فإن الإبراء منها يكون إسقاطا لشيء قبل وجود سببه فلا يصح . واستثناء من ذلك يجوز الإبراء عن نفقة مستقبلة في حدود شهر .
وحاصل كل ذلك سيدتي فإن اتفاقك مع زوجك على إبرائه من النفقة يعفيه من النفقة الماضية ومن نفقة شهر تال على الصلح وما يتجدد بعد ذلك من نفقة فإن لك الحق فيه .
**************
زيادة النفقة وإنقاصها :
على ما أخذ به في مصر فإن نفقة الزوجة تقدر بحسب حال الزوج وقت استحقاقها يسرا وعسرا ، على ألا تقل في حالة العسر عن القدر الذي يفى بحاجة الزوجة الضرورية.
ولما كانت حالة الزوج تتغير يسرا وعسرا فيزيد دخله أو ينقص ، وكذلك يتصور أن تقل حاجة الزوجة إلى النفقة أو تزيد فتحتاج إلى زيادة قدرها .
وعلى ما أفادت نصوص القانون واطردت به أحكام النقض المصرية أن الأصل في الأحكام الصادرة بالنفقة أنها ذات حجية مؤقتة لأنها مما تقبل التغيير والتعديل ، وترد عليها الزيادة والنقصان بسبب تغير الظروف ، كما يرد عليها الإسقاط بسبب تغيير دواعيها ، إلا أن هذه الحجية تظل قائمة طالما أن دواعي النفقة وظروف الحكم بها لم تتغير .
وفي ضوء ذلك ينبغي أن تفهم الأسئلة والأجوبة التالية ، ولمن يريد معرفة أكثر الرجوع إلى المادة 16 من المرسوم بقانون 25/1929 وشروحها .
س : هل يحق لي كلما تغيرت ظروف زوجي أن أطالب بزيادة النفقة ؟
ج : تنص الفقرة الأولى من المادة 16 من المرسوم بقانون 25/1929 والمعدلة بالقانون 100/1985 على أن " تقدر نفقة الزوجة بحسب حال الزوج وقت استحقاقها يسرا وعسرا على ألا تقل النفقة في حالة العسر على القدر الذي يفي بحاجتها الضرورية "
ومقتضى ذلك أن النفقة مؤقتة بطبيعتها فيرد عليها التغيير والتبديل بسبب تغير دواعيها كتغير الأسعار والقوة الشرائية للنقود وزيادة الحاجات والمطالب ، ومن بين أسباب التغيير والتبديل تغير حالة الزوج المالية ، واقترابا من العدالة ما أمكن جرى العمل في المحاكم المصرية على أن تفرض النفقة للزوجة شهريا . وتقدر بحسب نص المادة 16 نفقة الزوجة بحسب حال الزوج وقت الاستحقاق ، فإن تغيرت حالته جاز للزوجة المطالبة بزيادة المفروض من وقت حصول الزيادة في دخل الزوج .
ولكن ليس منطقيا أن تظل النفقة في حالة زيادة بغير حدود فمثلا إذا تغيرت حالة الزوج إلى الحد الذي يصح معه القول بأنه ممن يخدم نساؤه ففرضت عليه نفقة خادم واحد فهذا كاف قانونا ولا تجاب الزوجة إذا طلبت مستقبلا الحكم له بنفقة خادم آخر نظرا لأن دخل زوجها قد زاد كثيرا عما ذي قبل .
بمعنى أن الزيادة المقبولة تقف عند حد كفاية الزوجة عرفا الثابت بقول النبي صلى الله عليه وسلم " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " .
وعلى كل حال فإن النفقة سواء كانت مفروضة قضاء بحكم محكمة ، أو مفروضة بالاتفاق والتراضي مما يقبل التغيير والتبديل بتغير الظروف على أن لا تجاوز في حال الزيادة الكفاية المقبولة عرفا ، وألاتقل في حال العسر والانتقاص عن القدر الذي يفي بالحاجات الضرورية .

س : إذا طالبت بزيادة المفروض لي كنفقة فهل استحق الزيادة من تاريخ الطلب أم من تاريخ الحكم أم من تاريخ الاستحقاق ؟
ج : لم تقطع نصوص القانون في مواد النفقة بحكم في هذا الأمر، ومن هنا فقد اختلف الشراح في تحديد التاريخ الذي يجب اعتباره في تقرير الزيادة .
ومجمل كلامهم في هذا الخصوص يدور حول دلالة نصي الفقرة السادسة من المادة الأولى من المرسوم 25/1920 والمادة 16 من المرسوم بقانون 25/1925 بفقرتيها الأولى والثانية . وفحوى كلامهم : هل العبرة بتاريخ الامتناع أم بتاريخ الاستحقاق ؟ .
فبعض الفقه يرجع إلى شروح الحنفية ليسند القول باعتبار تاريخ الامتناع ، والامتناع لا يكون إلا بعد الطلب .
والبعض الآخر يتمسك بعبارة المادة 16 والتي تقرر أن النفقة تقدر بوقت استحقاقها فيرى أن العبرة بتاريخ حصول الزيادة .
وأخذاً بالأحوط فإننا ننصح بالمبادرة إلى طلب زيادة النفقة متى تحسنت أحوال الزوج دون انتظار حتى لو مالت المحكمة إلى الرأي الأول يكون ما فات الزوجة قليلا لا يضر فقده .

المقاصة بين دين النفقة ودين على الزوجة للزوج :
المقاصة فى أبسط تعبير هى ما درج على السنة العامـة بعبارة " خلاص حق " . بمعنى أن يكون لشخص دين على آخر ، ولهذا الآخر دين عليه ، فعندما يطالبه بالسداد يتمسك بأن يخصم ما عليه مما له .

س : اقترضت من زوجى مبلغا من المال شاركت به فى مشروع تجارى لم يكتب له النجاح وخسرت كل فلوسى ، ثم حصل ان امتنع زوجى عن الإنفاق على ولم تجد معه المساعى الودية وعندما هددته برفع دعوى نفقة قال سأطلب المقاصة بين ما يحكم لك به كنفقة زوجية وما لى عليك من دين ، فهل من حقه ذلك ؟ وهل ينتظــــر ألا تحكم لى المحكمة بأى زيادة للضروريات ؟ .

ج: لاشك سيدتى أن لكل شخص الحق فى أن يطلب المقاصة بين ما عليه من دين لشخص وماله من دين فى ذمة هذا الشخص ، والشرع الإسلامى وكل قوانين الدنيا تقر هذا المبدأ متى كان الدينان فى قوة واحدة ، أى أن كليهما ثابت فى الذمة واجب الوفاء .
ولكن وحماية للمرأة خرج القانون رقم 100/1985 على مذهب الحنفية فى هذه المسألة – وقد كان يحمى الرجل فى هذه المسألة أكثر مما يحمى المرأة - وأخذ بمذهب الشافعية ، وذلك فى ناحيتين :
الأولى : أنه قوى دين نفقة الزوجة فى كل الأحوال ، أى أن كل ما يستحق للزوجة كدين نفقة لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ، سواء أذن لها بأن تستدين من أحد فتنفق على نفسها ثم تطالب ، أم لم يأذن بذلك ، ويثبت دين النفقة من تاريخ امتناع الزوج عن الإنفاق { مادة أولى فقرة 6 من القانون 25/1920 والمعدل بالقانون 100/1985 } .
الثانية : أنه لا يقبل من الزوج التمسك بالمقاصة بين نفقة الزوجة وبين دين لها عليه – أى على الزوج - إلا فيما يزيد على ما يفى بحاجتها الضرورية { م 1/8 } .
وكما تقول المذكرة الإيضاحية للقانون فإن هذا المقرر قانونا هدفه " حماية حق الزوجة فى الحصول على ما يفى بحاجتها وقوام حياتها " ومفاد ذلك أنه يمتنع على زوج السائلة أن يتمسك بالمقاصة بين ما له عليها وما لها فى ذمته إلا فيما يزيد علـــى مايكفى حاجتها الضرورية .
وبالتالى فإن المحكمة وإن قبلت المقاصة كطلب الزوج إلا أنه يتعين عليها ألا تحكم بما يستغرق مبلغ النفقة المستحق للزوجة كله أو أكثره ، وإنما يكون حكمها فى حدود ما يتبقى معه للزوجة من النفقة ما يفى بحاجتها الضرورية .
أما الحاجات الضرورية فالمراد بها أساسا المأكل والملبس والمسكن ، ولكن ليس هناك ما يمنع من اعتبار غيرها حاجة ضرورية كالعلاج مثلا إذا كانت الزوجة مريضة .
وللعلم فإنه كما يجوز للرجل المطالبة بالمقاصة بين ما له من دين على الزوجة وما عليه من دين نفقة ، فإنه أيضا يجوز للزوجة أن تطلب هذه المقاصة .
****************
النفقة والطلاق :
س: إذا ما امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته فهل لها الحق فى الطلاق فورا ؟
ج : لا يخفى على نسائنا أن شرعنا الإسلامى وإن أقر الطلاق إلا أنه يراه أبغض الحلال عند الله ، بمعنى أنه لا يليق بالرجل أن يطلق زوجته إلا لسبب يبرر ذلك ، كما لا يقبل من المحكمة أن تسارع إلى إجابة طلب المرأة الطلاق دون مراجعة وتبصر إلا إذا تبين لها أن المصلحة تقتضى ذلك .
وفى ضوء هذه الحدود عالج المشرع المصرى أحكام الطلاق ، ونتوقف عند ما يتعلق بالنفقة من هذه الأحكام .
أولا : أخذ القانون المصرى برأى جمهورعلماء المسلمين فى حق الزوجة فى طلب التطليق بحكم المحكمة إذا لم يوف زوجها بواجبه فى الإنفاق عليها ، وذلك كنوع من التهديد للزوج حتى يلتزم بأداء ما عليه .
ثانيا : حسبما تقرر المادة الرابعة من المرسوم بقانون 25/ 1920 – وهى للعلم مستمدة من مذهب الإمام مالك – فإن الزوجة لا تجاب إلى الطلاق لعدم الإنفاق بمجرد الطلب ، وإ نما يجب أولا أن يثبت للمحكمة مطل – مماطلة – الزوج وعدم إنفاقه على زوجته .
ويتحقق ذلك المطل فى ظل المادة الرابعة بالآتى :
1- ألا يكون للزوج مال ظاهر ، فإن وجد مال ظاهر أمكن التنفيذ عليه فلا يتحقق شرط الطلاق للإعسار .
2- أن تكون النفقة المطالب بها هى النفقة الحاضرة ، أما النفقة الماضية فتستوفى بطرق أخرى .
3- إذا لم يكن للزوج مال ظاهر وادعى الإعسار ولم يثبته طلق عليه القاضى فى الحال ، كما يطلق عليه فى الحال إذا سكت وهو مصر على عدم الإنفاق .
4- إذا أثبت الزوج أمام المحكمة أنه معسر أى لا ينفق لعجزه عن النفقةعندئذ يتعين على القاضى إمهاله شهرا كى يتيح له فرصة الإنفاق ، فإن لم ينفق فى خلال الشهر طلق عليه القاضى بعد انتهاء المهلة ، حتى وإن كان ممتنعا لسبب خارج عن إرادته ، لأن العبرة فى الطلاق لعدم الإنفاق هى بعدم الإنفاق ذاته وليس بمدى يسار أو إعسار الزوج .

س : لى على زوجى متجمد نفقة فهل يحق لى طلب الطلاق لعدم وفائه به ؟
ج : لا ، أختى السائلة ، فالمذهب المالكى الذى أخذ منه القانون الحكم بالتطليق لعدم الإنفاق لا يقر التطليق بسبب متجمد النفقة ، أى النفقة المتأخرة على الزوج لأنها صارت دينا فى فى ذمة الزوج ، كما أن الغاية التى من أجلها وضع الحكم تخالف ذلك ، فكما جاء فى أحكام القضاء المصرى فإن غاية القانون 25/1920 من التطليق للإعسار هى " عدم إرهاق الزوجة وتركها مقيدة بأغلال لا تستطيع معها الوصول إلى ما تنفق منه فيكون ذلك مدعاة للفساد " وكما هو واضح فإن هذه الخشية لا تتحقق مع صيرورة النفقة دينا فى ذمة الزوج .

س: أقمت دعوى ضد زوجى أطالب بنفقة ، وأثناء نظر الدعوى طلقنى . فهل يسقط حقى فى النفقة ؟
ج: لا ، بل لك الحق فى النفقة عن المدة التى امتنع خلالها عن الإنفاق أثناء قيام الزوجية ، كما أن لك الحق فى نفقة عدة أخرى حتى تنتهى عدتك شرعا . وعلى ذلك فالمتصور فى حالة السؤال الذى معنا أن ُتَضٍمن المحكمة حكمها القضاء للزوجة بنفقة زوجية، واعتبار المفروض – أى المبلغ المحدد – نفقة عدة من هذا التاريخ وحتى انقضاء عدة الزوجة شرعا ، دون أن يعد ذلك من المحكمة قضاء بما لم يطلبه الخصوم .

س: قلت لزوجى إذا طلقتنى فأنا أبرؤك من نفقة العدة فوافق . فهل إذا طلقنى فعلا لا يكون لى الحق فى نفقة العدة ؟
ج : نعم ، إذا وقع الطلاق على الإبراء من نفقة العدة فلا حق لك فى نفقة عدة بشرط أن يكون الإبراء فى مقابل الطلاق .

س: زوجى لا ينفق علىّ كما أنه يهجرنى فأيهما أفضل لى أن أطلب الطلاق للهجر ، أم الطلاق لعدم الإنفاق ؟
ج : نظريا ، وعلى ما هو مقرر فى القانون المصرى فإن الطلاق للهجر أصلح لك ، لأن الطلاق للهجر يقع بائنا بينونة صغرى ، مما يحمى المرأة من مراجعة الزوج لها دون إرادتها ، أما الطلاق لعدم الإنفاق فيقع رجعيا ، صحيح أن هناك تعقيدات فى المراجعة فى الطلاق لعدم الإنفاق ولكن مع هذا تظل مكنة المراجعة دون إرادة الزوجة قائمة .
وإذا حدث فى مثل هذه المشكلة وأن طلبت أمرأة من المحكمة التطليق لعدم الإنفاق وفى نفس الوقت التطليق للضرر – ومن أمثلته التطليق للهجر – تعين على المحكمة أن تجيب الطالبة إلى أقصى طلبها فتطلقها طلاقا بائنا .
وليكن معلوما أن دعوى التطليق للهجر لا تمنعك من المطالبة بالنفقة الماضية – أى المتجمد – وكذلك النفقة الحاضرة حتى يقضى لك بالطلاق ، فضلا عن حقك فى نفقة العدة متى تم الطلاق .

س: سمعت أحد المتحدثين يقول : هناك فرق بين الغائب غيبة قريبة والغائب غيبة بعيدة فى خصوص موضوع الطلاق لعدم الإنفاق ، فما هو هذا الفرق ؟
ج: بداية يستحسن توضيح بعض المعانى :
الإنسان فى موضوع النفقة إما أن يكون حاضرا يمكن استدعاؤه إلى المحكمة، أو أن يكون غائبا .
والغائب إذا كان بمكان يسهل وصول استدعاء المحكمة إليه فى مدة لا تتجاوز التسعة أيام يعتبر غائبا غيبة قريبة . وإذا احتاج وصول الرسائل إليه مدة أصول من ذلك اعتبر غائبا غيبة بعيدة .
ويعتبر فى حكم الغائب غيبة قريبة المسجون – المحبوس- الممتنع عن الإنفاق بينما يعتبر فى حكم الغائب غيبة بعيدة مجهول محل الإقامة – ليس له محل إقامة معروف – والمفقود .
ومراعاة لفلسفة الطلاق لعدم الإنفاق ، وهى – كما بينا – عدم إرهاق الزوجة وتركها مقيدة بأغلال لا تستطيع معها الوصول إلى ما تنفق منه مما يعرضها للفساد - فإنـــــه يفرق – حسب المادة الخامسة من المرسوم بقانون 25/1920 – بين الغائب غيبة قريبة والغائب غيبة بعيدة .
فالغائب غيبة قريبة – وليس له مال ظاهر يمكن تنفيذ الحكم بالنفقة فيه – يتعين على المحكمة أن توجه إليه إنذارا بأنه فى خلال الأجل الذى تحدده المحكمة إذا لم يرسل إلى زوجته ما تنفق منه ، أو إن لم يحضر هو للإنفاق عليها بنفسه ستطلق المحكمة عليه ، فإذا انقضى الأجل ولم يفعل وتحققت المحكمة من وصول الإنذار إليه طلقت عليه – ويسمى هذا الإجراء بالإعذار-
أما الغائب غيبة بعيدة – وليس له مال ظاهر يمكن تنفيذ الحكم بالنفقة فيه – فيطلق القاضى عليه دون إعذار .

س: حصلت على حكم بالطلاق بسبب امتناع زوجى عن الإنفاق على ، وعرفت وقتها أن الطلاق رجعى ، فهــــــل معنى هذا أن طليقى يستطيع مراجعتى متى شاء ؟ .
ج: صحيح أن الطلاق الرجعى يتيح للرجل مكنة إعادة زوجته إلى عصمته دون موافقتها ، ولكن فى قضية الطلاق لعدم الإنفاق ليس الأمر بالسهولة التى تتصورها السائلة ، إذ لو كان الأمر كذلك لضاع الهدف من التهديد بالطلاق لعدم الإنفاق .
والمقرر قانونا بالمادة السادسة من المرسوم بقانون 25/1920 أن :
1- الطلاق الذى توقعه المحكمة لعدم الإنفاق يقع رجعيا إذا كان بعد الدخول ، أما إذا طلقت لعدم الإنفاق قبل الدخول فالطلاق بائن .
2- لا تراجع المطلقة رجعيا بغير رضاها إلا أثناء قيام العدة ، فإن انتهت العدة تحول الطلاق إلى بائن فلا تراجع إلا بإذنها .
3- أن جواز الرجعة مشروط بشرطين :
أ‌- ثبوت يسار الزوج بحيث يظن قدرته على إدامة الإنفاق عليها نفقة مثلها .
ب‌- استعداده للإنفاق عليها نفقة مثلها .
وكما هو ملاحظ فإن المعتبر فى الرجعة هنا اليسار الكامل ، وليس وجود ما تيسر من القوت ، أى ما يسد الجوعة مؤقتا ، ليس ذلك فحسب ، بل إذا كان اليسار أقل مما يقوم بواجب مثل الزوجة المطلقة – أى مثيلاتها من أقاربها أومن أهل بلدها – فليس للزوج الرجعة والحال كذلك ، حتى وإن رضيت بها المطلقة ، لأن الطلقة التى أوقعها القاضى إنما كانت لأجل ضرر فقر الزوج ، فلا يمكن من الرجعة إلا إذا أزال موجب الطلقة وهو الإعسار .
وعلى ما قضت به المحاكم عندنا فى مصر فإن تقدير استعداد الزوج للإنفاق على زوجته فى أثناء العدة أمر موضوعى يقدره قاضى الدعوى من ظروفها .
ولذلك قضى : بأن اليسار لا يثبت بمجرد عرض نفقة شهر بعد الامتناع أشهرا ، وبعد خصومة وقضاء ودفوع ودفاع وامتناع وثبوت إعسار فهذا أشبه بالهزل منه بالجد ، وإلى الباطل أقرب منه إلى الحق ، وفى هذا تعريض القوانين للعبث بما وضعت لأجله ، وتوجيهها إلى أغراض أبعد ما تكون عن الغاية من تشريعها ، وواجب القاضى حماية القوانين من عبث المتقاضين ، وهو الذى يقدر ما إذا كان ما يقدمه الزوج ، قل أو أكثر ، كافيا لإثبات اليسار أو غير كاف ، وما إذا كان مستعدا حقيقة للإنفاق أو غير مستعد .
وحاصل كل ذلك أن نقول إن تعقيدات الرجعة فى الطلاق لعدم الإنفاق ليست قليلة وكلها تخضع لتقدير القضاء ، فلتطمئن السائلة .
الحقوق المالية للمعتدة
1- نفقـــــــــــــــة المعتدة :
نقصد بالمعتدة : المطلقة فى خلال مدة العدة .
س: هل كل معتدة تستحق نفقة عدة ؟
ج: أوجب الله العدة لعدة أمور منها : التمكن من إعادة المياة إلى مجاريها واستئناف الحياة الزوجية بالمراجعة ، و الاحتياط لعدم اختلاط الأنساب ، كأن تكون المرأة حاملا من رجل ما ويخشى أن ترتبط برجل آخر فينسب الولد إليه ، وقريب من هذا المعنى التعرف على براءة الرحم أى خلوه من الحمل ، ويمكن أيضا أن تكون العدة لغرض اجتماعى القصد منه إظهار نوع من الأسى على فقد الزوج ، ولا يمنع أن تكون استجابة لأمر الله تعالى .
وكل التقاء جنسى بين رجل وامرأة – مشروع أو غير مشروع - يتبعه افتراق فلابد فيه من انتظار مدة زمنية قبل الدخول فى ارتباط مشروع جديد ، غير أن هذا الانتظار إن كان عقب زواج صحيح فإنه يسمى عدة ، وإن كان عقب ارتباط غير مقبول أصلا ، أو طرأ عليه ما يوجب فضه فهذا الانتظار حينئذ يسمى عدة ، ويسمى استبراء .
وتبدأ العدة من تاريخ انتهاء العلاقة بالطلاق الحضورى ، أو تطليق القاضى فى الطلاق من الزواج الصحيح ، ومن تاريخ العلم بالطلاق فى حالة الطلاق الغيابى ، ومن تاريخ الفسخ فى حالات الزواج غير الصحيح ، أو الذى عرض له ما يبطله ، أو من تاريخ آخر معاشرة جنسية فى حالات الوطء بشبهة ، يعنى فى الحالات التى يتصور الطرفان فيها أن المعاشرة جائزة شرعا وهى ليست كذلك .
وتنهى العدة بمضى ثلاث حيضات لمن تحيض ، وثلاثة أشهر لمن انقطع عنها الطمث ، وبوضع الحمل للحامل .
وعلى المعتمد قانونا وقضاء فى مصر فإن المطلقة تستحق نفقة لا تقل عن ستين يوما ، وهى أقل مدة عدة ، ولا تزيد عن سنة ميلادية ، وهى أقصى مدة لتنفيذ حكم بنفقة عدة .
وكما عرفنا فإن النفقة التزام مالى ، و هذا الالتزام لا ينشأ إلا بالزواج الصحيح ، ولكن على رأى جمهور العلماء ،وبه أخذ القانون المصرى ،لا تجب العدة إلا للمطلقة بعد الدخول ،أيا كان السبب ، فالعبرة بنشأة الزواج ، أما المعتدة من وفاة فهذه لا نفقة لها طوال مدة العدة على الرأى الذى أخذ به القانون ، على أن لبعض السلف رأيا آخر يقول بحق المعتدة من وفاة فى نفقة عدة ، وأن هذا الحق يثبت فى تركة المتوفى- الزوج – فإن لم يترك مالا فنفقتها فى مالها هى أو فى مال من تجب عليه نفقتها من أقاربها .
ومن جانبنا فإننا نؤيد هذا الرأى وندعو إلى الأخذ به فى التشريع .
وحتى يأذن الله بالتغيير فإن المعتمد فى القانون المصرى أن نفقة العدة تستحق للمطلقة المدخول بها من زواج صحيح ، سواء طلقها الزوج ، أو رفعت هى دعوى إلى القاضى فحكم لها بالطلاق رجعيا كان أو بائنا ، أو فرق القاضى بينهما باللعان ، أو برفض الزوج الإسلام متى أسلمت زوجته ، كما تجب للمختلعة إن لم تبرىء زوجها من نفقة العدة .

س: هل تختلف نفقة المعتدة من طلاق عن نفقة الزوجة ؟
ج : لا سيدتى ، بل تأخذ نفقة المطلقة خلال فترة العدة ذات الأحكام المقررة لنفقة الزوجة ، على اعتبار أن المعتدة زوجة حكمـــــا إلى تنقضىعدتها من الطلاق شرعا . وبالإضافة إلى ذلك تستحق المطلقة بغير سبب من جهتها بالإضافة إلى نفقة عدتها نفقة متعة . وسنتكلم عنها تفصيلا .

س : كيف يتم حســاب نفقة العدة ؟
ج : نفقة العدة مرتبطة بوجود العدة ، فمادامت العدة قائمة فالنفقة مستحقة على الرجل ، ولكن نظرا لأن موضوع بقاء أو انتهاء العدة مما يكون خفيا أحيانا خصوصا فى حالة المرأة التى تعتد بالحيضات فالأمر يحتاج إلى زيادة تبصر بالحلول القانونية خصوصا مع تنوع الحالات :
أولا : القاعدة العامة فى نفقة المعتدة من طلاق هى استحقاق المطلقة النفقة لمدة لاتقل عن ستين يوما ، وهى أقل مدة للعدة ، ولا تزيد على سنة ميلادية ، وهى أقصى مدة لتنفيذ حكم بنفقة عدة ، على هذا نص القانون وجرى قضاء النقض المصرى ..
ثانيا : الأصل أن عدة التى تحيض ثلاث حيضات ، والغالب أن تحيض المرأة مرة كل شهر ، ولكن بعض النساء يعانين اضطرابات فى الدورة الشهرية ، فمنهن من تأتيها الدورة الشهرية لأقل من شهر ، ، ومنهن من تأتيها الدورة مرة كل عدة أشهر ، وعادة ما تقضى المحكمة للمدة المعتادة وهى ثلاثة أشهر ، فإذا ادعت المرأة التى تحيض أن الدورة لم تأتها شهرا فأكثر فإنها تحلف على ذلك وتستمر فى عدتها حتى ترى الدم للمرة الثالثة ، أو تنقضى مدة سنة من تاريخ الطلاق ، أيهما أقرب .
وإذا دفع الزوج بسقوط حق المطلقة لانقضاء الثلاث حيضات فى أقل من ثلاثة أشهر فإن المحكمة ، بناء على طلب المطلق ، تحلف المطلقة اليمين عن عدد الحيضات التى مرت بها منذ الطلاق ، وتاريخ آخر حيضة ، وعلى ضوء ما يتبين لقاضى الموضوع يكون الحكم ، مع مراعاة أن المحكمة لن تجيب المدعى – الرجل – إلى طلبه إذا كانت المدة الماضية لاستحقاق النفقة أقل من ستين يوما .
فإذا دفع الزوج بانقضاء الثلاث حيضات فى مدة الستين يوما من تاريخ حصول الطلاق أو العلم به – حسب الحالة- أو أكثر من ذلك ، ولم تحضر المطلقة رغم إعلانها ، عندئذ تقضى المحكمة بإسقاط النفقة بناء على نكول – أى امتناع- المطلقة عن حلف اليمين ، أى أن تخلف المطلقة عن الحضور يحسب ضدها .

ثالثا : يبتدىء الحساب من تاريخ العلم بالطلاق ، وإن اختلف هذا التاريخ عن التاريخ الفعلى لوقوع الطلاق ، كما لو طلق رجل زوجته فى غيابها ، فالعبرة بتاريخ العلم ، وذلك على أساس المادة الخامسة من المرسوم بقانون 25 /1929 ، حيث نص فى فقرتها الثالثة على أن ترتيب الآثار المالية للطلاق ، ومنها النفقة ، من تاريخ علم المطلقة به ، شريطة أن تقيم الدليل على أن المطلق قد تعمد إخفاء وقوع الطلاق عنها ، فإن لم تفعل أو عجزت فإن تلك الآثار تترتب من تاريخ وقوع الطلاق ذاته ، وعمليا يمكن القول بأن تأخر العلم بالطلاق عن تاريخ وقوعه لا يتصور إلا فى حالات الطلاق الغيابى دون توثيق .
وهذا كله بالنظر إلى حساب المدة التى تستحق عنها المطلقة النفقة ، وهل هى ستون يوما ، أم ثلاثة أشهر ، أم سنة ؟ ومتى يبتدىء هذا التاريخ ؟
أما كم تستحق المطلقة من مبالغ أو أشياء عينية كنفقة عدة :
فإنها تستحق النفقــة بأنواعـها من مأكل وملبس ومسكن والدواء وغير ذلك مما يقضى به الشرع ، كيف كان نوع الطلاق ، وكيف كان حال المطلقة من الحمل وعدمه ، ولأى سبب كانت الفرقة .

س : مطلقة لم تزل فى عدتها ، وهى حامل ومرضع وبالطبع حاضنة للرضيع ,هى ترغب فى طلب نفقة عن طريق المحكمة . فماذا تطلب ؟
ج: تعتبر المعتدة حتى تنتهى عدتها شرعا فى حكم الزوجة ، وليس للزوجة فى زواج صحيح على زوجها أبى ولدها شىء من أجور الحضانة والرضاع ،حسب القاعدة العامة فى هذا الخصوص ، والتى تقرر أنه " لا يجوز للأم أن تجمع بين النفقة والأجور ، فطالما كانت الأم تستحق النفقة على والد الصغير سقط حقها فى استحقاق الأجور " .
وبفرض أن صاحبة المشكلة مطلقة ، وليست مخالعة – من الخلع – ولم تبرىء زوجها من نفقة العدة بعد حصول الطلاق ، وبفرض أن الزواج تم بعقد صحيح ، فإن السائلة تستحق :
1- نفقة عدة بصرف النظر عن سبب الطــلاق ، ومادامت تستحق نفقــــة عدة فليس لهــا – حالئذ - الحق فى أجر حضانة أورضاعة ، حتى تنتهى عدتها بوضع حملها
2- وبعدها يكون لها الحق فى أجر رضاع حتى يبلغ الرضيع سن السنتين فقط ويتوقف أجر الرضاع .
3- كما أن لها أجر حضانة يستمر حتى يبلغ المولودان السن الإلزامية للحضانة - وهى حسب القانون رقم 4 لسنة 2005 خمس عشرة سنة لكل من الصغير والصغيرة. هذا بالإضافة لما يحكم به من نفقة للصغار .
4- وإن لم يكن الطلاق بسبب من جهتها ، ولم يكن خلعا ، أو طلاقا على الإبراء فإن لها مؤخر الصداق ، ومتعة .
5- وإن كان زوجها قد امتنع عن الإنفاق عليها قبل الطلاق فإنها تستحق متجمد نفقة من تاريخ امتناعه عن الإنفاق عليها ، مع ملاحظة ألا تزيد مدة المطالبة عن سنة نهايتها تاريخ رفع الدعوى .



س:سائلة تقول : تزوجت رجلا وعشنا معا سنوات ثم اكتشفنا أننا أخوة من الرضاع فطلقنى فما هى حقوقى ؟
ج:الحقيقة أنكما افترقتما بفسخ أو متاركة وليس بطلاق ، لأن من شرط الطلاق أن يكون الزواج صحيحا ، وقد تبين أن زواجكما لم يكن صحيحا من المبتدأ ، وبالتالى ففراقكما ليس طلاقا ولكن يسمى فسخا.
وحيث إن الشرط فى ثبوت الحق فى الآثار المالية هو صحة الزواج ، وقد تبين كما جاء فى السؤال عدم صحة الزواج فلا حق لك ، كزوجة أو مطلقة . ولكن إن كان لكما أولاد ،هم فى حضانتك الآن ، فأنت تستحقين أجر حضانة على ذلك حتى يصل سن كل واحد من الأولاد إلى خمس عشرة سنة ‘ هى نهاية سن الحضانة الإلزامى ، وإن كنت ترضعين فلك أجر رضاع إلى سن الفطام الشرعى ، وهو سنتان من الميلاد ، وستسلم إليك نفقة الأولاد باعتبارك ذات اليد يعنى أنهم فى يدك أنت .

الخلع والنفقة :
س : أرغب فى الاستفـــــادة من الجديد فى قوانين الأحــوال الشخصية خصوصا الخلع فأنا فعلا أرغب فيه لأسباب شخصية ، فهل إذا تم الخلع يمكننى أن أطالب زوجى بنفقة عـــــدة ونفقة متعة ؟
ج: من الأخطاء الشائعة تصور أن الخلع نظام جديد على قوانين الأسرة فى مصر والعالم العربى ، حتى إن بعض الكتابات تعده نصرا حصلت عليه المرأة المعاصرة ، وهذا لا شك خطأ ، فالخلع نظام إسلامى أقر منذ عصر الإسلام الأول ، وهذا النظام وإن لم يكن منصوصا عليه صراحة فى القوانين السابقة على قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصيةالصادر بالقانون 1/2000 ، إلا أنه كنظام كان مرعيا بحسب الإحالة إلى الراجح فى المذهب الحنفى فى حالة عدم وجود نص تشريعى . وقد أورد المستشار أحمد نصر الجندى – وسيادته من أهل الخبرة المتضلعين فى قضايا الأحوال الشخصية – جملة من أحكام المحاكم المختلفة تبرهن على أن القضاء المصرى قضى فى قضايا خلع كثيرة قبل القانون 1/2000 بمقتضى الراجح فى المذهب الحنفى والمقرر بمقتضى الإحالة المرعية بالمادة 280 من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية .
وحسب المادة (20 ) من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية والصادر بالقانون 1/2000 ، والتى تبغى السائلة الاستفادة من حكمها فإن الخلع :
1- إما أن يتم بالتراضى والاتفاق بين الزوجين .
2- أو يتم بحكم المحكمة إذا لم يحدث تراض .
وفى كلتا الحالتين لا تستحق المرأة هنا – وتسمى المختلعة ، أى طالبة الخلع – نففقة متعة ، لحصول الطلاق برضاها . ( بمقتضى المادة 20 المشار إليها ، والمادة 18 مكرر من القانون 25 / 1929 والمضافة بالقانون 100 /1985 )
أما نفقة العدة فلا حق للمختلعة قضاء – أى بحكم المحكمة – فيها ، لأن من شروط الحكم بتطليقها خلعا عن طريق المحكمة أن تتنازل عن جميع حقوقها المالية الشرعية .
و أما المختلعة بالتراضى مع الزوج فالاتفاق الذى تم الخلع على أساسه هو الذى يحدد ما إذا كانت المختلعة قد أبرأته من نفقة العدة أم لا .
وعموما فالمؤكد أن ما تستحقه المختلعة على من خالعها هو فقط متجمد النفقة ، بعد أن صارت النفقة دينا قويا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ، وما عدا ذلك من حقوق مالية ثبتت بالنكاح فعرضة للضياع ، ومن ذلك يقينا أن لاحق لك فى نفقة متعة عموما ، وليس لك نفقة عدة إذا تم الخلع بحكم المحكمة ، وإن تم بالتراضى فاتفاقك مع الزوج هو الذى يحدد الموقف ، وإن كنا ننصحك بالتروى فى تقدير السبب الشخصى للخلع .



متعـــــــــــــــــــــــة المطلقة :
من جماليات الإسلام حرصه على جبر الخواطر وتهدئة النفوس ، ومعالجة آثار الطلاق كلما أمكن ذلك .
ومن الوسائل العلاجية التى قررها الشرع فى هذا الصدد ما عرف باسم متعة الطلاق أخذا من قول الله تعالى " وللمطلقات متـاع بالمعروف حقا على المتقين " . وقد اشتهرت على ألسنة الناس باسم نفقة المتعة .
وعلى ما يستخلص من أحكام المتعة فإنها عبارة عن : مبلغ من المال أو ما يقوم مقامه يٌلزم به المطلق الذى أساء استعمال حقه فى الطلاق .
وبصريح نص المــــادة 18 مكــــــررا من المرسوم بقانون 25/1929 والمضافة بالقانون 100 / 1985 فإن المتعة تستحق للمطلقة بغير رضاها ولا بسبب من قبلها – أى جهتها – فإن رضيت بالطلاق أو كانت هى التى دفعت إليه – بغير حق- فلا حق لها فى المتعة .
وكما تقرر المادة المذكورة فإن المتعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل ، وبمراعاة حال المطلق يسرا وعسرا وظروف الطلاق ومدة الزوجية ، ويجوز أن يرخص للمطلق فى سداد مبلغ المتعة على أقساط .
وفى ضوء ما تقرر قانونا وما تجرى به أحكام المحاكم فى مشكلات المتعة نعرض للفرضيات الآتية :
س : هل نفقة المتعة هى ما يسمى بالأجر فى ما يعرف بزواج المتعة ؟ وهل هى حلال أم حرام ؟ .
ج : لا ، نفقة المتعة شىء وما يسمى بزواج المتعة عند بعض طوائف الشيعة شىء آخر ، وأقل ما يقال فى الفرق بينهما أن متعة الطلاق مشروعة باتفاق العلماء ، وكثير من الفقهاء يقولون بوجوبها ، يعنى من لم يوفها يحاسب عليها حسابا شديدا ، أما ما يعرف بزواج المتعة فلم يقل بجوازه ومشروعيته إلا بعض طوائف الشيعة ، أما أهل السنة فيقولون أنه غير مشروع وحرام ، وبذلك يتضح لنا أن متعة الطلاق حلال ، بل هى مستحبة على الأقل ، ومن الفقهاء من يوجبها وهو الرأى الذى أخذ به القانون ، على اعتبارها صورة من صور جبر الضرر.

س: طلقنى زوجى قبل الزفاف فهل استحق نفقة متعة ؟
ج : نذكر بما قلناه فى التمهيد من أن القانون الواجب التطبيق فى مشكلات الأحوال الشخصية ، ومن بينها النفقة ، شىء من اثنين :
أولا : التشريعات الصادرة فى مسائل الأحوال الشخصية .
ثانيا : الراجح من الأقوال فى المذهب الحنفى عند عدم وجود نص يحكم المشكلة .
وفى خصوص السؤال فإن المادة 18 مكرر من القنون رقم 25 /1929 تناولت فقط أحكام متعة " الزوجة المدخول بها فى زواج صحيح إذا طلقها زوجها دون رضاها ولا بسبب من قبلها " ومعنى ذلك أن الزوجة غير المدخول بها – أى التى لم تزف إلى زوجها – لم يتناولها النص ، ومن ثم فإنها تخضع لحكم الراجح من المذهب الحنفى .
وبمقتضى أرجح الأقوال فى مذهب الأحناف فإن الزوجة التى اختلى بها الزوج خلوة شرعية صحيحة – أى احتمعا فى مكان تهيأت فيه الظروف تماما لاستمتاع جنسى وإن لم يحدث - تأخذ حكم المدخول بها ، لأن الأحناف يسوون بين الخلوة الصحيحة والدخول فى الحكم .
وبمقتضى الراجح أيضا فإن المطلقة قبل الدخول والخلوة الصحيحة تستحق متعة بشرط ألا يكون قد فرض لها – أى حدد لها – مهر فى عقد الزواج ، فإن كان قد حدد لها فإنها تستحق فقط نصف المحدد ، وإن كان لم يحدد لها مهر استحقت متعة ، وذلك كله بمقتضى الإحالة المقررة بالمادة الثالثة من القانون رقم 1/2000 .
وفى ضوء ذلك فجواب سؤال السائلة كما يلى :
أ‌- إن كانت قد حدثت بينك وبين زوجك خلوة شرعية صحيحة – أى حصل بينكما بعد عقد القران استمتاع ، وتهيأت الفرصة لمعاشرة جنسية ولم تتم – فإن لك عندئذ الحق فى المتعة فضلا عن نفقة العدة ومؤخر الصداق ، ولا تأثير فى هذه الحالة لتسمية – أى تحديد – أو عدم تسمية مهر .
ب‌- إن لم تكن وقعت بينكما خلوة شرعية فأنت تستحقين المتعة فى حالة ما إذا لم تتفقا على مهر محدد ، فإن حددتما مهرا فلك الحق فى نصفه ، وليس عليك عدة ، ولا لك نفقة عدة .

س : تزوجت رجلا يكبرنى فى السن له ولد شاب فى مثل سنى كان يعيش معنا فى بيت واحد ، وقد لعب الشيطان بنا فأقمنا علاقة محرمة بيننا ، ولما اكتشف زوجى هذه العلاقة طلقنى فهل لى الحق فى نفقة متعة ؟
ج : اسمحن لى أن أذكربداية بهذين البيتين لأمير الشعراء أحمد شوقى يقول :
فتًشت لم أر فى الزواج كفاءة :. ككفاءة الأزواج فى الأَعمار
وتعللوا بالشرع قلت كذبتمو :. ما كان شرع الله بالجزار .
ومما يؤثر عن الإمام أحمد بن حنبل قوله " إياك أن تزوج البنت بشيخ – أى مسن – فربما حملها ذلك على ما لا ينبغى " .
لهذا فإننا نحذر من مغبة التغافل عن التقارب السنى بين الزوجين لما يترتب على هذا التغافل من آثار وخيمة .
أما عن السؤال فجوابه أنها لا تستحق متعة على كل آراء الفقهاء ، وبمقتضى المادة 18 مكررا ، وعلى ما جرى به القضاء فى مصر .
فمذهب الحنفية : أن كل فرقة – بضم الفاء – بمعصية من جهة المرأة تسقط نفقتها ومتعتها ، والسائلة قد ارتكبت معصية توجب فسخ النكاح ، فتجب الفرقة بحكم الشرع لا بطلاق الزوج .
والمادة18 مكررا توجب لاستحقاق المتعة أن يكون الطلاق قد وقع رغما عن المطلقة ، أى بغير رضاها وبغير سبب إساءة من جانبها .
وفى أكثر من حكم قضت المحاكم المصرية برفض طلب المتعة لوقوع الطلاق بسبب إساءة من جانب المطلقة لأسباب دون الزنا مع ابن الزوج مثل اعتداء الزوجة وأهلها على الزوج ، أو لإهمالها لزوجها واحترافها عملا دون إذنه ، أو قيامها بسب الزوج وقذفه .

س : اكتشفت أن زوجى على علاقة بأمى ، وتحت إصرار منى على الطلاق طلقنى . فهل لى متعة ؟
ج : كمبدأ عام يجب أن يعلم أن أكثر أحكام الزواج خصوصا من حيث نشأته لم تزل خاضعة للراجح من المذهب الحنفى ، فالمسائل التى تناولتها تشريعات الأحوال الشخصية من ذلك قليلة جدا ، أما الأكثرية فلم تزل دون تنظيم فتخضع بمقتضى الإحالة المقررة بالمادة الثالثة من القانون 1/2000 لأرجح الأقوال فى المذهب الحنفى .
ومن ذلك مثلا انتفاء المحرمية بين الزوجين ، حيث يرجع فى أكثر تفصيلات هذا الشرط إلى المذهب الحنفى ، والمقرر فيه أن الوطء – أى المعاشرة الجنسية – حلاله وحرامه سواء فى حرمة النكاح ، فتحرم على الشخص بنت المزنى بها كما تحرم عليه بنت زوجته التىدخل بها – نقصد الزوجة أم البنت – فإن تزوج بنت المزنى بها فزواجه فاسد يجب رفعه بمجرد العلم بالسبب .
وعلى ذلك فجواب السؤال يقتضى أن نفرق بين حالتين :
الأولى : إذا كانت علاقة الزوج بالأم علاقة قديمة ترجع إلى ما قبل زواجه ببنتها فهذا الزواج فاسد ، والزواج الفاسد لا يوجب المتعة .
الثانية : أما إذا كانت العلاقة طــــارئة بعد الزواج فهذه معصية توجب الفرقة من قبل الزوج ، والفرقة الحاصلة بمعصية من الزوج لا تؤثر فى حقوق المطلقة فتجب لها المتعة ، وهذا ما يقتضيه نص المادة 18 مكرر من القانون 25/1929 بنصها " الزوجة المدخول بها فى زواج صحيح إذا طلقها زوجها دون رضاها ولا بسبب من قبلها تستحق فوق نفقة عدتها متعة ......." .

س: سمعت أحد المتحدثين يقول إن القانون خالف الشريعة عندما قرر أن نفقة العدة تقدر بنفقة سنتين على الأقل ، بينما يقول الله تعالى فى القرآن " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره " فهل هذا صحيح ؟
ج : لا ، بل هذا فهم خاطىء لا يدرك مقاصد النص القرآنى من جبر خاطر المطلقة ومواساتها ، كما يتغافل عن حقيقة تراخى المروءة فىهذا الزمن ، وقد أغنتنا المحكمة المحكمة الدستورية العليا عن الجدل فى هذا الموضوع وقضت بجلسة 15/3/ 1993 بدستورية المادة 18 مكررا وذلك فى القضية رقم 7لسنة8ق ، ومما جاء فى هذا الحكم الرائع .
( أن أصل تشريع المتعة هو القرآن الكريم ، وقد تعددت مواضعها ، ومنها قوله تعالى " وللمطلقات متاع بالمعرف حقا على المتقين " وبناء عليه نحا الشافعى – فى أحد قوليه – وكذلك الظاهرية إلى القول بوجوب المتعة ، وأيدهم فى ذلك آخرون ، باعتبار أن قوله تعالى " حقا " صفة لقوله " متاعا " وذلك أدخل لتوكيد الأمر بها ، بالإضافة إلى أن عموم خطابها مؤداه عدم جواز تخصيص حكمها بغير دليل ، وسريانه على كل مطلقة ، سواء كان طلاقها قبل الدخول بها أم بعده ، فرض لها مطلقها مهرا أم لم ، أم لم كانت غير مفروض لها .
وجماهير الفقهاء على استحباب المتعة بمقولة افتقارها إلى أمر صريح بها ، ولكن تقرير وجوبها فى آية المطلقات قبل الدخول ودون فرض الأمر الإمتاع فيها ظاهر لا شبهة فيه ، يقول الله تعالى " ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين " وانصراف الحكم بالمتعة إلى المتقين والمحسنين لا يدل على تعلقها بهم دون سواهم ، بل هو توكيد بإيجابها باعتبار الناس جميعا ملزمون بالامتثال إلى أمر الله وعدم الانزلاق فى معاصيه .
وحيث إن البين من استقراء أقوال الفقهاء فى شأن دلالة النصوص القرآنية الواردة فى شأن المتعة أنهم مختلفون فى نطاق تطبيقها من ناحية ، وفى وجوبها واستحبابها من ناحية أخرى ، وما ذاك إلا لأن هذه النصوص ظنية فى دلالتها غير مقطوع بمراد الله فيها ، وجاز عندئذ لأولى الأمر الاجتهاد فيها تنظيما لأحكامها بنص تشريعى يقرر أصل الحق فيها ، ويفصل شروط استحقاقها بما يوحد تطبيقها ، ويقيم بنيانها على كلمة سواء ترفع نواحى الخلاف فيها ، و لا تعارض الشريعة فى أصولها الثابتة أو مبادئها الكلية ) . ( مختصرا من حكم الدستورية المذكور ) .

س: كنت قد طالبت طليقى بمائة ألف متعة ، وكذلك فعلت أختى مع طليقها ، غير أن المحكمة لم تحكم لى مثلما حكمت لها . فهل ظلمتنى ؟
ج: لا سيدتى ، لم تظلمك المحكمة ، لأن اعتبار المماثلة – كأن يقضى لك مثلما يقضى لأختك – مقرر استثناء وفى حالات محدودة ، مثل المهر فى حالة عدم تحديده ، وفى تقدير يسار الزوج إذا طلق عليه القاضى زوجته لعدم الإنفاق ، وهو نوع من التشدد قصد به حماية المرأة ، وفى بعض مظاهر تقدير نفقات الأولاد ، وفيما عدا ذلك لا نكاد نجد اعتبارا للمماثلة فى تقدير استحقاقات المرأة على زوجها أو طليقها ، ومن ثم فلا تثريب على المحكمة إن قضت لك بغير ما قضت به لأختك ، وذلك لأن العناصر الاسترشادية المقررة بالمادة 18 مكررا لا تشير من قريب ولا بعيد إلى مراعاة المثل ، وإنما تقرر فى وضوح أن تقدير المتعة يخضع لسلطة المحكمة مسترشدة فى ذلك بحال المطلق يسرا وعسرا ، وظروف الطلاق ومدة الزوجية ، بشرط واحد هو ألا ينزل حكم المحكمة عن الحد الأدنى فى تقديرها بنفقة سنتين على الأقل . وبذلك قضت محكمة النقض المصرية المصرية فى الطعن رقم 75 لسنة56ق بجلسة 20/12/1988 .

س: تزوجت رجلا له نفوذ ، وكثيرا ما كان يؤذينى أذى شديدا ، خصوصا عندما نكون وحدنا مما كان يحرمنى أن أشهد عليه أحدا ، بل عندما حاولت شكايته فإنه استطاع بنفوذه ودهائه أن يظهرنى بأننى المخطئة ، مما اضطرنى أن أتوسل إليه أن يطلقنــى فقال : إن أبريتنى طلقتك . فأبرأته، تحت الضغوط ، فهل لى عليه متعة ؟ .
ج : الظاهر من الأحوال أن الإبراء من المتعة أو من كافة الحقوق الشرعية يدل على الرضا بالطلاق ، والطلاق الذى يتم برضا من الزوجة لا تٌستحق به متعة لتخلف أحد شرطى وجوبها وهو انعدام الرضا . أى أن ظاهر الحال يشكل قرينة قانونية على تخلف أحد شرطى وجوب المتعة .
غير أن هذه القرينة تقبل إثبات العكس ، بمعنى أنه إذا أمكنك أن تثبتى أن هذا الإبراء كان وليد إكراه ، وأنه صدر مشوبا بعيب فى الرضا فإنه سيبطل ويتحول عندئذ الطلاق إلى طلاق رجعى – لأنه لم يعد طلاقا على الإبراء – وبالتالى تُستحق المتعة .
ووصولا إلى هذه النتيجة لابد وأن تذكرى فى صحيفة دعواك طلب متعة أنك أكرهت على الرضا بالطلاق وعلى الإبراء ، وعندئذ ستحيل المحكمة الدعوى للتحقيق ، ويقع عليك عبء إثبات حصول الإكراه .

س: زوجى يسىء معاملتى جدا فهل إذا رفعت دعوى بطلب تطليقى منه للضرر أمام المحكمة يمكن أن أخسر حقى فى المتعة ؟.
ج :ظاهر نص المادة 18 مكررا من القانون 25/ 1929 والمضافة بالقانون 100/1985 أن طلب الزوجة التطليق من المحكمة يعد من جانبها دليلا على الرضا المسبق بوقوع الطلاق مما يفقدها أحد شرطى استحقاقها المتعة .
ويميل كثير من الشراح إلى تأييد هذا الفهم لا سيما وأن صياغة المادة 18 مكرر بلفظ " إذا طلقها زوجها دون رضاها " تقوى هذا الفهم .
غير أن بعض المحاكم الشرعية وأيدتها فى ذلك محكمة النقض المصرية قد ذهبت إلى خلاف ذلك ، فقضت بحق المطلقة بحكم المحكمة فى المتعة استنادا إلى أن تدخل القاضى فى الحالات التى يجوز فيها الحكم بالتطليق على الزوج إنما يقع نيابة عنه ، فكأنه طلقها بنفسه ، كما أن لجوء المرأة إلى القاضى لتطليقها على زوجها بسبب مضارته لها وثبوت هذه المضارة فيه إكراه لها على طلب التطليق لتدفع الضرر عنها بما لا يتوافر معه الرضا بالطــــــلاق . ( ينظر مثلا حكم النقض فى الطعن رقم 40 / 54ق بجلسة 26/5/ 1987 ,حكم كلى جنوب القاهرة رقم 1662/ 1983 بجلسة 23/12/ 1984 ).

س: هل من شرط المتعة أن تطلق المرأة طلاقا بائنا ؟
ج : لا ، لا يشترط ذلك ، فالمطلقة طلاقا رجعيا تستحق المتعة على زوجها باعتبار أن العبرة فى استحقاق المتعة هى بالطلاق ذاته ‘ فهو الواقعة المنشئة للالتزام بالمتعة ، على ما قضت بذلك محكمة النقض المصرية ، ويترتب على ذلك عدة نتائج يهمنا العلم بها :
1- أنه يجوز للمطلقة رجعيا أن تطلب الحكم لها بالمتعة فور وقوع الطلاق ، ودون انتظار لانقضاء العدة .
2- أن المطلقة تستحق المتعة حتى وإن قام الزوج بإعادتها إلى عصمته .
3- أن حق المطلقة فى المتعة لا يسقط بتكرار الطلاق ، فكلما طلقت المرأة استحقت المتعة ، فالزوجة تستطيع أن تتحصل على المتعة ثلاث مرات من زوجها ، إذا كان كلما طلقها أعادها مرة أخرى إلى عصمته .
4- زواج المرأة من أكثر من رجل وطلاقها منهم تباعا يوجب لها المتعة على كل منهم استقلالا .

س: تزوجت ولم تدم عشرتنا بعد الزفاف أكثر من شهر واحد فقد تبينت أن زوجى عاجز جنسيا تماما ، وقد طلقت ولم أزل بكــــــــرا فهل لى الحق فى المتعة ؟ .
ج : نعم ، لك الحق فى المتعة فضلا عن مؤخر الصداق ونفقة العدة لأن قصر مدة الزواج لا يمنع استحقاق المتعة ، حيث ورد نص المادة 18 مكرر من القانون 25/1929 والمضافة بالقانون 100/1985 مطلقا عن أى قيد بخصوص المدة ، كما أن المقصود بالدخول فى هذه المادة هو زفاف المرأة إلى زوجها عاشرها معاشرة الأزواج أم لم يعاشرها ، ففى كل الأحوال تستحق المتعة ، متى طلقت دون رضاها وبغير سبب إساءة من جانبها .

س : هل يعد سببا من قبل المرأة يحرمها الحق فى المتعة عجزها عن الإنجاب للعقم ؟
ج: لا ، لأن السبب المعتبر هو السبب الاختيارى الذى يرجع إلى إرادة الزوجة واختيارها ، وليس ما يكون خارجا عن إرادتها .


بعض استفسارات حول الإثبات والتنفيذ
س: كيف أثبت أن زوجى ممتنع عن الإنفاق على ؟
ج : يكون الشخص قادرا على الإنفاق متىكان موسرا ، وقد يسر الشرع سبل إقامة الدليل على الامتناع عن الإنفاق فأجاز إثبات ذلك بكافة طرق الإثبات بما فى ذلك طريق ضعيف جدا يسمى شهادة الاستكشاف ، وهى عبارة عن إخبار القاضى بواقعة لمجرد الاستعلام واستطلاع الرأى ، ومثالها شهادة صراف الخزينة الذى يقوم بتسليم الزوج راتبه شهرا ، وهو ما يعرف فى العمل ببيان مفردات المرتب أو التحرى .
وتعتبر هذه الشهادة من أقرب الوسائل للاهتداء إلى الصواب فى الاستعلام عن حالة الزوج . ومن مميزاتها أنه لا يشترط فيها ما يشترط فى الشهادة المباشرة أو الشهادة السماعية ، ويكفى فيها اطمئنان القاضى إليها حتى يأخذ بها
وهذه الشهادة على ضعفها تكفى فى القضاء بالنفقات والأجور .
إذن تستطيع السائلة أن تثبت امتناع زوجها عن الإنفاق عليها بإثبات يسره من واقع شهادة من جهة عمله بمفردات راتبه ، كما تستطيع أن تثبت ذلك بشهادة الشهود وكافة وسائل الإثبات الأخرى .

س: إذا حصلت على حكم بالنفقة فكيف أنفذه ؟
ج : هناك عدة وسائل متاحة لتنفيذ الحكم بالنفقة :
فأولا : يمكن التنفيذ بالطرق الودية ، حيث يقوم المدين بالنفقة بسداد ما عليه اختيارا.
وثانيا :إذا كان المستحق متجمد نفقة أو متعة لم يحكم بتقسيطها فالأولى التنفيذ بطريق الحجز على ممتلكات المحكوم ضد ه العقارية والمنقولة ، والأفضل الاستعانة بمحام لما يعترض طريق التنفيذ دائما من عقبات .
ثالثا : التنفيذ عن طريق بنك ناصر الاجتماعى فعلى ما تقضى المادة 72 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية فإن " على بنك ناصر الاجتماعى أداء النفقات والأجور وما فى حكمها مما يحكم به للزوجة أو المطلقة مما يحكم به للزوجة أو المطلقة أو الأولاد أو الوالدين .
وتلزم المادة 73 جهات الأعمال بخصم المبالغ المطلوبة فى الحدود التى يجوز الحجز عليها وفقا للمادة 76 من المرتبات والأجور وما فى حكمها والمعاشات وإيداعها خزانة البنك فور وصول الطلب إليها ، ودون الحاجة إلى إجراء آخر .
وتلزم المادة 74 المحكوم ضده إذا لم يكن من ذوى المرتبات والمعاشات أن أن يودع المبلغ المحكوم به خزانة بنك ناصر الاجتماعى أو أحد فروعه أو وحدة الشئون الاجتماعية التى يقع محل إقامته فى دائرة أى منها فى الأسبوع الأول من كل شهر متى قام البنك بالتنبيه عليه بالوفاء .
وهذا الطريق هو أيسر الطرق لتنفيذ الحكم بالمبالغ المحكوم بها ، مع مراعاة أن المادة 76 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى تقرر أن ما يجوز الحجز عليه وفاء لدين نفقة أو أجر أوما فى حكم ذلك للزوجة أو المطلقة أو الأولاد أو الوالدين يتم فى حدود معينة لا تجاوز 25% من المرتب أو الأجر أو المعاش ، للزوجة الواحدة أو المطلقة الواحدة ، وتكون فى حدود 40% فى حالة وجود أكثر من واحدة ، 25% للوالدين أو أيهما ، 35% للولدين أو أقل ، 40% للزوجة أو المطلقة ، ولولد أو اثنين والوالدين أو أيهما ، 50% للزوجة أو المطلقة ولولد أو اثنين ، والوالدين أو أيهما .
وفى جميع الأحوال لا يجوز أن تزيد النسبة التى يجوز الحجز عليها على 50 % تقسم بنسبة ما حكم به لكل منهم .
رابعا : وتأمينا لزوجات ومطلقات ومستحقى النفقات على العاملين بأعمال غير منتظمة – ظهورات- دعت المادة 71 إلى إنشاء نظام تأمين الأسرة ليكون على رأس أهدافه إعانة بنك ناصر الاجتماعى فى تنفيذ أحكام النفقات ، وقد تم بحمد الله تعالى إصدار القانون رقم 11/2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة ‘ هدفه كما جاء فى المادة الأولى من هذا القانون تنفيذ أحكام النفقات ، ولا يستهدف الربح ، وتكون له الشخصية الاعتبارية ، ويتبع بنك ناصر الاجتماعى ، وله عدة مصادر تمويلية .
وبإقرار هذا النظام أصبح تنفيذ أحكام النفقات ميسورا بإذن الله ، فإن لم تستطع السائلة التنفيذ بالطرق الودية فما عليها سوى اللجوء إلى بنك ناصر الاجتماعى ومعها الصورة التنفيذية للحكم وما يدل على تمام الإعلان لاقتضاء المبلغ المحوم به عن طريق البنك ، وسيقوم البنك بعد ذلك باستيفاء ما يكون قد أداه بالطرق المقررة قانونا .

س: هل لمن صدر ضده حكم بالنفقة الحق فى الطعن عليه ؟
ج : نعم يجوز سيرا على القاعدة العامة فى الطعن على الأحكام ، ولكن نظرا لأن أحكام النفقة تتصل بحياة الإنسان وتعيشه فإن المشرع قد خص الطعن والاستشكال فيها بقواعد خاصة استهدفت حماية الغرض من الحكم والعمل على نفاذه ، فنص على شمول أحكام النفقة بالنفاذ المعجل وبدون كفالة ، وعلى أن الطعن فى هذه الأحكام أو الاستشكال فيها لا يوقف تنفيذها ، مع مراعاة أنه لا يجوز الطعن على الحكم الصادر من محكمة جزئية بطريق النقض ، ومعلوم أن المشرع قد أخضع دعاوى النفقة فى الأصل لولاية المحاكم الجزئية ، فيكون فيكون الطعن عليها بالاستئناف هو نهاية المطاف فى هذا الموضوع .

س : صدر لى أكثر من حكم بنفقة متجمدة ونفقة حالة دون أن أتمكن من التنفيذ بسبب تهرب زوجى من التنفيذ ، فهل لى أن أطلب حبسه فى ذلك ؟
ج : صح عن النبى صلى الله عليه وسلم قوله " مطل الغنى ظلم يحل عرضه وعقوبته " ومن هذه القاعدة أخذ جمهور الفقهاء القول بحبس المدين بالنفقة إذا اقتضى الأمر ذلك ، حتى لا يضار من فرضت له النفقة من مماطلة من فرضت عليه .
وبجواز الحبس أخذت قوانين الأحوال الشخصية الصادرة فى مصر ، إلا أن قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية والصادر بالقانون 1/2000 كان أكثرها قربا من فقه وفلسفة الحبس فى قضايا النفقة .
وحتى لا نرهق القارئات بتفصيلات هن فى غنى عنها نقول فى إيجاز إن الحبس فى دين النفقة قد أصبح عسيرا فى ظل المادة76 من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى ، بناء على أساس أن الحبس ليس عوضا عن المبلغ المحكوم به ، وإنما جعل الحبس للحمل على السداد والردع عن المطل ، ومن ثم لايلزم قياس مدة الحبس بمقدار المبلغ المحكوم به ، بل للقاضى حبس المماطل المدة التى يراها كافية لحمله على الامتثال لما أمر به من أداء المحكوم به .
بل إذا صدر الحكم بالحبس فعلا فإن المحكوم عليه يستطيع تفادى التنفيذ بالسداد أو بتقديم كفيل مقبول ، بل متى فعل بعد حبسه فعلا ذلك أخلى سبيله .
هذا فضلا عن توافر مجموعة من الشروط واستنفاذ مجموعة من الإجراءات للوصول إلى الحكم بالحبس حتى لا تكون دعوى الحبس وسيلة للنكاية بالمحكوم عليه .
واليوم وبعد إلزام بنك ناصر الاجتماعى بأداء ما يحكم به من نفقات وأجور وما فى حكمها للزوجة أو المطلقة أو الأولاد أو الوالدين ، وبإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة لتأمين أداء بنك ناصر الاجتماعى للوفاء بالنفقات المحكوم بها ، بعد كل ذلك يصبح القول بحبس المدين المماطل بأداء النفقة الحالة خبرا من الماضى .
والمتصور الآن أن يكون الحبس وسيلة لإكراه المدين على الوفاء بالنفقة المتجمدة ، أو المتعة ، أما النفقة الشهرية فاستيفاؤها عن طريق بنك ناصر الاجتماعى يغنى عن مشقة السير فى طريق الحبس الطويل .
ومع ذلك فمن حق السائلة أن تعلم أنها تستطيع أن تطلب حبس المدين المماطل فى الوفاء بدين نفقة صدر به حكم نهائى – أى لايقبل الطعن – وذلك من المحكمة التى أصدرته ، أو من المحكمة التى يجرى التنفيذ بدائرتها ، ومتى ثبت لدى هذه المحكمة أن المحكوم عليه قادر على القيام بأداء ما حكم به وأمرته الالمحكمة بالأداء ولم يمتثل حكمت بحبسه مدة لا تزيد على ثلاثين يوما " ويسمى هذا الإجراء إكراه بدنى " .
ويستطيع المحكوم عليه تفادى التنفيذ أو وقف تنفيذه متى أدى ما حكم به أو أحضر كفيلا يقبله الصادر لصالحه الحكم ، وذلك دون إخلال بالحق فى التنفيذ بالطرق العادية .
فإن تم استنفاذ هذه الإجراءات ولم يوف المدين بالنفقة مع قدرته على الوفاء فإن ا لدائنة – أى من صدر لها حكم النفقة- تستطيع اللجوء إلى المحكمة الجنائية طالبة معاقبته على أساس المادة 293 عقوبات ، وأقصى ما ينتظرالحكم به وفق هذه المادة هو الحبس مدة لا تزيد على سنة ، والغرامة التى لا تتجاوز 500 جنيه أو احدى هاتين العقوبتين ، ويستطيع المحكوم عليه تفاديها بنفس الأسوب السابق .
فإن لم يوف وتجمد فى ذمته مبلغ آخر غير الذى حكم عليه بسبب المطل فى الوفاء به يمكن طلب حبسه مرة أخرى بنفس الإجراءات السابقة وفقا للمادة 76 مكرر ثم 293 عقوبات إلا أن الحبس على أساس المادة 293 عقوبات يكون وجوبيا هذه المرة ، يعنى لن يحكم عليه بغرامة .
وفى كل حال فإنه فى حال الحبس يستنزل من العقوبة ما قد تكون محكمة النفقة قد حكمت به على هذا الشخص من حبس ، شهر أو أقل ، وإن كان الحكم وفق المادة 293 قد صدر بغرامة فإنه يخصم من مبلغ الغرامة بمقدار خمسة جنيهات عن كل يوم من أيام الإكراه الدنى .
عجز الملتزم بالنفقة عن الوفاء بها :
س: ساءت أحوال زوجى جدا حتى أنه لم يعد قادراعلى الإنفاق على ولا على أولادنا ، ونحن نعيش على مساعدات أهل الخير علما بأن أهله وأهلى مقتدرون . فماذا أفعل ؟
ج : أولا : هناك من الحاجات ما يمكن سدها عن طريق الدولة ، وعلى سبيل المثال التقدم بطلب إلى وزارة التأمينات والشئون الاجتماعية للاستفادة من المعاش الاجتماعى ، ويمكن أيضا التقدم بطلبات إعفاء من المصروفات المدرسية إلى جهات تعليم الأولاد الحكومية ، وإن لم يكن لكم مسكن فيمكنكم الاستفادة من الوحدات المخصصة للحالات الخاصة ، وأحسب أن هناك مجموعة من الصناديق التى يدعمها المجلس القومى للمرأة يمكن أن تعين فى معالجة الأوضاع المالية المتردية ، ولا يفوتنا أن نذكر بأن هناك الآن – خصوصا فى القاهرة والمدن الكبرى – جمعيات خيرية تقدم مساعدات متنوعة للأسر الفقيرة ، وبعضها للحقيقة يقدم حلولا إبداعية للتغلب على البطالة وانعدام الدخل ..
وعلى الرغم من أن كل هذه حلول لا تنبع من قوانين الأحوال الشخصية إلا أننا ننبه إليها ما دمنا نتغيا سد حاجة المحتاجين فى الأساس .
ولا شك أننا نهيب بالمجلس القومى للمرأة وجمعيات المجتمع المدنى أن تمارس أقصى قدر من الضغط لتفعيل الفقرة الثانية من المادة الثالثة من القانون رقم 11/ 2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة والتى تنص على أنه " ويجوز بقرار من رئيس الجمهورية إضافة خدمات تأمينية أخرى للأسرة يمولها الصندوق ، ويتضمن القرار تحديد فئات الاشتراك فيها " فتأمين حاجة الأسرة هدف لا ينبغى أن يكون وجود الزوج والأب حائلا دونه .
إن المادة العاشرة من الدستور ومواد عدة من قانون الطفل رقم 12/1996 لتؤكد على حماية الأمومة والطفولة وإشباع حاجات الطفل الأساسية فى شتى مجالاتها فى إطار من الحرية والكرامة الإنسانية .
وفى ضوء فهمنا لهذه النصوص التشريعية المتنوعة نصر على أن تأمين احتياجات الأسرة التى يعجز عائلها قد أصبح أمرا ملحا بعد تراخى عرى المودة بين الأهل لاسيما مع زيادة الحاجات وضعف الدخول ، ولسنا نشك فى أن إكراه بعض الأقارب على نفقة القريب المحتاج ، بإلزامهم النفقة عليه وعلى أولاده حتى يوسر قد يسد الحاجة ، ولكنه لن يربى نشئا تربية تظهر القوى والمواهب .

ثانيا : أما الحل المقرر فى قوانين الأحوال الشخصية فصورته كما يلى :
المرتضى فقها والمعتمد قانونا أنه لا يشترط يسار الزوج لوجوب نفقة زوجته عليه ، كما لا يشترط يسار الأب لوجوب نفقة صغاره عليه ، وهذا معناه أن مجرد إعسار الزوج والأب عن النفقة لا يسقطها ، بل تفرض عليه النفقة ويؤمر الغير الذى يتحقق فيه شرط النفقة بالأداء ليرجع على الزوج – أو الأب- إذا أيسر .
أما إذا كان كان عدم الكسب سببه مرض مقعد عن العمل فيكون الأب والزوج فى حكم الميت وتسقط عنه النفقة فى هذه الحالة وتجب على من تجب عليه النفقة فى حالة عدم وجوده .
ومعنى ذلك أنه يفرق بين ما إذا كان هذا الزوج – أو الأب- معسرا بالنفقة وهو قادر على الكسب ، أو معسرا بالنفقة عاجزا عن الكسب .
ففى حالة القدرة على الكسب يجبر على الإنفاق ويؤمر من تجب عليه النفقة من أقارب – الزوج – الأب – بالإنفاق نيابة عنه ثم يستوفى منه ما أنفق متى أيسر .
أما فى حال العجز عن الكسب فإنه يعتبر فى حكم الميت ، وتجب نفقته هو وأولاده الفقراء على القريب الموسر ، مع تقديم الأولى من الأقارب فالأولى ، وأولى الناس أبو الزوج – جد الأولاد- ثم أخوه ما لم يكن له ابن قادر على الكسب فيكون هو الأولى .
أما عن طريق الوصول إلى النفقة فى هذه الحالة فيتحدد حسب حال الزوج والأب :
فإن كان معسرا قادرا على كسب عيشه فتقدمى بالدعوى باسمك أنت بصفتك زوجة وحاضنة لأولادك طالبة الحكم لك ولأولادك بالنفقة على الزوج والأب ، وأمر أبى الزوج إن كان موجودا بالنفقة عليك وعلى الأولاد ، وليرجع على ابنه – أى الزوج والأب- متى أيسر ، فإن لم يكن أبو الزوج موجودا فاطلبى أمر من تجب عليه نفقة الأولاد من أقاربهم ، وفى هذه الحالة تلزمهم نفقة الأولاد فقط ، وليرجعوا على الأب إذا أيسر .
وإن كان الزوج والأب عاجزا عن الكسب فعندئذ يمكن رفع الدعوى باسمه هو مطالبا قريبه بالإنفاق عليه وعلى أولاده ، ويمكن رفع الدعوى باسم الزوجة والأم وتختصم فى دعواها الأب والقريب حتى يثبت فقر الأب وعجزه وتفرض عليه النفقة ثم يؤمر القريب بأدائها .
تنبيه : ننصح القارئات للإلمام بشى من إجراءات تحريك دعوى النفقة مطالعة البند رقم سادسا والمعنون له " مظاهر حماية حق الزوجة فى النفقة "
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:32 am

نفقــــــــــــة الأولاد
بداية ننبه أنه لإحاطة أوفى بمشكلة نفقات الأولاد ينبغى مراجعة البند ثانيا – من مبادىء النفقات - والمعنون " الأصل أن نفقة كل إنسان فى ماله " وكذا مراجعة البند سادسا والمعنون " مظاهر حماية الحق فى النفقة " وكذلك مراجعة البند تاسعا والمعنون " نفقات الأولاد والأقارب " وكذا محكمة الأسرة ، وما أوردناه من أجوبة على استفسارات حول الأجور ، أو ما يعرف ب" شبه النفقة " إذ سنغض الطرف عن بعض التفصيلات التى أوردناها فيما سبق تفاديا للتكرار .
التنظيم القانونى لنفقة الأولاد :
قلنا إن التنظيم القانونى نوعان :
تنظيم إجرائى : والغالب فى موضوعات النفقة خضوعها من حيث الشكل والإجراء لقانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية والصادر بالقانون 1/2000 ، وقانون إنشاء محكمة الأسرة والصادر بالقانون 10/ 2004 ، والقانون 11/2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة .
تنظيم موضوعى : ويرجع فى الأساس إلى القانونين 25/1920 ، 25/1929 ، وما لحقهما من تعديلات وإضافات بالقانون 100/1985 ، ولاسيما المواد 18 مكررا ثانيا ، و 18مكررا ثالثا ، والمادة 20 ، فإن لم يوجد نص طبق الراجح فى المذهب الحنفى حسب الإحالة المقررة بالمادة الثالثة من القانون 1 /2000 .
وتعتبر المادة 18 مكررا ثانيا هى الباب الأصيل لتنظيم نفقة الأولاد ، أما المادة 18 مكررا ثالثا فهى تفعيل تطبيقى لبعض حالات نفقة المسكن الواردة فى الفقرة الثالثة من المادة 18 مكررا ثانيا ، وتتناول المادة 20 تنظيم الحضانة والضم وبيان الأحكام المتعلقة بهذا الباب ، ويشغلنا منها بوجه خاص الفقرة الأولى .
وتنص المادة 18 مكررا ثانيا على أن :
" إذا لم يكن للصغير مال فنفقته على أبيه ".
وتستمر نفقة الأولاد على أبيهم إلى أن تتزوج البنت أو تكسب ما يكفي نفقتها ، وإلى أن يتم الابن الخامسة عشرة من عمره قادراً على الكسب المناسب ، فإن أتمها عاجزاً عن الكسب لآفة بدنية أو عقلية أو بسبب طلب العلم الملائم لأمثاله ولاستعداده ، أو بسبب عدم تيسير هذا المكسب استمرت النفقة على أبيه . ويلتزم الأب بنفقة أولاده وتوفير المسكن لهم بقدر يساره وبما يكفل للأولاد العيش في المستوى اللائق بأمثالهم.
وتستحق نفقة الأولاد على أبيهم من تاريخ امتناعه عن الإنفاق عليهم ".
وكما قلنا فإن المادة 18 مكررا ثالثا تعتبر تطبيقا لبعض مشتملات نفقة المحضون وبفرض أنه فى حضانة امرأة لاتشارك المطلق السكنى ، أى أنها تنظم حالة خاصة من افتراق الأبوين وبينهما صغار فى سن الحضانة ، وهذه المادة تنص على أنه :
" على الزوج المطلق أن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم المسكن المستقل المناسب، فإذا لم يفعل خلال مدة العدة استمروا فى شغل مسكن الحضانة المؤجر دون المطلق مدة الحضانة .
وإذا كان مسكن الزوجية غير مؤجر كان من حق الزوج المطلق أن يستقل به إذا هيأ لهم المسكن المستقل المناسب بعد انقضاء مدة العدة.
ويخير القاضى الحاضنة بين الاستقلال بمسكن الزوجية وبين أن يقدر لها أجر مسكن مناسب للمحضونين ولها .
فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به قانوناً .
وللنيابة العامة أن تصدر قرارا فيما يثور من منازعات بشأن حيازة مسكن الزوجية المشار إليه حتى تفصل المحكمة فيها " .

وقد طعن على هذه المادة بعدم الدستورية حيث قبلت المحكمة الطعن وقضت بعدم دستورية أمرين نصت عليهما هذه المادة وتضمنتهما ، وهــــــذان – حسب منطوق الحكم فى القضية رقم 5 / 8قضائية - الأمران هما :
أولاً : إلزامها المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره من مطلقته وحاضنتهم ولو كان لهم مال حاضر يكفى لسكناهم ، أو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه مؤجراً كان أو غير مؤجر .
ثانياً : تقييدها حق المطلق – إذا كان مسكن الزوجية مؤجراً – بأن يكون إعداده مسكناً مناسباً لصغاره من مطلقته وحاضنتهم واقعاً خلال فترة زمنية لا يتعداها ، نهايتها عدة مطلقته .
************
وفيما يلى نتناول جملة من الاستفسارات التى تتعلق بمشكلات نفقات الأولاد .
س : سيدة تقول : كثيرا ما يتركنا – أنا وأولادنا – زوجى دون نفقة مدة طويلة ، أحيانا تزيد على السنتين ، فهل لى أن أطالبه بالنفقة عن هذه المدد المتأخرة ؟ .
ج : الفقرتان ؛ السادسة من المادة الأولى من القانون 25/1920 ، والرابعة من المادة 18 مكرر ثانيا من القانون 25/1929 والمضافة بالقانون 100 /1985 يقضيان بأن :
1- نفقة الزوجة ونفقة الأولاد كلاهما تستحقان على الملتزم بالنفقة – الزوج والأب – من تاريخ امتناعه عن الإنفاق .
2- إلا أن الفقرة السابعة من المادة الأولى من القانون 25/1920 المضافة بالقانون 100/1985 أوردت حكما خاصا بدعوى الزوجة المطالبة بنفقة مدة ماضية أو متجمد النفقة ، فحظرت على المحكمة سماع دعوى نفقة الزوجية عن مدة ماضية لأكثر من سنة نهايتها تاريخ رفع الدعوى .
3- بينما وردت الفقرة الرابعة من المادة 18 مكرر ثانيا خالية من قيد المدة هذا فنصها " وتستحق نفقة الأولاد على أبيهم من تاريخ امتناعه عن الإنفاق عليهم ".
ومقتضى ما تقدم أن السائلة تستطيع أن تطالب زوجها بنفقة الأولاد من تاريخ امتناع أبوهم مهما طالت هذه المدة ، أما المستحق لها هى كنفقة زوجة فمشروط فى المطالبة به ألا تزيد عن نفقة سنة ماضية نهايتها تاريخ رفع الدعوى .

س: كنت أعمل ولكنى وجدت أن مصلحة طفلى الصغير الذى فى سن الرضاع تقتضى التفرغ له فاستقلت من عملى فهل لى الحق فى أن أطالب زوجى بأجرة عن رضاع طفلنا وأجرة عن حضانته ، علما بأن زوجى هو الذى يتولى الإنفاق على البيت ؟
ج : ما يستحق نظير الرضاع والحضانة يسمى أجرا ، والقاعدة الفقهية فى باب النفقات أن " النفقة والأجر لا يستحقان معا فى ذمة واحدة " بمعنى أن الرجل يلزم بأحد الشيئين فقط ، فإن لزمته النفقة لا يلزم بالأجر ، وإنما يلزمه الأجر إذا لم يكن للمرأة عليه نفقة .
ومادام الزوج – كما يقول السؤال – هو الذى يتولى الإنفاق على البيت فيوفر احتياجات الزوجة والصغير فليس للزوجة أجر عن رضاعها أو حضانتها . ، وقد اطردت أحكام القضاء عندنا على ذلك ، ومن تلك الأحكام : الحكم رقم 406 لسنة 1984 – جزئى شبرا – بجلسة 10/2/ 1985 ، حكم محكمة فاقوس الشرعية – المحاماة الشرعية س 10- فى 26/11/1938 ، حكم محكمة الأزبكية الشرعية – المحاماة الشرعية س2 ص 219- فى 17/11/ 1928 . ، حكم محكمة السيدة فى 22/10/1939 – المحاماة الشرعية س 11 ص عدد 6،7 ص 91 ، حكم محكمة السنطة – المحاماة س 16 ع 3-5 ص65 – فى 27/4/1944 . وقد آثرنا الإشارة إلى ذلك نظرا لما لوحظ مؤخرا من كثرة اعتراض بعض النساء – المتزعمات لقضايا المرأة وفق معايير قد نختلف معهن فى بعضها – على هذا الحكم .


س: أنا مطلقة فى العدة وحاضنة لأطفالى وطليقى يدفع لى نفقة عدة ونفقة للأولاد فهل لىالحق أن أطالبه بأجرة عن حضانة الأولاد ؟
ج: ما دمت فى العدة فحقك على المطلق نفقة حتى تنقضى عدتك شرعا إلا إذا كنت قد أبرأت زوجك من نفقة العدة نظير الطلاق . وبما أن ذلك لم يحدث وتتقاضين كما تقولين نفقة عدة فلا حق لك فى أجر حضانة حتى تنتهى عدتك شرعا، وبعدها تستحقين أجرا عن حضانتك لأولادك ما داموا فى السن الإلزامية للحضانة .، وقد تعددت منذ زمن طويل أحكام المحاكم بتأكيد هذا المعنى ، ومن ذلك مثلا ‘محكمة الأزبكية الشرعية حيث قضت فى 17/11 /1928بامتناع فرض أجرى حضانة وإرضاع الصغير للمعتدة التى تستحق النفقة على مطلقها ، وتأكد حكمها بحكم حكم محكمة فاقوس الشرعية فى 26/11/ 1938بالقضاء بأن معتدة الطلاق رجعيا كان أو بائنا المفروض لها نفقة لا تستحق أجر الحضانة ولا الرضاع ( المحاماة الشرعية –السنة الثانية ، والعاشرة ) وانظر : جزئى شبرا رقم 406/1984 بجلسة 10/2/1985 .

س : لزوجى طفل من زوجته الأولى التى طلقها – كما يقول – لسوء سلوكها ، ونظرا لأن أم زوجى سيدة مسنة وليس له أخوات فقد قبلت أن يعيش الولد معنا ، وأنا أرعاه كابنى ، فهل لى الحق أن أطالب زوجى بأجرة عن حضانة هذا الطفل ؟
ج: الحضانة نوع من الخدمة فى أرقى درجاتها ، فالحاضنة تحيط المحضون برعايتها وتغمره بعنايتها ، وتقوم بحاجاته التى يعجز هو ووليه من الرجال عن القيام بها ، ولهذه الأهمية القصوى كانت الحضانة حقا للطفل وحقا لأمه ، ولأحقيتها له لزمت أمه إن تعينت – أى لم يوجد غيرها – واعتبر ما يلزم للقيام بالحضانة جزءا من نفقة الصغير ، ولأحقية الأم فإنها تقدم على غيرها مالم تفقد أهلية الحضانة ، وتستحق نظير ذلك أجرا ما لم يكن لها على أبى المحضون نفقة ، إلا أن هذا الحكم – وهو عدم استحقاق أجر فى حال تقاضى نفقة – خاص بأم المحضون دون غيرها ، وعلى ذلك فإن الزوجة لو تولت حضانة ولد زوجها من غيرها – أى من زوجة أخرى- تستحق أجر حضانة وإن كانت نفقتها واجبة على الزوج لأن حضانتها لهذا الصغير غير واجبة عليها ، والتعبير القانونى الذى يمكن أن نجده فى المصنفات المتخصصة عن هذا المعنى يصاغ عادة بلفظ " الأجور هى : العوض النقدى الذى يحصل عليه القائم بالعمل فى مقابل عمله ، ويدفعه الملتزم بالنفقة لمن يقوم بالعمل لحسابه ، وتدخل الأجور ضمن نفقة الصغير بمعناها السالف بحسبان أن الملتزم بها والد الصغير ، وهى أجور الحضانة والرضاع ، والأصل ألا تعد الأجور من عناصر نفقة الصغير على أبيه بهذا المعنى الدقيق ، إلا أنها تشتبه بها وتختلط معها فهى لها شبه بالأجرة وشبه بالنفقة ، فالأجور تعد من نفقة الصغير بحسبان أنها تستحق له على الأب ، ومن أموال الأخير ، وهى لا تعد من النفقة بحسبان أنها تستحق للقائمة بالعمل شخصيا نظير ما تقوم به من عمل " .
**********

س: تزوجت عرفيا وأنجبت طفلة هى الآن فى سن الرضاع ويرفض زوجى توثيق زواجنا ، وقد قيل لى إن المحكمة سترفض دعواى لإثبات الزواج إذا رفعت دعوى لذلك . فما هى حقوقى المالية التى أطالب بها كأم ومرضعة وحاضنــة لطفلتنا ؟
ج : تنص المادة السابعة عشرة من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى الصادر بالقانون 1/2000 فى فقرتها الثانية على أنه :
" ولا تقبل عند الإنكار الدعاوى الناشئة عن عقد الزواج - فى الوقائع اللاحقة على أول أغسطس سنة - 1931 مالم يكن الزواج ثابتا بوثيقة رسمية ، ومع ذلك تقبل دعوى التطليق أو الفسخ بحسب الأحوال دون غيرهما إذا كان الزواج ثابتا بأية كتابة "
وفى التعليق على هذه الفقرة يقول المستشار الأستاذ أحمد نصر الجندى : الحقوق التى تنشأ عن عقد الزواج قسمان :
1- قسم لا يتوقف سماع الدعوى به على ثبوت عقد الزواج كالنسب والمهر ، فإنهما يثبتان بشبهة ، فلا شك أن الدعوى بهما مسموعة ولولم يوجد المؤيد لسماع دعوى الزوجية لأن القاضى لا يسمع فى ضمن الدعوى بهما دعوى زوجية ، بل يسمع دعوى وطء بشبهة .
2- وقسم من الحقوق يتوقف سماع الدعوى به على ثبوت عقد زواج صحيح كنفقة الزوجة والطاعة والإرث ، فالدعوى بأحد هذه المواد لا يجوز سماعها إلا إذا وجد المؤيد لسماع دعوى الزوجية .
وعلى ذلك فإن السائلة لا تسمع دعواها بوجوب نفقة لها كزوجة لعرفية الزواج ، وعدم ثبوته فى وثيقة رسمية – إنشائية كوثيقة الزواج ، أو بطريق التصادق عليه فى وثيقة تعرف بوثيقة التصادق على الزواج ، أو محضر القضاء المثبت فيه تصادق الزوجين على الزوجية - وحيث لا حق لها فى نفقة فإن لها الحق فى الأجر ، وقد قضت محكمة السيدة فى 22/10 /1939 ومحكمة السنطة – من مراكز طنطا – فى 27/4/1944 بأن " الزواج القائم بين الطرفين إن كان عرفيا ، والزوجة ممنوعة بحكم القانون من الحصول على نفقة لها من طريق الادعاء لحكمه – أى القانون -على دعواها بأنها غير مسموعة ، فقد انتفت علة الجمع – بين النفقة والأجر- ولا مانع من فرض أجرة حضانة ورضاع ومسكن فى هذه الحالة " .
وحيث كان الأمر كذلك فإن على السائلة أن ترفع دعوى نسب الطفلة على الزوج ، ويقبل إثبات ذلك بكل وسائل الإثبات تطبيقا لمبدأ الاحتياط فى النسب ، وتطلب الحكم لها بأجر الرضاع والحضانة وذلك من تاريخ بدأ الرضاع والحضانة ، أى من تاريخ الولادة ، ويقبل دليلا على ذلك البينة الشرعية ، وباعتبار المحضونة فى يدها فإن لها أن تطالب بنفقة شاملة للطفلة من تاريخ امتناع الأب عن النفقة مهما طالت المدة .

س: ضقت بالعيش مع زوجى ووالد طفلتى الرضيعة فطلبت الطلاق فرفض فعرضت عليه أن أبرأه من كل شىء بما فى ذلك أجرة الرضاع وأجرة الحضانة وقد تم الطلاق ، وأنا الآن لا أعمل وأرغب فى الحصول على هذه الأجور فهل يحق لى ذلك ؟
ج‌- الأصل أن الإبراء لما يستحق مستقبلا من أجر لا يصح ، واستثناء من ذلك يجوز الإبراء من الأجور المستحقة مستقبلا نظير الطلاق ، وأساس ذلك أن الإبراء لا يصح إلا إذا كـــان الدين ثابتا فى الذمة ،مستحق الأداء ،وذلك لا يكون بالنسبة لما تستحقه مستقبلا ، فالأصل فيه أن الإبراء منه لا يصح إلا فى حال الطلاق لأنه يكون فى هذه الحالة بعوض فيكون استيفاء لما وقعت البراءة منه ، لأن العوض قام مقامه .
وبناء على هذا قضت محكمة السيدة زينب فى 9/11/1953 – المحاماة الشرعية س 24 ، الأعداد 7-10 ص407 – بأن إبراء المطلقة زوجها من أجرتى حضانة وإرضاع الحمل المستكن بعد انفصاله حيا نظير الطلاق صحيح وملزم لها طبقا للقواعد الشرعية ، و لا يصح النعى بالجهالة فى الصلح على هذين الأجرين ، لأن الرضاع محدد كما هو معروف بسنتين ، وكذلك مدة الحضانة محدودة بمدة معينة فالجهالة منتفية " وكانت نفس المحكمة قد قضت فى 25/12/1930 – المحاماة الشرعية س 2 ص 955- بأن الإبراء من أجر الحضانة مقابل الطلاق مانع من طلب فرضها ، حتى لو عادت المطلقة إلى عصمة مطلقها بزواج جديد ، وأسست هذا القضاء على أن إبراء الزوجة لزوجها من أجر الحضانة نظير الطلاق إنما هو معاوضة ، وقد استوفت المدعية عوضها ذلك ، وهو الطلاق ، فعودها إلى المطالبة بالمعوض عنه جمع بين العوض والمعوض عنه ، وهو محظور شرعا "
ومعنى ذلك أنه بحصول الطلاق تكون الأم المرضع الحاضنة قد استوفت أجرها معجلا وهذا جائز ، وبالتالى فلا حق لك فى المطالبة بالأجور قانونا وننصحك بتسوية الأمر وديا مع والد الطفلة .

س: طلقت من زوجى وانتهت عدتى وعندنا طفل رضيع هو فى حضانتى الآن فما هى الحقوق التى يمكن أن أطالب بها طليقى غير نفقة المتعة ومؤخر الصداق ؟
ج- لك الحق فى طلب نفقة الصغير باعتباره فى يدك ، كما أن لك الحق فى طلب ما يشتبه بالنفقة وهو الأجور ، وحسبما جاء فى السؤال فإن الطفل فى سن الرضاع ولمرضعته الحق فى الأجر ، وكذلك الحكم لحاضنته ، وكلاهما يستحق متى لم تكن القائمة بهما تستحق نفقة على ولى الصغير كزوجة .
وإذ انتهت عدتك كما تقولين فإنك تستحقين هذه الأجور فى مال الصغير ، فإن لم يكن له مال ففى مال أبيه .، والراجح فى الفقه أن الأم تستحق الأجرة على الإرضاع حتى مع عدم وجود اتفاق أو عقد ، لأن الإرضاع قبل الاتفاق لا يكون بالنسبة للأم دليلا على التبرع ، فهى لفرط شفقتها على ابنها وحبها له وخوفها عليه تقدم على إرضاعه ، ولو قبل الاتفاق على الأجرة ، فهذا بذاته لا يعتبر منها إرضاعا على سبيل التبرع ، إذ لا يعنى تركها الأجرة ، بخلاف الأجنبية أى غير الأم ، فلا أجر لها إلا إذا اتفقت عليه مقدما .
وكما ذكرنا قبل قليل فإن الحضانة تعتمد اليد ، بمعنى أنه ما دام الولد بيد الحضانة فإنها تستحق عن ذلك أجرة حضانة حتى ولو لم تكن قد اتفقت على ذلك مع الولى ، أو لم يحكم لها من قبل المحكمة بذلك .
أما نفقة الصغير فتشمل - حسب المادة 18 مكررا ثانيا – المأكل والملبس اللائق بأمثاله، كما يستحق على أبيه سكنى – على ما انتهت إليه المحكمة الدستورية العليا – متى لم يكن لك مسكن تقيمين فيه ، ومن حقك بمقتضى الفقرة الثالثة من المادة 18 مكررا ثالثا أن تختارى إما الاستقلال بمسكن الزوجية حتى يهيىء لك وللطفل مسكنا ملائما لكما ، أو تختارى فرض أجر مسكن مناسب لك وللمحضون ، وحتى إن كان لك مسكن تقيمين فيه والمحضون معك فإن لك أجر مسكن مناسب باعتبار ذلك من مؤنة المحضون . ويجب أن يطلب صراحة فى الدعوى كما يجب بيان ما تطالبين من أجور وذلك فى صحيفة دعواك ، ولا تنسى أن لك الحق فى طلب بدل فرش وغطاء وإن كان زوجك السابق ممن يخدم أولاد أمثاله فمن حقك أن تطلبى بصفتك حاضنة أجر خادم أيضا .


س: طلقت ولى طفلان فى حضانتى وقد كان أبوهما ينفق عليهما ويدفع لى أجرة حضانة ، و قد حدث أن ربح الولد وسنه تسع سنوات جائزة مالية قدرها خمسين ألف جنيه ، كما كسبت البنت – وسنها الآن ست سنوات – جائزة من جوائز شهادات الاستثمار قدرها خمسة وعشرون ألف جنيه ، والمفاجأة أن أباهما بإيعاز من زوجته الثانية يرفض الآن أن يدفع لى أى نفقة ويقول لديهما ما ينفقان منه على نفسيهما . فما الحل ؟
ج : صريح الفقرة الأولى من المادة 18مكررا ثانيا أنه " إذا لم يكن للصغير مال فنفقته على أبيه " ومن هنا كان أول شروط وجوب نفقة الابن على أبيه أن يكون الابن فقيرا لا مال له ، فإذا كان له بعض الأموال إلا أنها لا تكفى نفقته التزم الأب بتكملة الباقى منها ، والعبرة فيما عند الصغير بقيمته لا بريعه ، وقد حكمت المحكمة الدستورية العليا فى الطعن رقم 5/8 قضائية بعدم دستورية المادة 18 مكررا ثالثا فيما نصت عليه وتضمنته من وجوب سكنى الولد على أبيه – والسكنى من مشتملات النفقة – ولو كان له مال حاضر يكفى لسكناه .
وعلى ذلك سيدتى فإن نفقة طفليك وأجر حضانتهما حتى تنتهى مدة الحضانة الإلزامية فيما استحق لهما من مال حاضر ، فإن كان لا يكفى التزم الأب بتكملة الباقى ، ومتى نفد هذا المال عاد الالتزام بالنفقة على الأب ، وحتى يحدث ذلك فلا مفر من تسوية الأمر وديا مع الأب ، وإقناعه بأفضلية ادخار مبلغ الجائزتين لصالح الطفلين مستقبلا ، فإن رفض فلا حل إلا الرضا بالواقع .

س : اتفقت مع طليقى والد ابنى وابنتى على مبلغ معين كأجرة حضانة ، ومبلغ آخر كأجرة رضاع بنتنا وهى للعلم فى سن الرضاع . وأنا أرى الآن أن هذا المبلغ لا يتناسب مع ما أبذل من جهد مع الأولاد ، فهل لى الحق أن أطالب بزيادة ؟
ج- تطلبين زيادة أجرين :
1- أجر عمل عن الحضانة ، والعمل لا يتغير وبالتالى فقد سار القضاء على عدم زيادته وبذلك قضت محكمة مغاغة فى 21/3/1931 .
2- أجر رضاع ، وهذا كما يرى الفقه يستحق الزيادة باعتبار أن الرضاع يستلزم من الأم زيادة كمية الغذاء المقررة لها إدرارا للبن وحتى تقوى على إرضاع الصغير ، وباعتبار أن هذا الأجر يختلط فيه مفهوم المؤنة والأجر، مما يسمح بالقول أنه يدخل فيه ثمن الغذاء الذى يتناوله الرضيع ، وهو لبن الأم .
وعلى ذلك يكون المفروض كأجر رضاع ذا حجية مؤقتة يرد عليه التغيير والتبديل بتغير دواعى فرضه ، وليس كذلك أجر الحضانة .

س : أنا مطلقة وحاضنة وقد أوشكت حضانة ابنى على الانتهاء ولم أكن أعرف أن للحاضنة وإن كانت أم المحضون الحق فى أجرة حضانة ، والآن هل لى أن أطالب بأجرة حضانتى لابنى عن المدة الماضية والتى تبلغ سبع سنوات ؟
ج: مما جاء به القانون 100/985 بتعديلاته وإضافاته المدخلة على القانونيين 25/1920 والقانون25 / 1929 تقوية دين النفقة بثبوته من وقت الامتناع عن الإنفاق مع ثبوته دون توقف على تراض أو تقاض ، وتأخذ الأجور فى ذلك حكم النفقات لما فيها من شبه النفقة .
وقد كان العمل جاريا من قبل هذه التعديلات على التفرقة بين الأم وغيرها فى هذا الصدد ، فبينما لا تستحق غير الأم أجر الحضانة إلا من تاريخ الحكم به أو التراضى عليه سيرا على قاعدة أن الأجور لا تجب إلا بعقد أو حكم فإن الأم تستحق أجر الحضانة من تاريخ بدءها فعلا وذلك قياسا على أجر الرضاع الذى يلزم من تاريخ الإرضاع الفعلى دون أن يشترط لذلك عقد ، لأن إرضاع الأم للصغير أمر معروف ، والمعروف عرفا كالمشروط شرطا .
على ذلك اطردت أحكام المحاكم ، ومن ذلك حكم محكمة الإسكندرية فى 7/11/39 ، وقد جاء فيه " أن الأجرة التى يستحقها العامل نظير عمله قبل صاحب العمل وإن كانت لا تجب إلا بالتعاقد عليها إلا أن التعاقد بين الأم بصفتها حاضنة وبين أبى الصغير على حضانته والقيام بتربيته موجود ضمنا وثابت فعلا باعتبار أن الحضانة أثر من آثار الزواج ونتيجة من نتائج عقده الذى حصل على مقتضى أحكام الشريعة الإسلامية ، تلك الأحكام التى جعلت من حق الأم حضانة طفلها إلى أن يبلغ سنا معينة يستغنى فيها عن خدمة النساء ، ولو لم يرض بذلك الأب ، فهى مسلطة على هذا العمل من قبل الشارع فتستحق أجر مثلها عليه من تاريخ القيام به ، بعد انقضاء العدة ، وتعتبر أجرتها دينا صحيحا على الأب من وقت الوجوب بدون توقف على قضاء أو تراض ، ولا تبرأ ذمته إلا بالأداء أو الإبراء ما لم تتبرع بالحضانة وتقبل القيام بها بدون أجر.
والجديد الآن كما قلنا أن هذا الحق يثبت الآن للأم وغيرها من الحاضنات ، فللجميع الحق فى المطالبة بالأجور عن المدد الماضية ولا تسقط عمن تجب عليه إلا بالأداء أو الإبراء، ولا يخضع الحق فى المطالبة بها بقيد تحديد مدة المطالبة بسنة ماضية آخرها تاريخ رفع الدعوى الوارد بالمادة 1/6 من القانون 25/1929 لأنه قيد خاص بنفقة الزوجة على زوجها لا يتعداه إلى غير ذلك من الحقوق .
وعلى ذلك فمن حقك سيدتى أن تطلبى الحكم لك بمتجمد نفقة حضانة عن المدة السابقة ، مع ملاحظة أنه يلزمك إقامة الدليل على أنك لم تقصدى بعدم المطالبة فيما سبق إبراء والد الطفل من الأجر .

س : قرأت فى أحد المنتديات على الأنترنت كلاما لأحد المشاركين يقول فيه أجرة الحضانة تعتمد اليد فما معنى ذلك ؟ .
ج: قبل الجواب يهمنا أن ننبه الأخوة والأخوات إلى التأنى فى تقدير ما يطرح من خلال المنتديات وغرف الشات ، والبالتوك ، ونحو ذلك على أساس أن جهالة شخص المتحدث ربما تغرى بأن يقول المتحدثون مالا يعلمون ، ويفتون فيما ليس لهم به علم ودراية ، خصوصا فى مسائل الحلال والحرام ، وتقرير الحقوق وضوابط استحقاقها ، ولا يخفى أنه على الرغم من الانفجار المعرفى الذى تحقق عن طريق شبكة المعلومات العالمية والفضائيات فإن اندفاع البعض إلى الخوض فيما لا يعرف قد أحدث بلبلة فى قضايا كثيرة لعل من أبرزها قضايا المرأة والطفل والحريات وما إلى ذلك .
ومع تحفظنا هذا فالعبارة صحيحة ، بل هى قاعدة شرعية نصهـــا " الأجور تعتمد اليد " غير أن هذه القاعدة قيدتها المادة 20 من القانون 25/1929 والمعدلة بالقانون 100/1985 وأخيرا بالقانون 4 لسنة 2005 بنصها على أن سن الحضانة الإلزامى ينتهى ببلوغ المحضون ذكرا كان أو أنثى الخامسة عشرة من عمره .
إذن فأجر الحضانة يعتمد اليد وذلك فى حدود السن الإلزامية للحضانة ، أما معنى يعتمد اليد فالمراد به أن التى بيدها الصغير تستحق الأجر عن حضانته الإلزامية طالما بقى الصغير بيدها سواء كان حقها فى الحضانة قائما أو سقط عنها ، لأنها قامت بالعمل الذى تستحق عليه هذا الأجر ، وقد أورد المستشار عبد العزيز عامر- فى موسوعته الرائعة : الأحوال الشخصية فى الشريعة الإسلامية فقها وقضاء مجموعة من أحكام المحاكم الشرعية التى قضت بذلك (انظر البند 295 ).ومقتضى هذه الأحكام أن أجرة الحضانة تزول بزوال يد الحاضنة عن المحضون ، لأن الحاضنة لم تعد تقوم بالعمل الموكول إليها وهو تربية الصغير.
وعلى العكس من ذلك انتقال الحق فى الأجر إلى أخرى فإنه لا ينتقل بمجرد اليد بل لابد من الحكم أولا بانتقال الحضانة إليها ، بهذا قضت محكمة المنيا الابتدائية الشرعية مقررة أن " أجرة الحضانة لا تنتقل " . وإن كانت بعض المحاكم قد ذهبت على خلاف ذلك فقضت بأنه" لا مانع متى ثبتت صلاحية الحاضنة الثانية للحضانة وأن الصغير فى يدها من نقل المقرر لأجرة الحضانة إليها " ويميل بعض الفقهاء ونحن معهم إلى اختيار هذا لقضاء الأخير وتفضيله على القضاء الآول بحجة أن ما فرض أجرا تعلق به حق المحضون وينتقل الحق فى المطالبة به لمن وجد الصغير بيدها ولها أن تطالب به .
وننصح بمطالعة الحكم فى المسائل التالية

س: أنا امرأة مطلقة وحاضنة لطفل وطفلة ومن يوم طلاقنا وأنا مع طليقى فى قضايا ومحاكم من أجل أن ينزع منى أولادى بحجة أننى أعمل فى ملهى ليلى وغير أمينة على حضانة الأولاد وقد مضت علينا ثلاث سنوات ونحن على هذه الحال ، ولم يدفع لى جنيها واحدا كأجر حضانة . وسؤالى : هل لو حكم بنزع حضانة الأولاد منى يبقى لى الحق فى المطالبة بأجر حضانتى عن المدة السابقة ؟ .
ج : المقرر أن حضانة الصغير ثابتة لأمه ثبوتا فرضيا بحكم القانون بمقتضى المادة 20 من القانون 25/1929 ، وهذا الحكم من النظام العام ، وعلى من ينازع الأم هذا الحق اللجوء إلى القضاء برفع دعوى ضم الصغير إليه إذا ما توافرت حالة من حالات إسقاط الحضانة .
وحتى يصدر الحكم بانتقال الحضانة فإن الصغار يظلون بيد حاضنتهم ، فالحضانة لا تنتقل إلا بحكم ،كما هو صريح نص الفقرة الرابعة من المادة 20 ، كما أن أن الأصل فى الحاضنة الأمانة والأهلية ، وعلى من يدعى عكس ذلك إثبات ما يدعيه .
ومعنى ذلك أن الحضانة ثابتة للأم حتى يحكم بعدم أمانتها على صغارها ، وتطبيقــــا لقاعدة " الأجور تعتمد اليد " وأنها ديون قوية لا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء ، ولا تزول إلا بزوال اليـــد ، لذلك كله فإن حق السائلة فى الأجر قائم حتى وإن قضى بإسقاط حضانتها ، بل يستمر حقها قائما حتى تزول يدها فعلا عن أولادها ، لأن ما تستحقه هو مقابل عمل أدته لحساب والد الصغار ، وهو قائم كما بينا على تعاقد ضمنى ، بل هى مكلفة به شرعا من قبل الشارع فتستحق أجر مثلها على الأب من تاريخ القيام بالحضانة بعد انقضاء عدتها .

س : تزوجت مطلقة ابنى وتركت طفلها الذى لم يبلغ العاشرة من عمره واضطررت لتولى حضانته نظرا لأن زوجة ابنى الجديدة لا ترغب فى حضانة الولد . فهل لى الحق أن أطالب ابنى بأجرة عن حضانة ولده ؟
ج : بينا فى الجواب على السؤال قبل السابق أن المحاكم مترددة فى ثبوت الأجر فى الحضانة ابتداء لغير الأم ، وهل ينتقل لغير الأم بحكم ؟؟ أم أنه لا مانع من انتقاله دون حكم متى ثبتت صلاحية الحاضنة الثانية للحضانة ، وكان الصغير فى يدها فينتقل المقرر لأجرة الحضانة إليها ؟
وكما بينا فإننا من جانبنا نميل إلى الرأى الثانى .
أما عن استحقاق السائلة- وهى جدة المحضون لأبيه – أجر حضانة فى مال أبى الطفل إن لم يكن له مال فجائز ، لأن أجر الحضانة مقرر لمن تقوم بالعمل لحساب والد الصغير ، سواء أكانت الحاضنة أم الصغير، أو غيرها ، من المستحقات للحضانة الأخريات .مالم تتبرع الحاضنة وتقبل القيام بها دون أجر

س : أتولى حضانة أبناء أختى التى تزوجت بعد طلاقها من والد أبنائها وسافرت إلى الخارج مع زوجها الحالى وأنا أبذل جهدا فى حضانة هؤلاء الأطفال نظرا لتفاوت أعمارهم . فهل لى الحق أن أطالب والدهم بأجرة عن حضانتى ؟ .
ج:نعم تستحقين أجرا عن حضانتك لبنى أختك ، وعلى والدهم أن يوفيك هذا لأنك تؤدين عملا لحسابه، فما لم تتبرعى بالقيام بالحضانة فحقك فى الأجر ثابت ، ولكــــن هل يثبت لك بانتقال الحضانة إليك بحكم المحكمة ، الأمر الذى يستلزم رفع دعوى باستحقاقك الحضانة بعد زواج الأم ؟ أم أن مجرد الانتقال المادى يكفى دون حاجة إلى حكم ؟ فى هذا وقع الخلاف الذى عرضنا له فى الجواب على الفرضيتين السابقتين . وخروجا من الخلاف ننصحك باتفاقك مع والد الصغار على الأجر ، والمفروض بالتراضى كالمفروض بالتقاضى .

س: رجل يسأل : اتفقت مع خالة أولادى ، وقد آلت إليها حضانتهم بعد زواج أمهم مطلقتى من رجل أجنبى ، اتفقت معها على أن أدفع لها شهريا مبلغ مائة وخمسون جنيها شهريا كأجر حضانة – بالإضافة لنفقات الأولاد- ونظرا لأننى أعمل خارج مصر ولا أرجع إلا كل سنتين فقد دفعت لها مقدما أجرة السنتين ، وبعد سفرى بلغنى أنها غير أمينة على الأولاد ، فطلبت منها التنازل عن الحضانة لأختى وإلا رفعت عليها دعوى إسقاط حضانة فتنازلت عن الحضانة ولما طالبتها برد ما دفعت إليها من نقود رفضت . فهل لها الحق فى ذلك ؟.
ج: أخى السائل : اعلم أن الأجر فى الحضانة يعتمد اليد فيوجد بوجودها ، ويزول بزوالها ، ومقتضى سقوط الأجرة بزوال اليد عدم استحقاق من زالت يدها عن الولد لما يكون قد عجل لها من أجر الحضانة ، وذلك عن المدة التالية لزوال يدها ، وبذلك قضت محكمة جرجا الشرعية فى 12/7 /1943 ,وقد جاء فى حكمها " أن الحاضنة تستحق أجرة الحضانة عوضا عن عمل تقوم به لمنفعة الصغير ، فالمعجل منها عن زمن مستقبل يجب ، والباقى منه عن المدة التى زال فيها السبب وانقطع فيها العمل بخروج الولد من يدها لا يجب .
وعلى ذلك أخى السائل فإن من حق خالة الأولاد أجرة عن المدة الفعلية لقيامها بحضانتهم ومن بعد تنازلها وانقطاع قيامها بالحضانة لا حق لها فى الأجرة ، فلتحسب مدة حضانتها الفعلية ويخصم من مبلغ ما دفعت لأجرة سنتين ما يقابل هذه المدة ولك أن تسترد الباقى .

س : كنت حاضنة لابن ابنتى بعد طلاقها من والد الابن وزواجها من آخر، وقد امتنع والد الطفل عن أداء أجرة الحضانة لى رغم مطالبته مرات ، ومضى على امتناعه أكثر من عامين ، وفجأة مرض الطفل ومات ، فهل لى الحق فى المطالبة بمتجمد النفقة رغم موت الطفل ؟
ج: يثير هذا السؤال مسألتين :
أولاهما : نشأة الحق فى أجر الحضانة ، وينشأ من تاريخ بدأ الحضانة ، إذا لم تكن الحاضنة هى الأم ، ويظل قائما طالما بقى الصغير بيد الحاضنة ، سواء كان حقها فى الحضانة قائما ،أو كان قد سقط عنها ،مالم يجاوز الصغير السن الإلزامية للحضانة ، وحيث كان للأجر شبه النفقة فإنه يستحق من تاريخ امتناع الأب عن الوفاء به ، ولا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ، وبالتالى فإن للسائلة المطالبة بما تجمد لها من أجر حضانة من تاريخ استحقاقه ، متى أقامت الدليل على امتناع الأب عن سداد الأجر المذكور ، ويقبل دليلا على ذلك البينة الشرعية .

والثانية : أثر موت المحضون على متجمد الأجر ، ونظرا لأن الأجور تثبت دينا صحيحا فى ذمة من تجب عليه ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء فإن موت المحضون قبل استيفاء المتجمد من الأجر لا يسقطه ، و بذلك قضت محكمة مصر الابتدائية الشرعية ، لأن الأجر على العمل لا يسقط بالموت .

س: أتولى حضانة طفلينا الاثنين بعد طلاقى من زوجى والد الطفلين ، وقد تراضيت مع طليقى على أن يدفع لى أجرة خدمة ومسكن للأولاد مائتى جنيه شهريا ، وشاء الله أن مات الولد الأكبر منهما ، وقد فوجئت بزوجى ينقص المبلغ إلى النصف بحجة أن هذا عن أجر خدمة ومسكن ولد واحد . فهل له الحق فى ذلك ؟.
ج : لا ليس له الحق فى إنقاص أجرة الخدمة قولا واحدا ، كما ليس له الحق فى تخفيض أجرة المسكن على ما جرت به أحكام المحاكم ، وإن كان هذا العمل القضائى موضع مراجعة بعض الفقه .
فقد حكم بأن المفروض لأجر الخدمة وسكنى الحضانة لا يتجزأ ، فإذا فرض للحاضنة أجرة خدمة ومسكن حضانة صغار ثم توفى أحدهم فإنه لا يجوز طلب إبطال ما أصاب الصغير المتوفى فى هذه الأجرة ، لأن السكنى واجبة للحاجة ، وهى قائمة ، فالوجوب مستمر ، ومن يخدم شخصا يخدم أكثر ،والأجر واحد ، كما حكم بأن زوال يد الحاضنة عن بعض الصغار لا يوجب تخفيض أجرة المسكن ، وجاء فى حكم آخر : كما أنه لا يمكن شرعا تعدد مسكن الحضانة والخادم بتعدد الصغار ، لا يتجزأ كذلك أجر المسكن والخادم المفروض لهم جملة ، فلا يجاب الأب إلى طلب إبطال ما خص الصغير المضموم من أجرتهما اعتبارا بالنفقة وباقى الأجور ما دامت حاضنة لأخوته ، لأن هذه غير تلك . ( فى عرض الأحكام وتوثيقها : المستشار عبد العزير عامر بند 318 ) .

س: رفضت الزواج مرة أخرى بعد طلاقى من أجل ابنتى ، وهى الآن فى مرحلة التعليم الثانوى العام ، وقد حاول أبوها أن يضمها بعد بلوغها السن الإلزامي للحضانة وتدخل أولاد الحلال وأقنعوه أن تظل البنت معى حتى تنتهى من تعليمها ويرزقها الله بابن الحلال . والمشكلة أن طليقى كان يدفع لى مبلغا كل شهر كأجرة حضانة وقد امتنع الآن عن دفعه بحجة أننى أنا التى اخترت الاستمرار فى حضانة البنت بعد سن الخامسة عشرة . فهـــل هو محق فى هذا ؟ .
ج: الأخت السائلة يجب أن تعلمى أن الحقوق تتكافأ وتتكامل ولا ينبغى أن تتضارب ، لا سيما فى دائرة الأسرة التى أوجب الله أن يتشاور رأساها و أن يتراضيا على صالح الذرية ، ونهى عن أن تضار والدة بولدها أو مولود له بولده ، ولاشك أن أى طريق يؤدى إلى استحكام النزاع بين الوالدين يكون سببا فى تعريض مصالح الصغار للضياع .
وعلى ما يبين من أحكام الحضانة فإن الشارع الحكيم قد توخى فيها دائما مصلحة المحضون لكن بما لا يعود بالإبطال على مصلحة الوالدين ، وقد أدرك الفقهاء والمقننون من بعدهم هذه الروح السارية فى أحكام النفقة فحرصوا فى تقرير أحكامها على مراعاة عدم الإضرار بأى الأبوين ، ومن ذلك تقرير جواز مد حضانة النساء بعد بلوغ المحضون أقصى السن الإلزامية للحضانة متى كانت مصلحته تقتضى بقاءه فى يد الحاضنة ولكن دون أجر حضانة ، وكما جاء بالمذكرة الإيضاحية تعليقا على المادة ( 20/1 ) فإنه بتتبع المنازعات الدائرة فى شأن الصغار تبين أن المصلحة تقتضى العمل على استقرارهم حتى يتوفر لهم الأمان والاطمئنان وتهدأ نفوسهم فلا ينزعجون بنزعهم من الحاضنات ، من أجل ذلك ارتأى المشرع أنه بعد انتهاء الحضانة الإلزامية يجوز للقاضى بعد هذه السن إبقاء الصغير فى يد الحاضنة حتى سن الخامسة عشرة ، والصغيرة حتى تتزوج ، أخذا بمذهب مالك فى هذا الموضع ، على أنه فى حال إبقائها فى يد الحاضنة بهذا الاعتبار لا يكون للحاضنة الحق فى اقتضاء أجرة حضانة ، وإنما لها الحق فى نفقة المحضون الذاتية من طعام وكساء ومسكن وغير هذا من مصاريف تعليم وعلاج وما يقضى به العرف فى حدود يسار الأب أو من يقوم مقامه .
وقد اطرد فى أحكام المحاكم أن ما تقوم به الحاضنة فى المدة الإضافية أقرب إلى معنى العناية منه إلى معنى الحضانة ، وأنها تكون دائما بطلب من الحاضنة تدعى فيه الحرص على الولد لا على أجرة الحضانة ومكايدة الرجل بإطالة أمدها ، وإنه لذلك ولكيلا يتخذ الولد حجة وذريعة للخصومة أمام القضاء فى سبيل الوصول إلى منفعة مادية تقرر أن تكون هذه المدة الإضافية دون أجر حتى لا يثقل كاهل الآباء ، وحتى لا يحول الإلزام المالى دون الاستجابة لمصلحة الولد وعاطفة الأمهات عند الاقتضاء .
ولعله بذلك قد وضح للسائلة أن امتناع الأب عن دفع الأجرة بعد بلوغ بنتكما أقصى سن الحضانة امتناع مشروع

س : ابن ابنتى المطلقة بلغ سنه الخامسة عشرة وكان والده يريد أن يضمه إليه ، ولكن المحكمة حكمت لى باستمراره فى حضانتى لحاجته إلى خدمة النساء ، وقد فوجئت بأن أباه يرسل لى نفقة الولد ولا يرسل لى أجر حضانة مع أننى أبذل جهدا كبيرا فى العناية به لا سيما وأنه دخل طور المراهقة ويحتاج إلى ملاحظة مستمرة ؟ .

ج : صريح نص المادة 20/1 من القانون 25/1929 يبرر ما فعل والد المراهق ، فهذه المادة تقرر أنه " ينتهى حق حضانة النساء ببلوغ الصغير والصغيرة خمس عشرة سنة ، ويجوز للقاضى بعد هذه السن إبقاء الصغير حتى يستغنى عن خدمة النساء ، والصغيرة حتى تتزوج فى يد الحاضنة دون أجر حضانة إذا تبين أن مصلحتها تقتضى ذلك " وقد شرحنا فى جوابنا على السؤال السابق الفلسفة التى بنى عليها هذا الحكم فلا داعى للتكرار .

س : أسمع أن الشقة من حق الزوجة فهل هذا صحيح ، ومتى يكون ذلك ، وهل لو تولت أمى حضانة أولادى بعد طلاقى من أبيهم يكون لها الحق فى البقاء فى الشقة ؟
ج : هذا تعبير سينمائي ابتدع فى ظل القرار بقانون 44/ 1979 والذى حكم بعدم دستوريته لعيب شكلى مضمونه تخلف سند إصداره فى غياب مجلس الشعب بتخلف " الحالة الداعية لاستعمال رخصة التشريع الاستثنائية ، وهو مالم تكن له قائمة بالنسبة للقرار بقانون المطعون عليه . أعنى القرار بقانون 44/1979 . وقد كانت المادة الرابعة من هذا القرار بقانون تنص على أن " للمطلقة الحاضنة بعد طلاقها الاستقلال مع صغيرها بمسكن الزوجية المؤجر ما لم يهيىء المطلق مسكنا آخر مناسبا .....................إلخ .
وواضح أن هذا النص يجعــل الاستقلال بمسكن الزوجية – وهو فى عرف أهل المدينة الشقة - للمطلقة ، وذلك ما لم يهيىء المطلق مسكنا آخر مناسبا .
وحيث قضى بعدم دستورية القرار بقانون 44/1979 فإن بعض نواب الحكومة بمجلس الشعب سارعوا بتقديم اقتراح بقانون كان يستهدف فى الأساس بعث القرار بقانون المحكوم بعدم دستورية ، مع تحوير فى بعض مواده وأحكامه لتلافى ما شاب الأول من عيوب وقصور، وقد نوقش الاقتراح على عجل وانتهى الأمر بصدور القانون 100/1985 معدلا ومضيفا كثيرا من الأحكام إلى أحكام القانونين 25/1920 ، 25/1929 ، ومن بين ما جاء به من جديد المادة 18 مكررا ثالثا والتى تنص على أنه
" على الزوج المطلق أن يهيىء لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم المسكن المستقل المناسب فإذا لم يفعل خلال مدة العدة استمروا فى شغل مسكن الزوجية المؤجر دون المطلق مدة الحضانة .
وإذا كان مسكن الزوجية غير مؤجر كان من حق الزوج المطلق أن يستقل به إذا هيأ لهم المسكن المستقل المناسب بعد انقضاء مدة العدة .
ويخير القاضى الحاضنة بين الاستقلال بمسكن الزوجية وبين أن يقدر لها أجرمسكن مناسب للمحضونين ولها .
فإذا انتهت مدة الحضانة فللمطلق أن يعود للمسكن مع أولاده إذا كان من حقه ابتداء الاحتفاظ به .
وللنيابة العامة أن تصدر قرارا فيما يثور من منازعات بشأن حيازة مسكن الزوجية المشار إليه حتى تفصل المحكمة فيها .
وأبرز ما بين هذا النص ونص القرار بقانون المحكوم بعدم دستوريته من اختلاف أن نص القرار بقانون المحكوم بعدم دستوريته كان يجعل الاستقلال بمسكن الزوجية المؤجر للمطلقة الحاضنة والمحضون ، بينما جعلت المادة 18 مكررا ثالثا المذكورة أعلاه هذا الحق لكل حاضنة ، المطلقة كانت أو غيرها .
وقد طعن على المادة المذكورة بعدم الدستورية ، وقبلت المحكمة الدستورية الطعن وقضت بعدم دستورية المادة فيما نصت عليه وتضمنته من :
أولاً : إلزامها المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره من مطلقته وحاضنتهم ولو كان لهم مال حاضر يكفى لسكناهم ، أو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه ،مؤجراً كان أو غير مؤجر .
ثانياً : تقييدها حق المطلق – إذا كان مسكن الزوجية مؤجراً – بأن يكون إعداده مسكناً مناسباً لصغاره من مطلقته وحاضنتهم واقعاً خلال فترة زمنية لا يتعداها ، نهايتها عدة مطلقته .
وعلى ضوء كل ما تقدم فجواب سؤال السائلة كما يلى :
1- للمطلقة الحاضنة الحق فى الاستقلال بمسكن الزوجية وذلك بشروط :
أ‌- ألا يكون للصغار مال حاضر يكفى لسكناهم ، فلو كان لهم فالنفقة فى مالهم ، ولا تجب السكنى عندئذ فى مال المطلق ، ناهيك عن مسكنه .
ب‌- ألا يكون للحاضنة مسكن تسكن فيه ، سواء كان مؤجرا أم مملوكا فإن كان فليس لها الحق فى مسكن الزوجية ، بل ولا يلزم المطلق بتهيئة مسكن مناسب للمحضونين لها ، فقط تستحق أجر سكنى ،يجب على من تجب عليه نفقة المحضون ،ويقدر – إن لم يكن للصغير مال - طبقا لحالة الأب ودرجة يساره ، يسرا أو عسرا ، وبصرف النظر عن القيمة الفعلية السائدة للإيجارات .ويسقط عن الأب بوفاة الصغير أو ضمه إلى الأب .
ج- ألا يهيىء الأب الذى تلزمه سكنى صغاره وليس لحاضنتهم مسكن ، لا يهيىء مسكنا مناسبا للمحضونين وللحاضنة ، فإن فعل فليس لها الاستقلال بمسكن الزوجية دون المطلق .
د- أن تتمسك المطلقة بالاستقلال مع محضونيها بمسكن الزوجية ، ولا تختار البديل النقدى المتمثل فى أجر مسكن بدلا من الاستقلال بالمسكن ذاته . وجدير بالذكر أن قيام الحاضنة برفع الأمر إلى القضاء والمطالبة بفرض أجر مسكن حضانة لها والصغير إنما يعنى أنها قررت ضمنا اختيار الحصول على أجر مسكن حضانة، والتنازل عن التمسك بالحصول على مسكن الزوجية كمسكن حضانة .
ه- أن تكون يدها على الولد يد حضانة لا يد حفظ ، وتثبت يد الحضانة طوال مدة السن الإلزامية للحضانة ، أما يد الحفظ فتتقرر ببلوغ الولد أقصى السن الإلزامية – خمس عشرة سنة للولد والبنت – وهذا معناه أن الاستقلال بمسكن الزوجية ينتهى ببلوغ المحضون أقصى السن الإلزامية للحضانة حتى ولو حكم القضاء باستمراره فى يد الحاضنة لمصلحته .
2- أما هل تستقل أم السائلة - أى جدة المحضونين - بمسكن الزوجية مع المحضونين متى آلت إليها الحضانة ؟
فجوابه ، نعم بالشروط السابقة ويضاف إليها ألا تكون الحاضنة السابقة – والفرض هنا أنها المطلقة- قد اختارت البدل النقدى عوضا عن استمرار الإقامة بمسكن الزوجية، لأن اختيارها يلزم غيرها من الحاضنات التاليات لها اللاتى يثبت لهن الحق فى حضانة الصغار ،فى حالة سقوط الحضانة أو زوالها عن الحاضنة التى اختارت البدل النقدى ، تحقيقا لاستقرار الصغير .
3- بقى أن نقول إنه من الأخطاء الشائعة تصور أن مسكن الحضانة لا يكون إلا شقة ، إذ قد يكون مسكن الزوجية دارا أو غرفة فى دار، وقد قضت محكمة النقض المصرية بأن " المقصود بمسكن الزوجية فى هذا الخصوص هو المكان الذى كان مشغولا فعلا بسكنى الزوجين ، فإذا ثار خلاف بين الحاضنة ووالد الصغار حول مسكن الحضانة انصرفت كلمة المسكن إلى المكان المشغول فعلا بسكنى الصغير وحاضنته " .


س : متى يجب لى كحاضنة أجر مسكن ومتى استحق الإقامة بالمحضون فى مسكن الحضانة ؟
ج: يفرق فى هذا الصدد بين المطلق كملتزم بالنفقة وبين غيره .
فإن كان المطلوب بالنفقة هو المطلق فإن مقتضى ما نصت عليه المادة 18 مكررا ثالثا ،وكذلك حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية هذه المادة فيما نصت عليه وتضمنته من :
أولاً : إلزامها المطلق بتهيئة مسكن مناسب لصغاره من مطلقته وحاضنتهم ولو كان لهم مال حاضر يكفى لسكناهم ، أو كان لحاضنتهم مسكن تقيم فيه مؤجراً كان أو غير مؤجر .
ثانياً : تقييدها حق المطلق – إذا كان مسكن الزوجية مؤجراً – بأن يكون إعداده مسكناً مناسباً لصغاره من مطلقته وحاضنتهم واقعاً خلال فترة زمنية لا يتعداها ، نهايتها عدة مطلقته.
مقتضى ذلك أن السائلة تستحق أجر مسكن حضانة ضمن نفقة المحضون فى حالتين :
1- إن كان لها مسكن تقيم فيه مؤجرا كان أو غير مؤجر .
2- إذا اختارت أن يفرض لها أجر مسكن مناسب ضمن نفقة الصغير .
ويعد أجر المسكن من نفقة الصغير وليس من عناصر أجر حضانته ، ومن هنا فإنه يجب على من تجب عليه نفقة الصغير ، فإن كان الصغير ذا مال استحق اجر المسكن فى أمواله وامتنع على المحكمة إلزام الأب به .
بينما تستحق السائلة الإقامة بمسكن الحضانة إن لم يكن لها مسكن يمكن أن تقيم فيه هى والمحضونين ، وطلبت الاستقلال بمسكن الزوجية مالم يهيىء لها المطلق مسكنا مناسبا للمحضونين ولها ، مالم تكن الحاضنة قد انتقلت إليها الحضانة من حاضنة سابقة اختارت أن يفرض لها أجر مسكن مناسب ضمن نفقة الصغير .
وكما بينا فى الجواب عن السؤال السابق فإن الحق فى الاستقلال بمسكن الزوجية ينتهى ببلوغ المحضون أقصى السن الإلزامية للحضانة .
فإن كان المطلوب بنفقة صغار المطلقة شخصا غير الأب من أقاربهم فالمستحق هو نفقة سكنى ، كجزء من مشتملات نفقة القريب ، وتجب على القريب بشرط يساره وعجز المنفق عليه عن التكسب وفقره .

س:يظهر لى من نص المادة 18 مكرر ثالثا أنها تتكلم عن سكنى أولاد المطلقة .فماذا عن أولاد غيرها ؟
ج : لم يكن تجنيا أن يقال إن القانون 100 / 1985 حابى صغار المطلقة فمنحهم حقا لم يمنحه صغار غيرها من الزوجات ، لولا أن الحقيقة أن أكثر ما يقع النزاع حول السكنى عند وقوع الطلاق ، متى كان للمطلق ومطلقته صغار ، فاحتاج الأمر إلى عناية خاصة ، كما كان يقبل الاعتراض لولا أن المحكمة الدستورية تدخلت فقضت بعدم دستورية التحكمات التى أقامها نص المادة 18 مكررا ثالثا حتى ردته إلى أصله المقرر بالمادة 18مكررا ثانيا ، لاسيما فقرتيها الأولى والثالثة .
ومن بين ما حسمته الدستورية العليا فى حكمها هذا الخلاف حول الواجب فى النفقة ، هل هو عينية النفقة – بمعنى إلزام المنفق بتمكين المنفق عليه من مادة النفقة – أو عوضها - أى بدلها النقدى - ؟ .
حيث قضت بأن ” الأصل فى النفقة أن تكون عينا فلا يصار حق الصغار بشأنها إلى ما يقابلها نقدا باعتباره عوضها أو بدلها إلا إذا كان استيفاء أصلها متعذرا ، وليس معروفا أن يكون إنفاق الوالد على صغاره تمليكا معلوم القدر والصفة بل يتعين أن يكون تمكينا يعينهم على أمر حوائجهم ليوفيها دون زيادة أو نقصان ، وهذا الأصل – أى عينية النفقة – قائم على الأخص فى مجال العلائق الزوجية ، وهو مقرر كذلك فى الزكاة ، وقد أحال الله تعالى المؤمنين فى كفاراتهم إلى عاداتهم ، متى كان ذلك كذلك ، وكان الحق هو الحسن شرعا ، والباطل هو القبيح شرعا ، فإن تقرير حق الصغار فى نفقتهم من خلال إبدال مبلغها بعينيتها لا يكون التواء عن الشرع ولا ضلالا يقابل الحق ويضاده "
ومعنى ذلك فى ضوء حكم الدستورية العليا ، ونص الفقرتين الأولى والثالثة من المادة 18 مكررا ثانيا : أنه حيث إن الأصل هو عينية النفقة إلا إذا كان استيفاؤها كذلك متعذرا فلا فرق ذا شأن بين صغار المطلقة وصغار غيرها ، إذ " يلتزم الأب بنفقة أولاده وتوفير المسكن لهم بقدر يساره وبما يكفل للأولاد العيش فى المستوى اللائق بأمثالهم " فمتى كانوا بيد حاضنة لا سكنى لها على الأب نظرنا :
فإن كان لهم مال فنفقتهم وسكناهم فى مالهم .
وإن لم يكن لهم مال ولحاضنتهم مسكن تقيم فيه بأجر أو بغير أجر أقاموا معها ولزم الأب أجر مسكن ، لأن أجر مسكن الصغير على أبيه شرعا .
وإن كانت الحاضنة تقيم مع الأب فى داره - جدة أو عمة إلخ- فلا يلزم أجر مسكن .
وإن لم يكن لحاضنتهم مسكن وليس يمكنها توفير مسكن لزم الأب توفير المسكن لأولاده والحاضنة بقدر يساره ، وبما يكفل للأولاد العيش فى المستوى اللائق بأمثالهم .

( اقتصرنا هنا على الجزء المتعلق بالنفقات من الحضانة ، أما الحضانة ذاتها ، وكذلك الرضاع فنعالج ما يخصهما من أحكام فى الجزء الخاص بحقوق الأولاد )
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:33 am

الباب الثالث
فى
الطلاق والتطليق والخلع
تمهيد :
الطلاق هو ما يوقعه الزوج بعيدا عن مجلس القضاء ، والتطليق هو ما يصدر من القاضى فى المواضع التى حددها القانون – بنصه أو بإحالته – والخلع هو أيضا طلاق أو تطليق ولكن بشروط خاصة .
ومن الخطأ أن يظن أنه كلما تلفظ الرجل بطلاق وقع ، والخطأ الأكبر ما نسمعه من العامة من قولهم فلان ذهب إلى الشيخ الفلانى فرد له اليمين فالواقع من الطلاق لا يرد ، واللغو منه لا يقع ، والناس يحتاجون فى الفتوى قبل القضاء لمعرفة متى يقع القضاء ومتى لا يقع .
وحاجتهم إلى ما يحتمل أن تقضى به المحاكم فى دعاويهم – أو دعاويهن – بالطلاق أو بآثاره لا تقل عن ذلك أهمية ، ففاعلية التشريع فى العلم به .
وأخيرا فكثيرا ما نشعر أن أحاديث الناس عن الخلع أقرب إلى الحكايات الشعبية منها إلى الأحكام الشرعية ، والنظم القانونية المرعية ، لذا سنحاول أن نأخذ بأيديهم الحق ما استطعنا إلى ذلك سبيلا .
ولم يفتنا – بحمد الله – أن الناس يتشاءمون من ذكر الطلاق ، ومن ثم فغرضهم من المعرفة إدراك آثاره إن وقع أو أريد الحصول عليه ، وتطويق هذه الآثار لمن يتضرر منها ، وكيفية الانتفاع منها لمن هى فى صالحه ، راعينا هذا فعنينا بالمقدمات كلما كانت حائلا دون الخطر ، وبالآثار والنتائج كلما كانت نافعة ، أو لم يكن من الفرار منها بد ليقدر القراء موقفهم ، وليحزموا أمرهم ، ونرجوا الله العلى القدير أن يشرح صدورهم وصدورهن إلى ما هو خير لهم ولهن فى الدين ، والدنيا وعاقبة أمرهم ، وأمرهن .






- 1-

الكلام عن ما ليس منه بد

لم يغب ولا ينبغى أن يغيب عن بالنا أننا نتغيا بعملنا هذا فى الأساس أن نقدم دليلا إرشاديا لكل امرأة ( مقدمة على الزواج - زوجة ، أم ، حاضنة ، مطلقة- أرملة ) تريد أن تعرف ما لها وما عليها من حقوق والتزامات خاصة بالمشكلات محل المعالجة ، وفى نفس الوقت نحرص على أن يفيد هذا العمل الطرف الآخر – نعنى الرجل- لمعرفة ما له من حقوق وما عليه من واجبات ،حتى لا يطغى أحد الطرفين على الآخر فيظلمه ، إيمانا بقاعدة " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن " وانطلاقا من قاعدة " هن لباس لكم وأنتم لباس لهن " وقاعدة " ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة " ومن هنا فإننا نسعى بقلب نأمل أن يكون سليما أن نصل بالأطراف عند الخــلاف إلـــــى الحـــــــرص على قـاعـــدة " وأتمروا بينكم بمعروف " أو على الأقل نذكرهم بقاعدة " ولا تنسوا الفضل بينكم " .
وحرصا على ما تقدم فإننا نثق أنه لابد من أن نكون حريصين على إزكاء قناعة أطراف المشكلة الأسرية بنجاعة الحل الإسلامى لهذه المشكلات ، وسلامته مما يتهمه به بعض المتجنين والمتجنيات على عقائد الشرق وثقافاته ،رغبة منهم فى إخضاعه لثقافة الغرب وتطلعاته ، وإن تدثروا بعباءة حقوق المرأة وحريتها كجزء من أسطورة الحرص العام على حماية حقوق الإنسان وحريته ، وكأن حقوق الإنسان لن تحرز ، وحريته لن تصان إلا على حساب عقائد وثقافات وقيم الشرق ، لا سيما الإسلامى منها ،لهذا لم نجد بدا من أن نقص على قرائنا شيئا من الماضى ، وأن نعلل تعليلا علميا لما نقدمه من حلول للحاضر ، لا لنقنع محبى الحقيقة فحسب ، ولكن لنقطع أيضا على المتجنين عذرهم " ليحيى من حى عن بينة ويهلك من هلك عن بينة " .

أولا : افتراق الزوجين قد يكون ضرورة :
اخترنا التعبير بلفظة " افتراق " ليعلم الناس أن الطلاق واحدا من مظاهر إنهاء الزوجية أما صور انتهاء العلاقة فهى أعم من ذلك ،ويتضح لنا ذلك مما يلى :
1- فرق النكاح : والفرق جمع فرقة ، والفرقة فى اللغة : الفصل والمباعدة مأخوذة من الافتراق الذى هو ضد الاجتماع .
وفرق – بفتح الفاء وسكون الراء – النكاح : انحلال عقده وانقطاع العلاقة الناشئة عنه بين الزوجين ، بسبب يقتضى ذلك
والفرقة جنس يضم أكثر من نوع ، فإن كانت بإرادة الزوج ولو بنائبه أو بإرادة الزوجة أو بقضاء القاضى ووردت على نكاح صحيح سميت طلاقا أو تطليقا ، وإن كانت الفرقة لعارض يمنع بقاء النكاح ، أو تداركا لأمر اقترن بالإنشاء جعل العقد غير لازم سميت فسخا . وهذا القدر متفق عليه فى الجملة بين جمهور الفقهاء .
ولم يتفق فقهاء المذاهب على ما ينتظمه كل نوع من نوعى الفرقة من أفراد ، فبعض ما اعتبره بعضهم طلاقا ، اعتبره الآخر ، أو الآخرون فسخا ، من ذلك مثلا : الفرقة بسبب ردة الزوج اعتبرها الجمهور فسخا ، وقال محمد بن الحسن : هى طلاق ، والفرقة بسبب امتناع الزوج عن الإسلام اعتبرها الجمهور فسخا ، وقال أبو حنيفة ومحمد : طلاق .

2- الفرقة فى التنظيم القانونى المصرى :
وقد أغنانا المقنن المصرى عن تقصى اتجاهات المذاهب فى هذا الشأن ، حيث عول على رأى الحنفية فى تصنيف الفرق ، كما يظهر من عبارة المذكرة الإيضاحية للقانون رقم 25 لسنة 1929 حيث تقول " ومما تحسن الإشارة إليه هنا أن التفريق بالطلاق بسبب اللعان والعنة أو إباء الزوج الإسلام عند إسلام زوجته يبقى الحكم فيه على مذهب الإمام أبى حنيفة" .و من هنا فقد أخذ القانون برأى المالكية - وجماعة من الفقهاء - فى قلة من صور الفرقة ، وترك الكثرة منها إلى المقرر عند الحنفية ، وما أخذ فيه برأى المالكية- ومن معهم - هو :
1- التفريق لعدم الإنفاق ، واعتبره القانون طلاقا رجعيا .
2- التفريق بسبب عيب فى الزوج ، واعتبره طلاقا بائنا ، والأحناف يوافقون المالكية فى ذلك
3- التفريق بسبب غيبة الزوج أو حبسه ، واعتبره طلاقا بائنا .
4- التفريق بسبب الشقاق أ والمضارة بين الزوجين ، واعتبره طلاقا بائنا .
5- ويلتقى المالكية مع الأحناف فى اعتبار الفرقة بالخلع طلاقا بائنا .

والصور الباقية من الفرقة على وفق مذهب الحنفية هى :
أ‌- الصور المعتبرة طلاقا وهى :
*تطليق الزوج .
*الإيلاء .
*اللعان .
*التفريق لإباء الزوج الإسلام بعد أن عرض عليه الإسلام عرضا صحيحا ، متى أسلمت زوجته دونه .
ب‌- صور الفرقة المعتبرة فسخا
كمبدأ عام فإن الأحناف يعتبرون كل فرقة من جانب الزوجة وبسبب من قبلها لا مثيل له ( أى السبب ) من جانب الزوج تعتبر فسخا ، كما يعتبر فسخا الفرقة التى تقع بناء على سبب يمكن صدوره من كليهما ، كالردة ، فإن وقعت من الزوجة فهى فسخ اتفاقا ، وإن وقعت من قبل الزوج فهى محل اختلاف ، وباختصار فالمعتبر فسخا من الفرقة – عند الحنفية – هو :
* كل فرقة مرجعها خلل فى عقد الزواج عند إنشائه ، كالعقد بلا شهود ، أو العقد مع قيام مانع من موانع الحل ، كما لو كانت المرأة محرمة على الرجل لسبب من الأسباب التى بيناها فيما سبق – فى الزواج - .
*كل فرقة مرجعها سبب طارىء يمنع بقاء العقد كتمكين الزوجة ابن زوجها من نفسها .
*التفريق لعدم الكفاءة لابتناء العقد على خلل يرجع إلى عدم توافر الرضا .
*التفريق لردة الزوجة أو إبائها الإسلام – متى أسلم الزوج وكانت المرأة لا تدين بدين سماوى - ومن المعلوم أن زواج المشركة لا يحل .
*التفريق لردة الزوج على رأى أبى حنيفة وأبى يوسف .
*التفريق بخيار البلوغ ( إذا حصل التزويج فى الصغر ، وهى فرضية تبدو اليوم نادرة الوقوع ) وبخيار الإفاقة ( وذلك متى زوج فاقد الأهلية كالمجنون والمعتوه وليه الشرعى ، فمن حقه بعد أن يشفى أن يختار إما البقاء على الزواج أو الفسخ )

ما يحتاج إلى حكم المحكمة من صور الفرقة السابقة :
1- اللعان
2- إباء الزوج الإسلام الذى عرض عليه الإسلام عرضا معتبرا بعد إسلام زوجته .
3- الفرقة بسبب خيار البلوغ ، أو الإفاقة .
4- الفرقة بسبب عدم كفاءة الزوج .
5- التفريق بسبب الغبن فى المهر .
6- التفريق بسبب إباء الزوجة الإسلام بعد عرضه عليها عرضا معتبرا .
7- يضاف إلى ذلك التطليق بمعرفة القضاء للأسباب المنصوص عليها فى القانون .

أبرز أوجه الفرق بين الطلاق والفسخ :
1- ما يعد طلاقا يتنوع إلى بائن تنحل به عقدة النكاح فى الحال ، وإلى رجعى يستبقى معه بعض أحكام النكاح ، أما الفسخ فهو صورة واحدة .
2- ما يعد طلاقا ينقص به عدد ما يملكه الزوج من الطلقات ، وما يعد فسخا لا ينتقص به عدد الطلقات ، فيبقى للزوج على زوجته ما ملكه الشارع منها .
3- الفرقة التى تعد طلاقا لا تكون إلا فى زواج صحيح ، أما فرقة الفسخ فتكون من الصحيح وغيره .

3- عبثية إغلاق باب الطلاق :
نقل الأستاذ قاسم أمين ، فى كتابه تحرير المرأة ، عن الأديب الفرنسى فولتير قوله " إن الطلاق قد وجد فى العالم مع الزواج فى زمن واحد تقريبا ، غير أنى أظن أن الزواج أقدم ببضعة أسابيع ، بمعنى أن الرجل ناقش زوجته بعد أسبوعين من زواجه ، ثم ضربها بعد ثلاثة، ثم فارقها بعد ستة أسابيع " ثم يقول – الأستاذ قاسم – الطلاق قديم فى العالم ، وأنه يكاد أن يكون من الأعراض الملازمة للزواج ، فلا ينبغى أن يرتاب فيه ، فقد دل تاريخ الأمم على أن الطلاق كان مشروعا عند اليهود والفرس واليونان والرومان ، وأنه لم يمنع إلا فى الديانة المسيحية بعد مضى زمن من نشأتها ( ) .
وهذا حق ، فالطلاق كما يقولون " مشكلة متأصلة فى الزواج نفسه الذى يتعين فيه على ذكر وأنثى ، لكل منهما قيمه الخاصة ، وحاجاته ، وأماله أن يعيشا معا بأقل قدر من التوتر والقلق"( ) ومن هنا كان من الحتم اعتماد الطلاق حلا أخيرا ، باعتباره أكثر البدائل عدلا لوضع حد للنزاعات الزوجية ، وكان فطريا أيضا أن يخرج أتباع الكنائس المتشددة عليها ، وتضطر الكنيسة على إقرارهم على ذلك رغبا أو رهبا ( ) بل إن الحكومات التى تدين لبعض هذه الكنائس بالولاء اضطرت تحت ضغوط شعوبها إلى التدخل فى مشكلة كانت تخص الكنيسة وحدها ، وهى مشكلة الطلاق ، فأصدرت القوانين بإباحة الطلاق .
ففى 1/11/1970 أقر البرلمان الإيطالى - معقل البابوية الكاثوليكية - قانونا بإباحة الطلاق فى حالات منها ، الإصابة بالجنون ، والحكم بالسجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات ، والسجن بسبب ارتكاب جريمة جنسية ، والهجر لمدة خمس سنوات ، " ولم تعبأ الدوائر الإيطالية بحالات الحــــزن الشديد التى انتابت البابا بولـــس السادس ، وغيره من الكاردينالات "( )
وفى أسبانيا عددت المادة الثالثة من القانون الصادر فى 2 مارس 1932 ثلاثة عشر سببا لانحلال رابطة الزوجية بالحكم النهائى القاضى بالطلاق بين الزوجين مهما كانت الجهة المدنية أو الدينية التى عقدته .
وفى ألمانيا يجيز القانون رقم 16 لسنة 1946 فى مواده 42-48 الطلاق لستة أسباب ، وتوقعه المحكمة بناء على طلب أحد الزوجين متى رفعت دعوى التطليق فى الميعاد ، ويجب أن تتخذ إجراءات للسعى فى الصلح بين الزوجين قبل توقيع الطلاق .
وفى بريطانيا أجيز الطلاق بمقتضى قانون صدر سنة 1937 فأدخل تعديلات جوهرية على الأنظمة السابقة ، وأباح صورا كانت محرمة من قبل كطلب الطلاق للهجر ، والإساءة والمرض العقلى والعيب التناسلى الخطير .
وفى بلجيكا يجيز القانون الطلاق لأسباب عدة منها : إذا اتفق الزوجان على الطلاق وصمما على طلبه ، فى حدود أحكام القانون ، اعتبر تراضيهما دليلا كافيا على تعذر استمرار الحياة بينهما مما يبرر الحكم بالطلاق .
وفى حكم قديم لمحكمة بروكسل – 3 يناير 1923 – قضت بأن :
" الشريعة الصينية التى لا تعطى حق الطلاق إلا للزوج فقط يعتبر حكمها مخالفا للنظام العام فللبلجيكية التى تتزوج من صينى أن تطلب تطليقها من زوجها أمام المحكمة البلجيكية ، التى يجب عليها فى هذه الحالة أن تطبق القانون البلجيكى ".
وفى بولندا يجيز قانون الزواج الصادر فى 25 سبتمبر 1945 الطلاق لأسباب كثيرة منها إذا زاول أحد الزوجين مهنة غير شريفة أو انتفع منها ، وكذلك إذا اعتاد تعاطى المشروبات الروحية أو المخدرات .
كما يجيز القانون التشيكى الطلاق لجميع المواطنين دون تمييز ، ولأسباب متعددة ، ومثله القانون الرومانى ، وينص على أن اتفاق الزوجين على الطلاق دليل كاف على أن المعيشة بينهما أصبحت لا تطاق .
ويتوسع القانون السويسرى فى الأسباب التى تبيح طلب الطلاق ومن ذلك إساءة أحد الزوجين معاملة الآخر ، وعلى غراره القانون المجرى .
وفى فرنسا يجيز القانون المدنى الفرنسى الطلاق للزنا ، ولسبب صدور حكم بعقوبة بدنية أو شائنة ضد أحد الزوجين ، وكذا لاعتداء أحد الزوجين على الآخر ، أو إساءة معاملته ، أو إهانته ، ويتوسع القضاء الفرنسى فى تفسير الإساءة مما يؤدى إلى ارتفاع نسبة الطلاق بما يناهز 40% من عدد الزيجات كل عام ويقولون : الطلاق ناجم عن الحرية الشخصية ، والعقد الذى لا يمكن تلاشيه يكون مضيعا لهذه الحرية ، أو حاجزا لها .
ويأتى القانون اليوغسلافى على القمة من حيث التسامح فى أسباب الطلاق ، فيبيحه لاختلاف الطباع ، وسوء التفاهم المستمر ، وغير ذلك من الأسباب التى تؤدى إلى اضطراب فى العلاقات الزوجية بحيث يستعصى معه دوام المعاشرة بين الزوجين ، ويقاربه القانون اليونانى .
وفى أمريكا يحكم بالطلاق فى كثير من الحالات لأتفه الأسباب ، بل إن من لا يجاب طلبه فى ولايته انتقل إلى ولاية أخرى أكثر تساهلا فى إجابة طلب الطلاق ، مما عرف بالطلاق المتنقل ، والنتيجة أن معدل الطلاق فى أمريكا أعلى منه فى أى مجتمع آخر .
والأمريكيون أنفسهم يمتدحون ذلك ، ففى رأيهم " لا يعكس الطلاق أى احتقار لمؤسسة الزوجية ، وفى الواقــع يكون الناس الذين يمنحون طلاقا أكثر أفراد المجتمع حماسة لدعم تلك المؤسسة ومعظم المطلقين فى الولايات المتحدة يعودون فيتزوجون ثانية ، ويتم ذلك بسرعة " ( ) .
وحاصل كل ما تقدم أننا قل أن نجد دولة من تلك التى تدين بالمسيحية لم تبح الطلاق لأسباب متعددة ، بعضــها لا يرقى إلى درجة الأمر الذى تستحيل معه الحياة أو تستعصى فعلا ، غاية الأمر أنها جعلت قرار التفريق بيد القاضى .
وقد آثرنا الإسهاب فى واقع العالم المسيحى ( ) ليعلم القارئ مدى الفرية التى يطلقها الأوربيون وببغاواتهم على نظام الطلاق فى الإسلام ، والذى نعنى بالكلام عنه قصدا فى هذا العرض، حيث يمكننا القول أنه لم يبق من أثر القانون الكنسى إلا استلزام صدور حكم بالطلاق( ) وإن تبدلت الهيئة الكنسية بهيئة قضائية مدنية .
4- محاولات تقييد إيقاع الطلاق الإرادى بعيدا عن مجلس القضاء :
ما انتهى إليه الغرب المسيحى من تقييد إيقاع الطلاق بحكم القاضى هو ما تسعى إلى تعميمه مؤتمرات السكان والتنمية ، وقد أدخل على بعض المستغربين فتحمسوا لهذه الدعوة وما زالوا ، وللأسف فإن مسعاهم وجد طريقه إلى بعض التقنينات العربية ، ولم يزلوا ويزلن فى ممارسة كل أشكال الضغط ، بما فى ذلك استعداء الدول ، والهيئات الدولية على دولهم وأوطانهم بغرض فرضه فى كافة التشريعات العربية ، ومن بينها القانون المصرى ،- والذى يؤسف له أن أزمة الدنمارك مع أمة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كشفت عن أن قلب هؤلاء هناك ، فى كوبنهاجن ، حيث الأبقار والعجول - ومن ألاعيبهم المكشوفة فى هذا المضمار مطالبتهم المتكررة إلى إنفاذ الاتفاقات الدولية ، وتوصيات المؤتمرات المتعلقة بالمرأة – وإن تحت مسميات مختلفة – دون أية تحفظات على ما تقره من بنود وتوصيات ، ومن ذلك مثلا توصية المجلس الاجتماعى لهيئة الأمم المتحدة أصدرها فى عام 1965 ، ولم تزل الهيئة تنوه بذلك كلما تعرضت لموضوع يتعلق بالمرأة .
وتنص التوصية على :
1 – عدم جواز إيقاع الطلاق أو التفريق القضائى إلا بواسطة سلطة قضائية مختصة مع وجوب تسجيله قانونا .
2 – وجوب تمتع الزوجين بذات الحقوق ، وتوافر ذات الأسس القانوينة فى إجراءات الطلاق أو فسخ الزواج أو التفريق القضائى .
3 – وجوب توفير الضمان القانونى لكل من الزوجين بالموافقة الحرة الكاملة فى حالة الطلاق الرضائى .
واليوم تتبنى المؤتمرات النسوية الدعوة الملحة لإجبار الحكومات العربية على رفع تحفظاتها على بعض مواد اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ، كما هو وارد فى كلمة المحامية السيدة منى ذو الفقار ،التالية ، بصفتها المعلنة فى هذا المقتطف من ورقتها المؤرخة 6/3/2005 و المعنونة " رؤية إستراتيجية " ،وفيها ما نصه :
تقوم إستراتيجية اللجنة التشريعية – للمجلس القومى للمرأة فى مصر - خلال المدة 2005 -2010 على أساس محاور خمســـة:
المحور الأول: التدخل التشريعى لإزالة التمييز ضد المرأة .
المحور الخامس: رفع التحفظات على الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة . ومما ورد تحت هذا العنوان نصا :
استمرار الدعوة لرفع التحفظات على المادة 2 ، و9/2 ،وقصر التحفظات على المادة 16، الفقرتين (ج) و (و) وفقا لما قرره المجلس القومى للمرأة.
منى ذو الفقـــار/ مقرر مناوب اللجنة التشريعبة
والمادة الثانية من الاتفاقية المذكورة المطلوب من الدول الأطراف أن تتعهد بالقيام بها للقضاء على التمييز ضد المرأة، تشمل سبعة بنود منها : إبطال كل الأحكام واللوائح والأعراف التي تميز بين الرجل والمرأة في قوانينها، واستبدالها بقوانين تؤكد القضاء على التمييز ضد المرأة.
وأبرز القوانين المستهدفة فى دائرة الأحوال الشخصية هى تلك التى تتناول الطلاق ، وحق الرجل فى إيقاعه بعيدا عن مجلس القضاء ، وتلك التى تتناول موضوعات النسب ، والوصاية والولاية والقوامة ونحوها ، وأخيرا قوانين الإرث ، لاسيما النص على أن للذكر مثل حظ الأنثيين .
وهذه المادة بوجه خاص تخالف الشريعة الإسلامية بمحاولتها القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والشريعة تؤيد التمييز الإيجابي للمرأة الذي يكون لها وليس ضدها، وسنرد على ذلك فى قضايا الطلاق والنسب والحضانة وغيرها مما نتناوله هنا ، أما الميراث فلا ظلم يقع على المرأة في التشريع الإسلامي؛ فقد ترث قدر إرث الرجل ، وأحيانا تفضله ، والمفاجأة التى يؤكدها الإحصاء للنسبة المئوية للحالات التي تأخذ فيها الأنثى نصف نصيب الذكر كشف أنها تساوي 13.33% فقط، والباقي 86.67% إما أن ترث مثلما يرث الذكر أو أكثر، فضلاً عن أن إرث الرجل في أغلب الأحوال يكون- حسب مذاهب أهل السنة ، وهم أكثرية المسلمين فى العالم - عاصباً منتظراً لما يفضل من أصحاب الفروض ، والأنثى في أغلب أحوالها ـ90% ـ تأخذ نصيبها فرضــــاً ، ويمكننا أن نصنف الإرث بالفريضة فى إطار " قليل دائم خير من كثير منقطع " أما الإرث بالتعصيب فنخشى أن يكون موضعه الذى يقربه إلى الأذهان ما يشبه حالة المخاطر أو المقامر – ونعتذر عن التشبيه فقط أردنا التقريب – لأن العاصب دائما ما ينتظر ما تنجلى عنه حالات أصحاب الفروض ، ولربما يرث القليل الباقى ، وإن كانت قرابته بعيدة نسبيا – كالأخ وابن الأخ .. ومن بعدهما – فكثيرا مالا يرث شيء حيث يستبد أصحاب الفروض بالتركة فلا يبقى له شىء ، وللناس أن يعرفوا أن أصحاب الفروض المقدمين فى الإرث اثنا عشر رجلا وامرأة ‘ فيهم فقط أربعة رجال هم الأب والجد والزوج والأخ من جهة الأم – أخ المتوفى من أمه - والثمان الباقيات نساء ، هن البنت وبنت الابن ، والأم ، والجدة- واحدة أو أكثر- ، والزوجة – واحدة أو أكثر – والأخت الشقيقة والأخت لأب ، والأخت لأم .
هذا و لا يعْزُبَنَّ عن البال أن الأنثى مصونة مكرمة في الشريعة الإسلامية، وأن وليها (الأب وأحيانا الابن ، أو الأخ ) ملزم بسكناها ونفقتها ونفقة أولادها ، و لا تلزم بالعمل لتنفق على نفسها ومن تعول ، وإن كانت زوجة فإنها لا تكلف بأن تنفق جنيهاً واحداً ـ إلا عن طيب خاطر ـ مهما كانت غنية، وأنها في أهليتها المالية مثل الرجل ، ليس لأحد عليها ولاية سواء كان أباً أو زوجاً، وللمرأة حق التصرف بالبيع والإقالة والخيار والسَلَم والصرف والشُّفْعة والإجارة والرهن والقسمة والإقرار والكفالة والصلح وغيرها من سائر العقود والالتزامات .
وتتضمن المادة التاسعة التزامين أساسيين :
أولاً: تطالَب الدول الأطراف بأن تمنح المرأة حقاً مساوياً لحقِّ الرجل في اكتساب الجنسية أو تغييرها أو الاحتفاظ بها، حيث لا تطالَب بتغيير جنسيتها بسبب الزواج من أجنبي أو تُفرَض عليها جنسية الزوج.
ثانياً: إعطاء المرأة نفس حقوق الرجل فيما يتعلق بجنسية أولادهما
وتطالب المادة السادسة عشر الدول الأطراف باتخاذ التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في كافة الأمور المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية، حيث يكون لها نفس الحق في عقد الزواج، ونفس الحق في حرية اختيار الزوج، ونفس الحقوق والمسؤوليات في أثناء الزواج وعند فسخه، ونفس الحقوق فيما يتعلق بالأطفال، من حيث الإنجاب والولاية والقوامة والوصاية والحضانة. وتعطى النساء حقوقا كما لأزواجهن في اختيار اللقب العائلي والمهنة والوظيفة، وفي الملكية وإدارة الممتلكات والتصرف بها. كما تُلزَم الدول بتحديد سِنٍّ أدنى للزواج وتسجيل الزواج في سجل رسمي. والمادة تخالف – فى بعض ما تدعو إليه - الشريعة الإسلامية التي قسمت الأدوار في الأسرة بين الرجل والمرأة، ولم تجعلها متساوية متطابقة فلكل حقوق وعليه واجبات.
ومما يستوقف الناظر، ولينتبه المسلمون ، أن يعقد فى مصر – فى بدايات أكتوبر 2004 - مؤتمر [العائلة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا] الذي نظمه مجلس البابا للعائلة بالتعاون مع الكنيسة الكاثوليكية المصرية في دار [القديس إستيفانوس] في ضاحية المعادي بالقاهرة.
وتركزت - كما تقول الأخبار - الجلسات الختامية للمؤتمر حول قوانين الأسرة والأحوال الشخصية في دول الشرق الأوسط وشمال القارة الأفريقية.
وعلى الصعيد ذاته أعلن المؤتمرون توصياتهم النهائية بقرار عمل لجان للأسرة في كافــة الدول المشاركة .
وصرح مراسل شبكة الفاتيكان في القاهرة أن التوصيات التي اعتمدها المؤتمرون تركزت في سبع نقاط:
أولها: التركيز على قوانين الأسرة والأحوال الشخصية التي تناقش في برلمانات دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا .
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المؤتمر عقد في الذكرى العاشرة لانعقاد مؤتمر القاهرة الدولي للسكان والتنمية الذي عقد في القاهرة عام 1994، والذي أثار جدلا واسعًا لدى علماء المسلمين الذين أكدوا مخالفة قراراته لثوابت الشريعة الإسلامية المتعلقة بالأسرة .
ومن البدهى ،والحال كما رأينا، أن ترصد مؤسسة هيومان رايتس الأمريكية قصور القوانين المصرية عن تحقيق وحماية حقوق المرأة ، كما هو منقول نصا من تقريرها ، لاسيما البند الخامس منه ، والمعنون (العواقب التمييزية للطلاق غير المتكافئ ) ومن نصه : "يؤدي نظام الطلاق الذي يتسم بالتمييز المجحف في مصر إلى الإضرار بالمرأة في كل مرحلة من مراحل عملية التطليق؛ ونظرا للآلام والمخاطر التي تحف طلب الطلاق في المحاكم المصرية المثقلة بالقضايا المتأخرة، والتي تفتقر إلى الكفاءة، تضطر الكثيرات من النساء المصريات إلى دفع أزواجهن إلى تطليقهن، وذلك أمر هين عليهم؛ وفي المقابل، توافق المرأة عادة على التضحية بحقوقها المالية. وبالإضافة إلى ذلك، فإن القوانين التمييزية التي تجعل حق المرأة في المسكن مشروطاً بحضانتها الفعلية للأطفال تمنع المرأة من طلب الطلاق خوفا من أن تصبح بلا مأوى. كما أن انتهاء الحضانة الفعلية للأطفال، بانتقالها إلى الأب عندما يبلغ الأطفال سنا معينة أو بانتقالها إليه بصورة تلقائية في حالة زواج المرأة مرة أخرى، يمثل نتيجة تمييزية أخرى لنظام الطلاق المعمول به في مصر.
أما إذا وجدت المرأة في نفسها الشجاعة الكافية لمحاولة إنهاء زواجها عن طريق المحاكم المصرية – وهي عملية قد تستغرق عدة سنوات – فمن المرجح أن تجد المرأة نفسها وقد وقعت في براثن العوز والفاقة أثناءها؛ حيث لا يحق لها وهي لا زالت متزوجة الانتفاع بأي صورة من صور الإعانات الاجتماعية التي تقدمها الدولة. وهذه العواقب المؤسفة للطلاق في مصر تؤدي إلى إحجام المرأة عن طلب الطلاق من الزوج أصلا، أو تقودها إلى حياة بائسة بعد طلاقها."
وكما هو واضح للعيان فإن حملة الانقضاض على قوانين الشرع كلما أفلحت فى النيل من قانـــون ارتقت إلى ما بعده ، ولن تسكت حتى تسقطها كلها جملة ، إن استطاعت ،كما لا يخفى أنها لا ترعى حرمات الأوطان كما لم ترع حرمات الأديان ، بل كثيرا ما يظن أنها تعمل لصالح المحتل الغاصب ضد أهداف الأمة ، ومن ذلك توطين وتجنيس فلسطيني الشتات حيث هم ، جاء فى رؤية اللجنة التشريعية الاستراتيجية للمجلس القومى للمرأة – المنوه عنها قبل قليل ما نصه " -5- إزالة التمييز فى قانون الجنسية : صدر القانون رقم 154 لسنة 2004 بتعديل قانون الجنسية لرفع التمييز ضد المرأة المصرية محققا المساواة المطلقة بين الأب والأم المصرية فى حق منح الجنسية لأبنائهم. إلا أن أبناء الأم المصرية المتزوجة من فلسطينى ما زالوا يعانون من صعوبات فى تنفيذ القانون والحصول على الجنسية المصرية" .



5- الهدف هو الطلاق الذى يوقعه الزوج :
وقضيتنا هنا هى الطلاق ، وكما هو واضح من الاحتجاجات فإن المستهدف منه هو ذلك الذى يوقعه الرجل بعيدا عن مجلس القضاء ودون توقف على حكم ، ولا على رضا المطلقة ، وذلك – فى رأيهم - لأسباب عدة منها :-
1- أن هذه الصورة من صور الفرقة تتنافى - كما يقولون - وحكم لزوم العقد ، وتخل بالمساواة بين الزوجين فى الحقوق والواجبات .
2- أنها تعرض رابطة الزوجية لخطر الانفراط ، و تعرض الأسرة لمضار التشتت والضياع .
3- أنها لا تتناسب ومقتضى الحال من ضعف الوازع الدينى وتعقد الظروف الحياتية وتحدياتها .
ومع إيماننا بأن السكن المنشود شرعا وغرضا لا يتحقق إلا إذا روعيت آداب الشرع فى الزواج ابتداء وبقاء ، لكننا لا نجد بدا من الرد – ولو بإيجاز على تلك الفرى .
أولا: الطلاق عن طريق الرجل قديم ومعتبر عند كثيرين :
1- الطلاق فى مصر الفرعونية ( )
" لقد هجرتك ولم تعد لى حقوق عليك كزوج ، ابحثى عن زوج غيرى ، لأننى لا أستطيع الوقوف إلى جانبك فى أى منزل تذهبين إليه ، ولا حق لى عليك من اليوم فصاعدا باعتبارك زوجة لى ، تنسب إلى وشريكة لحياتى ، اذهبى فى الحــــــــــــال بلا إبطاء أو تأخير " . ( )
هذا نص وثيقة طلاق اكتشفها البروفسيور " فيتشر " بين لفائف برديات حفريات طيبة ، ويرجع تاريخها إلى الأسرة الرابعة ( )، وهى كما يظهر منها تفيد أن الطلاق بيد الرجل ، وهو ما نصت عليه قوانين " أحمس " حيث جعلت للرجل أن يطلق زوجته الحالية ، ولا يعنى هذا أنهم كانوا يمنعون التعدد ، فقد عرف عنهم العكس من ذلك . ( )
وحسبما يذكر المؤرخون فإن من الجماعات من كان يقرر حق الطلاق للرجل وحده، وبعضها الآخر من كان يقرره لكلا الزوجين ( ) .
ويبدو أن ملكية المرأة للطلاق كان أساسه ما للمرأة من حق اشتراط أن تكون العصمة بيدها ( ) ، فضلا عن أنهم عـــــرفوا نظاما شبيها بنظام الخلع المعروف فى الإسلام ( ) .
2- الطلاق فى بابل وآشور
أشهر ما وصلنا عن حضارة الرافدين ، قانون حامورابى والذى حكم هذه البلاد فى الفترة ما بين 1728 ، 1686 قبل الميلاد .
ومما تضمنه هذا القانون الشهير نظام الطلاق ، وقد نظمه على النحو التالى ( ) .
1- الطلاق مسموح به للرجل والمرأة ، غير أن للرجل " الزوج " أن يطلق دون التقيد بأسباب الطلاق ، أما المرأة فعلى العكس من ذلك ، فلابد أن تبرر أسباب طلاقها للرجل( ) مع حق القضاء المحتم فى التدخل فى هذا الطلاق
2- يحرم الطلاق إذا كانت الزوجة مريضة ، بل يكلف الرجل برعايتها وهى عنده ، وله أن يتزوج عليها ، ولها أن تغادر بيته إذا لم ترض بزواجه عليها .
3- للطلاق تبعات ، فعلى المطلق أن يدفع للمطلقة مبلغا يتفاوت بمقدار ما لها من أبناء ، وإن لم يكن أبناء أعطاها مثل ما دفعه صداقا لها ، وإن لم يكن قد دفع صداقا فلها ما يناسب مكانته الاجتماعية .
4- على المطلق أن يرد للمطلقة بائنتها ، وهى المال والمتاع وكل ما يكون مع المرأة عند ذهابها إلى بيت زوجها ، فهو ملك لها .
وفى قانون البابليين فى القرن الثالث قبل الميلاد ، يحكم على المرأة بالموت غرقا إذا هى قاومت الطلاق وثبت عليها أمام القضاء أنها مشاكسة مهملة. ( ) .

3- وعند البوذيين :الطلاق بيد الرجل ، أو باتفاق الطرفين ، ويكفى الرجل فى طلاق زوجته أن يقول لها :" إنها اتصفت بصفة سيئة يقدرها هو ، كأن تملأ البيت دخانا ، أو تكثر الكلام ، أو تزعج الكلاب بصوتها " . ( )
4- وفى سيام :لا يباح الطلاق إلا مرة واحدة ، فإذا أراد الرجل بعد ذلك أن يتخلص من امرأة أخرى تزوجها فعليه أن يبيعها إذا وجد من يشتريها .
5- الطلاق فى بلاد الغرب القديمة
أولا : الطلاق عند اليونانيين ( ) .
عرف اليونانيون القدماء الطلاق ، وكان عندهم بيد الزوج يوقعه لأى سبب ، دون إجراءات ، أما المرأة فلم يكن لها حق طلب الطلاق من القاضى إلا فى العصر الكلاسيكى .
ويؤكد حق الزوج فى طلاق زوجته عاملان :
أولهما : العقم لأن قصد الزواج هو النسل ، ويقول الأستاذ محمد فريد وجدى : إذا لم تلد المرأة بعد الزواج لمدة عشر سنين انفسخ العقد وحصل الطلاق من تلقاء نفسه . ( )
ثانيهما : الزنا ، بل إنه إذا شاع فسق الزوجات ، وتغاضى عنه الأزواج، فإن الزواج ينفسخ بقوة القانون .

6- الطلاق عند الرومان ( )
قبل صدور قانون الألواح الاثنى عشر سنة ( 451 ) قبل الميلاد ( ) كان الطلاق مكروها عند الرومان ، فكانوا يحاربونه ، إن لم يدع إليه داع من زنا المرأة ، أو شروعها فى سم الرجل ، أو تزييفها مفاتيح داره ، أو ادعاءها الولاية كذبا .
وقد كان الطلاق بيد الرجل يوقعه بالطريقة التى تزوج بها المرأة ، فلما صدر قانون الألواح الاثنى عشر أباح حرية الطلاق بدون قيد أو شرط ، فكثر الطلاق كثرة هائلة ، حتى كان النساء يعددن أعمارهن بعدد مرات طلاقهن ، وقد بلغ من تساهلهم فى شأن الطلاق أن أجاب أحد النبلاء ويدعى " إميليوس " لما سئل عن طلاق زوجته مشيرا إلى حذائه قائلا "أليس هذا الحذاء جميلا ، أليس جديدا ؟ ولكن لا يعرف أحد منكم أين يؤلمنى " .
كما اشتهر من المطلاقين من القياصرة يوليوس قيصر ، وأنطونيوس وأوكتافيوس ، وغيرهم
فلما كانت ولاية أغسطس أصدر " قانون جوليا " قبل ميلاد السيد المسيح بأربعة عشر أو سبعة عشر عاما للحد من الطلاق ، واشترط لإجازته إعطاء المرأة وثيقة به أمام سبعة من الشهود البالغين . ( )
ولكن أظهر القيود التى وضعت للحد من الطلاق كانت فى عهد قسطنطين عام 331م تحت تأثير العقيدة المسيحية ، وقد نص فى هذا المرسوم على عدة أسباب لإباحة الطلاق لكل من الزوجين ، وإن كان " الطلاق الذى يقع من أى من الزوجين فى غير الحالات المنصوص عليها صحيحا ، إلا أن المطلق يعاقب ببعض الجزاءات كالتزامه برد البائنة أو حرمانه من الزواج مرة أخرى ، أو نفيه إلى إحدى الجزر "
وفى عام 449 أصدر الإمبراطور تيودو زيوس مرسوما وسع فيه كثيرا من أسباب الطلاق ومن طريف ما ورد فيه أن المرأة إذا كانت متحررة أكثر من اللازم جاز للرجل أن يطلقها ، كما أن لها الحق فى الطلاق إذا أساء معاملتها، ومع هذا أبقى على الجزاءات المادية التى قررها قسطنطين .
وفى عام 542 م أصدر جستنيان مرسوما يحدد أسباب الطلاق المشروع وهى ( )
1- زنا الزوجة أو معاشرة الزوج لعشيقته فى منزل الزوجية .
2- محاولة أحد الزوجين الاعتداء على الآخر .
3- هجر منزل الزوجية .
4- الجنون والعجز .
5 – ومن الأسباب المسوغة للطلاق أيضاً : ذهاب المرأة إلى الحمام العمومى بدون إذن زوجها ، أو إذا تناولت طعاما فى محل عمومى أو إذا ذهبت إلى الملعب برفقة أجنبى ، ولها تطليقه إذا اشترك فى مؤامرة ضد سلامة الدولة.
وفى غير هذه الحالات يعاقب المطلق ، فإن كان الرجل فقد ما يعادل ثلث ثروته فضلا عن البائنة والمهر وآل كل ذلك إلى المرأة ، وإن كانت المرأة فقدت بائنتها وكل أموالها على أن يؤول النصف إلى الدير الذى ستعيش فيه ، والباقى إلى أقاربها ( ) .
كما عرف الطلاق عن الجرمان والتيتون وقبائل الألب والغال ، والكلت، والأنجلو ساكسون . ( ) .
7- الطـــلاق عـــند اليهـــــود
جاء فى سفر التثنية إصحاح 24: 1، 2 أن موسى عليه السلام قال " إذا اتخذ رجل امرأة وصار لها بعلا ثم لم تحظ عنده لعيب أنكره عليها فليكتب لها كتاب طلاق ، ويدفعه إلى يدها ويصرفها من بيته "
وفى الإصحاح الثالث من كتاب أرميا " إذا طلق رجل امرأته فانطلقت من عنده ، وصارت لرجل آخر فهل يرجع لها بعد ؟ ألا تتنجس تلك الأرض نجاسة !! وفى سفر التثنية 24: 4 " لأن ذلك رجس لدى الرب فلا تجلب خطية على الأرض " .
ومعنى ذلك أن الطلاق عند اليهود جائز ، ولكن لا يجوز للرجل أن يتزوج مرة أخرى بمن طلقها إذا تزوجت برجل آخر وطلقت منه.
وعند الربانيين تحرم المرأة على مطلقها أيضا إذا كان سبب الطلاق عقما مظنونا ، أو إشاعة كاذبة حول سلوك المرأة ، وعلة هذا التحريم حمل الرجل على التريث بتهديده بأن الطلاق إذا وقع يكون بائنا لا رجعة فيه ( )
وفى العهود القديمة لم يكن للمرأة حل وثاق الزوجية أو طلب الطلاق إلا فى أحوال استثنائية ( )، ولكن بعد احتلال الرومان لفلسطين بعد عام 65 ق . م أخذت عادة تطليق المرأة لزوجها تشيع بين اليهوديات شيئاً فشيئاً بتأثير العادات الرومانية ( )، ولأسباب متعددة تتعلق بقدرة الرجل الجنسية ، أو حالته الدينية ،أو معاملته لزوجته بقسوة ، أو مبالغته فى الفسق والفجور ، أو امتناعه عن الإنفاق عليها ، أو إصابته بمرض خبيث ، أو اشتغاله بتجارة غير مشروعة بعد الزواج .
أما الرجل فالطلاق بيده ، وله أن يوقعه أمام السلطة الشرعية ولو بدون عذر ، ولكن يحسن عندهم شرعاً الطلاق لعيب خٌلقٌى كسوء المعاملة ، وشدة المنازعة ، والعناد ، والإسراف ، أو لعيب خلْقى كالنمش والجدرى وقصر النظر، والرائحة الخبيثة ، وكل عاهة لا يرجى برؤها . ( )
وعند اليهود لو نوى الرجل طلاق زوجته حرمت عليه بمجرد النية ، ووجب تنفيذ طلاقه ، ولا يقع عندهم طلاق الحامل أبداً ، إلا أن يجوزوه ( )، كما يحرم على الرجل أن يطلق – عقوبة له – فى حالتين:
1 – إذا اتهم زوجته بأنها ليست بكراً ، وقدم أبوها ثوبا به بقع دم البكارة أمام الناس ، فيغرم الزوج غرامة تدفع لأبيها ، ثم يحرم عليه طلاقها عقابا له .
2 – إذا هتك عرض فتاة بدون رضاها ألزم بزواجها وحرم عليه طلاقها. كما جاء فى سفر التثنية إصحاح " 21 "
أما اليهود الربانيون – الذين يؤمنون بالتوراة والتلمود – فمنافذ الطلاق عندهم أوسع كثيراً من تلك التى هى عند القراءين ، وأيا كان الأمر فإن أصل الطلاق عند اليهود بيد الرجل.( )
وحاصل ما تقدم أن إقرار الطلاق بيد الرجل فى الشرع الإسلامى ليس بدعا تفرد به الإسلام ، ولكنه كما رأينا نهج التشريعات التى تستند إلى شرائع سماوية كالتوراة ،وتلك التى ترجع إلى معتقدات وضعية .
ثانيا : لا مصلحة فيما يرجى من تقييد إيقاع الطلاق إلا عن طريق القضاء :
منذ أن أصدر الأستاذ قاسم أمين كتابه تحرير المرأة سنة 1902 م واقترح فيه نظاما للطلاق بمقتضاه " لا يصح الطلاق إلا إذا وقع أمام القاضى أو المأذون ، وبحضور شاهدين ، ولا يقبل إثباته إلا بطريقة رسمية ( ) والمطالبة بهذا القيد فى إيقاع الطلاق لا تنقطع ، بل أفسحت لها بعض التقنينات العربية مكانا فى أحكامها محاكاة للنموذج التركى الأتاتركى ، من ذلك مثلا القانون العراقى ،الذى نص فى المادة ( 39 ) منه على أن :
1- على من أراد الطلاق أن يقيم الدعوى لدى المحكمة الشرعية ، ويطلب إيقاعه واستحصال حكم به ، وإذا تعذر عليه مراجعة المحكمة وجب عليه تسجيل الطلاق فى المحكمة خلال مدة العدة .
2- تبقى حجة الزواج معتبرة إلى حين إبطالها من قبل المحكمة :
وعلى الرغم من أن النص ، على طلاقة الفقرة الثانية ، يعتد بالعلاقة بعد انفصامها شرعا إلى حين إبطالها من قبل المحكمة ، متى وقع الطلاق خارج المحكمة ، فإن بعض الفقه العراقى ينتقده ، لا لاعتبار الباطل ،ولكن لأنه أجاز إيقاع الطلاق خارج المحكمة ( ) .
لذا فإن مطالبة الأستاذ قاسم وتصرف المقنن العراقى لم يعدا كافيين فى نظر المتعصبين والمتعصبات لدعوى إيقاع الطلاق أمام القضاء ، فنادوا بأن يكون إيقاع الطلاق بيد القاضى وحده ، على غرار ما يجرى عليه العمل فى قوانين غير المسلمين ، واعتبروا أن ما أخذ به المقنن التونسى من عدم إيقاع الطلاق إلا بحكم القاضى – المواد (30- 32 ) – خطوة إصلاحية هائلة ينبغى أن يقتفى أثرها المقننون الأخر ، خصوصا – والكلام لهم - وأن المجلس الاجتماعى لهيئة الأمم المتحدة قد أوصى منذ سنة 1965 م " بعدم جواز إيقاع الطلاق أو التفريق القضائى إلا بواسطة سلطة مختصة مع وجوب تسجيله قانونا " ، علما بأن قرارات هيئة الأمم المتحدة ملزمة لكافة الدول الأعضاء .
ويستندون فى مطلبهم هذا إلى الحجج الآتية :
1- أنه ليس فى القرآن ما يمنع من اللجوء إلى القضاء لتقرير الطلاق ، بل على العكس من ذلك ، فقد ورد ما يؤيده كقوله تعالى " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما "( ) (وقوله " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير " ( )فهذه إشارة واضحة إلى أفضلية القيام بمحاولات الصلح والتحكيم قبل الطلاق من قبل القضاة والمحكمين .
2- يعتبر القضاء أجدر من يستطيع القيام بمهمة المصالحة والتحكيم خصوصا بعد انتشار المؤسسات القضائية انتشارا واسعا فى الدول العربية ، حيث سيقوم بتدقيق تقارير المحكمين ، كما أن إجراءاته الطويلة ووجود الباحثات الاجتماعيات ستتيح الفرصة أمام الزوجين للاهتمام بمصير الأسرة والأولاد ، وقد تنتهى محاولات القضاء بإصلاح ذات البين بين الزوجين .
3- إن الاستعانة بالقضاء يتفق مع القاعدة الشرعية القانونية العامة التى تقضى بالقوة الملزمة للعقود ، التى لا يجوز للطرفين المتعاقدين التحلل منها إلا بالتراضى أو التقاضى، لا بإرادة منفردة فحسب .
4- إن الزواج عقد شكلى لا ينعقد إلا إذا روعيت فيه شكليه معينة ، ولا تسمع دعواه – عند الإنكار – إلا إذا كان موثقا ، فكذلك ينبغى مراعاة شكلية معينة فى إنهائه ، ولتكن هذه الشكلية فى إيقاعه بمعرفة القاضى .
5- إن استبداد الرجل بأمر الطلاق إنما كان مقبولا فى عصر كانت فيه المرأة محجبة جاهلة تعيش فى الحريم ، أما الآن فالأمر يختلف حيث تعلمت المرأة وتساوت بالرجل مساواة تكاد أن تكون تامة ، وشغلت أرفع المناصب ، فليس من المقبول والحال كذلك أن يستبد الرجل بالطلاق ( ) .
هذه أظهر حججهم، والأخيرة منها على وجه خاص تتضمن المنهج الحقيقى الذى يصدر عنه القائلون بذلك ، هذا المنهج الذى لا يقبل - فى صراحة ودون مواربة - التسليم بصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ويرى أن ما صلح للبيئة العربية الأولى لا يلائم البيئة المعاصرة بكل ما طرأ عليها من تطور فى العلوم ومظاهر الحياة ، والعلاقات الاجتماعية ، ويتمسك هذا المنهج بتفسير للنصوص أطلق عليه " الدلالة التاريخية للنص " وفحواه ما ذكرنا.
والحقيقة أن الخلاف فى أمر حق إيقاع الطلاق خلاف عقدى - نسبة إلى الاعتقاد - بين فريقين ، يؤمن أحدهما بأن النص متبوع لا تابع ، وما دامت النصوص قد أثبتت بما لا يدع مجالا للشك اختصاص الرجل بحق إيقاع الطلاق دون توقف على رضا الزوجة أو حكم القضاء فلا مجال للالتفاف حوله ، وإن خفيت علينا حكمة هذا الاختصاص فى الواقع ، لأنه من عند الله الأعلم بما يصلح لخلقه .
بينما يؤمن الفريق الثانى أن الوحى واقعة تاريخية ، وأن كل نص ينبغى أن يعيش فى البيئة التى يطبق فيها ، ويحيا حياة متصلة بما يحيط به من ملابسات وينفصل انفصالا تاما عن المصدر التاريخى الذى أخذ منه ، أيا كان هذا المصدر، ونظرا لأن العقل هو السلطة التى يتأسس عليها الوحى ذاته ، وهى سلطة اجتماعية وتاريخية ، لذا فإن العقل ضد الأحكام النهائية والقطعية اليقينية الحاسمة( )
إذن فمستند المنهج القائل بتقييد إيقاع الطلاق بمعرفة القاضى وحده ليس رعاية المصلحة العامة كما يزعم ، ولا حماية المرأة من عسف الرجل كما يدعى، ولا احتمال النصوص لهذا التقييد كما ظهر من بعض حججه .
وإنما المستند فى صراحة ومكاشفة أن العقل متبوع ، والوحى تابع ، حيث أن الثانى يتأسس على سلطة الأول .
وأبلغ دليل على ذلك أنهم بينما كانوا – ولم يزلوا - يوصون أنه " لا يطلق الرجل امرأته إلا أمام القاضى وبعد بيان الأسباب " فإنهم يوصون بأن " للزوجة أن تطلب من القاضى طلاقها دون بيان الأسباب ( ) ، وهو عين ما انجلت عنه الانتخابات البرلمانية الأخيرة –نوفمبر2005- فما إن جاءت ببعض المنادين بأن الإسلام هو الحل ، وأقصت الاتجاهات الأخرى ، حتى انقلب دعاة الديمقراطية وحرية الاختيار عليها ، بل اتهموا الشعب الذى مارس حقه فى الاختيار بالجهالة والاندفاع ، والقصور عن الديمقراطية ممارسة وحكما وزاد الطين بلة عندما أساءت بعض أبقار أوربا الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ففزعتنا بعض الكلاب بالحق فى العواء ، وإن على أكرم ضيف عرفته البشرية، ولله در القائل :
ومهما تكن عند امرىء من خليقة ......... وإن خالها تخفى على الناس تعلم .
وعلى ذلك فإنه لا جدوى من تبصيرهم بأن الذى يظهر لنا من حكمة الشرع فى اختصاص الرجل بحق الطلاق هو استهداف الستر على خبايا البيوت ، وصيانة أسرار الأسرة ، وحفظ المجتمع عن شرور أولى له أن لا تشاع .
وكذلك إنهاء زوجية لم تستقم عشرتها لأسباب نفسية يعسر على القاضى إثباتها ، وإقامة الدليل عليها ، فإن طلق القاضى بغير سبب ثابت لم يحقق الهدف من التقييد ، وكان طلاقه كطلاق الرجل مما يهدر علة التقييد ( ) .
ومع أننا – وإزاء هذا الخلاف العقدى – نشك فى جدوى تبصرة المخالفين بالحق ، إلا أننا لا نستطيع فكاكا من تفنيد حججهم ، حتى لا يدخل بها على العامة فيظنونها إصلاحا ، ورأيهم أبعد ما يكون عن ذلك ، فأقول وبالله التوفيق :
1- أما قولهم إن القرآن يشير إلى أفضلية القيام بمحاولات الصلح والتحكيم قبل الطلاق فإنه حق ، بل إن الخطاب القرآنى لا يدل على ذلك إشارة وإنما نصا ( ) ، ولا يرشد إلى محاولة الصلح ندبا بل يوجبها إيجابا لازما ( ) ولكنه لا يشير بحال إلى قطع حق الرجل فى الطلاق لا كلية بالاتفاق ، ولا فى خصوص حالة الشقاق على رأى جمهور العلماء وظاهر الآية يؤيده ، لأن الله سبحانه وتعالى غيّا مهمة الحكمين بإرادة الإصلاح فقال " إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما " وهذا يقتضى أن يكون مـــا وراء الإصلاح غير مفوض إليهما ( ) .
وما قيل فى آية الشقاق يقال فى آية الصلح " وإن امرأة خافت من بعلها" فهى تندب إلى حرص المرأة على التئام شمل الأسرة ، ولو بتنازل عن بعض حقوقها ، ففى هذا خيرية لكليهما بل للمجتمع عامة ( ) ولكنها لا تدل بأى طريق على نزع حق الطلاق من يد الرجل .
2- قالوا : القضاء أجدر من يستطيع القيام بمهمة المصالحة والتحكيم إلخ .
وهذا أيضا حق ، لكنه عصى على التطبيق التام والأوحد ، إذ على الرغم من النص قانونا على اشتراط محاولة الصلح وعدم التطليق للضرر إلا بعد إثبات عجز القاضى عن الإصلاح بين الزوجين " وفقا للمادة 6 من القانون 25 لسنة 1929 " فإن غاية ما تمخض عنه العمل أنه " يتعين على المحكمة أن تثبت قيامها بعرض الصلح على الطرفين وإثبات ذلك ، يستوى أن يقبله الطرفان أو أحدهما ، وهذا فى حد ذاته كاف لإثبات عجز المحكمة عن الإصلاح بين الزوجين ، وقد قضى بأن عرض الصلح على الطرفين أمام محكمة أول درجة ورفض الزوجة كاف لتحققه فى الدعوى ، ولا محل لإعادة عرضه مرة أخرى فى الاستئناف " ( ) .
وتجربتنا - المصرية - الوليدة فى تسوية المنازعات الأسرية عبر مكاتب التسوية المستحدثة بالقانون 10لسنة 2004، و التى حتم القانون أن يكون عرض الأمر عليها مرحلة للتسوية فى المنازعات الأسرية تسبق مرحلة التقاضى، وتتولاها هذه المكاتب التى تتبع وزارة العدل، وتزود بالعدد اللازم من الأخصائيين القانونيين والاجتماعيين والنفسيين ، أقول حداثة عهدها تجعل من الصعب الحكم على جدواها ، ومقدار نجاحها ،ولكن تجارب أخرى مضى عليها قيامها سنوات ، وقدمت عن إنجازاتها إحصاءات يمكن أن تقدم تعبيرا أدق ، وعلى رأس هيئات الإصلاح المشهود لها بالكفاءة قسم التوجيه والإصلاح الأسرى بدائرة المحاكم التابعة لإمارة دبى بدولة الإمارات العربية المتحدة ، فقد حقق نجاحا ملحوظا فى علاج التداعيات الحادثة بعد صدور الطلاق ، أما جهده فى الحد من الطلاق فمحدود ، فوفقا لإحصائيات عمل القسم خلال سنته الأولى فإنه نجح فى الإصلاح بين عدد 23% من المتخاصمين ،بينما تم اتفاق 40% من جملة المتخاصمين على الطلاق ، ولم يستطع القسم حل 37% من جملة المنازعات فأحالها بحالتها إلى القضاء ، والنتيجة أن القسم نجح فى التخفيف عن كاهل القضاة ، ولكنه لم يحل كما يرجى دون وقوع الطلاق ، وهذا فى دبــى - وما أدراك ما دبى ، فليس الخبر كالعيان - حيث الصورة المثلى لسير العمل القضائى .
ولا يعنى هذا أننا نهمل الدعوة إلى الصلح وضرورة بعث الحكمين ، لأن ذلك مما لا يليق بمؤمن ، ولكننا نقول هى وسيلة وقائية نأمل أن تحقق الغرض منها ، ولكننا لا نسلم البتة أن تكون مقدمــة للنتيجة المستهدفة ، لأن حماية شمل الأسرة شئ وغصب الحق فى الطلاق شئ آخر ، لا سيما وقد ثبت من التطبيق إن إرادة الصلح الحقيقية – بما تستوجبه من صدق النوايا وبذل الجهد الكاف – مما يشق على القضاء اليوم ، مع تكدس المنازعات وقلة عدد القضاة ، ونتيجة ذلك غل يد الزوج فى الطلاق دون نتيجة تذكر .
3- قالوا : لا تحلل من العقود إلا بالتراضى أو التقاضى . وهذا أيضا صحيح لكن لا على إطلاقه ، لأن من العقود ما هو جائز يقبل الفسخ بإرادة أحد طرفيه ، ومنها ما هو لازم لا يستقل أحد طرفيه بفسخه ( ) ، والزواج الصحيح المكتمل الأركان والشروط من هذا النوع الأخير ، غير أن التحلل من الزواج إن كان بفسخ فلابد فيه من حكم حاكم ( ) ، وإن كان بالطلاق فلا حاجة لهذا الحكم لأن الطلاق قطع للنكاح فى المستقبل ( ) ، وليس نقضا لعقده من مبتدئه ، بدليل أن من آثار الزواج الصحيح ما يثبت دون توقف على دخول ، كنصف المسمى، أو المتعة ، وحرمة الأم ، ولو كان فسخا لما ثبت شئ من ذلك ، ناهيك عن أن الله سبحانه وتعالى قد ملك الرجل هذا القطع رخصة منه سبحانه وتعالى .
4- وأخيرا قالوا الشكلية مراعاة فى ابتداء الزواج فلتراعى فى انتهائه .
ومع أن الشكلية المدعاة مما يمكن تقبله فى عقد النكاح لخطره وعظم شأنه ( ) فإن أحـدا لم يقل إن عقد النكاح لا ينشأ إلا على يد قاض ، ولم يقل أحد إنه لا ينشأ إلا بالكتابة الرسمية ، حتى يتسنى القول بضرورة إنهائه بحكم القضاء، وبالكتابة الرسمية .
إن شكلية الزواج استوجبت أن تراعى فيه ألفاظ شرعية أو عرفية تفيد معناه ، وأن يتم بولى عن المرأة ، وفى حضرة شاهدين ( ) وأرى أن توثيقة بالكتابة - كدليل إثبات - مما يلزم شرعا ( ) ، فإن شئنا أن نقيد الطلاق فليكن بنحو ما قيدنا به الزواج من قيود قد تجد لها أسانيد شرعية ، فتكون اجتهادا منضبطا لا متسيبا ، وذلك مثلا بضبط الطلاق الانفرادى بالضوابط الدقيقة لإيقاعه شرعا ، ولكن لا يقبل بحال أن يضبط الحق باغتصابه .

ثانيا :إيقاع الطلاق فى الشرع الإسلامى حق للرجل :
لا نجد عند فقهاء الإسلام ترددا البتة فى جعل الطلاق بيد الرجل ، وذلك لصراحة النصوص فى تقرير هذا الحق .
1- فالقرآن الكريم – وهو يذكر أحكام الطلاق – ينسب فعله إلى الزوج ومن ذلك قوله تعالى " إذا طلقتم النساء " وقوله " فإن طلقها " وقوله " وإن عزموا الطلاق " " وقوله " إن طلقتم " وقوله " إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن" وقوله " إن طلقكن " فأسند الطلاق فى كل إيقاع إلى الرجل ، والأصل فى الإسناد الحقيقة ، ولا ينتقل عنها إلا بدليل يؤيد ذلك ، وليس هناك دليل ، ولا يغير من هذه الحقيقة أن يندب الشرع إرسال الحكمين كما فى قوله تعالى " وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما" ( ) لأن مراد الله منها – كما يقول المفسرون – علاج حالة خاصة فيها يأتى كل من الزوجين ما يخالف رغبة الآخر دون سعى إلى فك عقدة الزواج من أيهما، لأن الله يقول " إن خفتم " فخاطب الحاكم أو الأولياء ، وقرر أنه " متى علم الإمام من حال الزوجين الشقاق لزمه أن يبعث إليهما حكمين ، ولا ينتظر ارتفاعهما كليهما أو أيهما بدعوى – لأن ما يضيع من حقوق الله أثناء ما ينتظر رفعهما إليه لا جبر له ( ) فهو حكم على غرار حكمه " وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما ( ) .
2- وقد روى أن رجلا جاء إلى النبى  فشكا إليه : أن سيدى زوجنى أمته ويريد الآن أن يفرق بيننا ، فخطب رسول الله  فى الناس فقال " أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما ، إنما الطلاق لمن أخذ بالساق " ومع أن هذا الحديث ليس قويا فى إسناده لكن مطابقة معناه لما هو مقرر فى القرآن الكريم تقويه ( ) .
3- على أن إعطاء حق الطلاق للرجل يتفق والقوامة التى أعطاهــــــا الله لـــه فى قوله " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم " ( ) اعتبارا بما أودعه الله فيه من صفات ، وما أوجبه عليه من نفقة .
فعلى الاعتبار الأول : الرجل أقرب إلى تحكيم النظر العقلى فى الأمور منه إلى الاستجابة إلى العاطفة ، أما المرأة فهى على وجه العموم أقرب فى معظم حالاتها إلى الاستجابة للعاطفة ومتطلباتها .
وعلى الاعتبار الثانى : ( ) فإن الرجل هو الذى تكلف كل مطالب الزواج والحياة الزوجية بعد من مهر ونفقات ، فهو الذى تصيبه خسارة الطلاق فى ماله ، ومما لا شك فيه أن هذا يمثل عاملا قويا يدفع الرجل عند مواطن النزاع واصطدام المشاعر إلى مزيد من التروى وعدم التسرع فى أمر الطلاق ( ) .
ومع هذا فإن الشريعة الغراء لم تجعل هذا الحق للرجل مطلقا وإنما قيدته بقيود كثيرة على قمتها أن الأصل فيه الحظر ، كما أنها لم تسلب المرأة حقها فى الخلاص من معيشة تضرها ورجل يؤذيها ، فقررت حقها فى رفع أمرها إلى القاضى – متى ملكت مبررا قويا مقبولا للتفريق – ليطلق على الزوج مع استيفاء المرأة لكافة حقوقها المادية قبل الزوج .
كما قررت حقها فى الاتفاق مع الزوج على الفرقة بالافتداء أو المخالعة أو الإبراء ، مع نهى الرجال عن أن يعضلوا النساء ليذهبوا ببعض ما أعطوهن ، واعتبرت أن الإكراه على الافتداء بهتان وإثم مبين ، وعلى المرأة أن تسلك الطريق الذى تراه محققا لمقاصدها .


- 2 -
المحاور الأساسية لمشكلتى الطلاق والخلع
المرتجى من كل مناخ أسرى أن يكون علامة على المودة والرحمة ، ومظهراً من مظاهر الحنان المتدفق ، والعاطفة الوثابة ، ولكن كما يقولون ليس دائماً كل ما يتمناه المرء يدركه ، فقد يخطئ طرفا العلاقة الزوجية الطريق ، فترتبط المعطاءة بالشحيح ويرتبط الصبور بالأنانة ، فنجدنا أمام ارتباط يحمل فى طياته عوامل فشله ، وعندئذ كان لابد وأن تكون الفرقة فى الزواج أمراً وارداً لا فكاك منه قبل أن تتبدل المودة بغضاً والرحمة سخطاً .
ومن هنا فقد أقر الإسلام الفرقة ، ونوع طرقها ، فجعل بيد الرجل طلاقاً ، وبيد المرأة خلعاً وافتداء ، ونصّب من المجتمع حامياً للطرف الأضعف فى علاقة الزوجية وهو المرأة فأجاز لها أن تطلب التطليق عن طريق القضاء.
ولأن المرأة هى الأكثر تضرراً من الطلاق والأكثر احتياجا إلى إيقاعه عند تغطرس الرجل وانحرافه عن طريق الصواب ، لذا فإننا حرصنا فى معالجتنا لمشكلتى الطلاق والخلع على أمرين :
أولهما : الحماية من الطلاق وأثاره .
ثانيهما : الطريق إلى الطلاق كحل أخير للخلاص من زيجة فاشلة بأقل الخسائر وأبسط التضحيات.
وسنحرص ما استطعنا أن نتقصى أكبر قدر من المشكلات المتعلقة بالموضوع ، ونقدم الحل المرعى بأبسط تعبير ممكن ، وسنركز بوجه أخص على ما يلى :
عناصر الطلاق
أولاً : أهم نصائح الاجتماعيين وغيرهم لتوقى الطلاق
ثانيا : شروط وأحكام الطلاق الإرادى . .
ثالثا : أحكام وضوابط التطليق بمعرفة القضاء.
1- التطليق للنفقة إحالة .
2- التطليق للعيب .
3- التطليق للضرر وله صور عدة :
- الطلاق للهجر وسوء المعاملة
- الطلاق لتعدد الزوجات بشروط خاصة .
- الطلاق للشقاق واستحكام الخلاف بين الزوجين .
الطلاق للغيبة والحبس .
رابعا : حالات خاصة فى قضايا الفرقة ( زوجة المفقود ) .
خامساً : عناصر الخلع .
*التعريف بالخلع ،واوجه الفرق بين الخلع و الطلاق و التطليق .
* ضوابط الحكم بالخلع
*آثار الخلع على حقوقه المختلعة
1- آثار الخلع على نفقة المختلعة و سكناها في مدة العدة
2- آثار الخلع على الحق في الحضانة
*ابرز أحكام الخلع

نصائح لتوقى الطلاق
نعلم أن عقد الزواج ميثاق غليظ ورابطة طاهرة مقدســــــة بين قطبين من خلق الله ، الرجل ، والمأمول فيه أن يكون من قوة العزم وحصافة الفكر ورجاحة العقل ورحابة الصدر بما يحمى وجود الأسرة ، ويحفظها من الانفراط ، والقطب الآخر المرأة بما فطرها الله عليه من رهافة الحس ورقة الشعور وجيش العاطفة وسرعة التأثر، فإن جمع الله بين قطبين على هذا الوصف ، واجتمعا على رضوان الله ، وراعيا أحكام شرعه فى الابتداء ، والبقاء فلا خوف على زواجهما بل هذا هو السكن المنشود فى الآية الكريمة { وخلق منها زوجها ليسكن إليها } ونتيجته المضمونة بالوعد القرآنى أن يبث منهما رجال كثيرا ونساء ، وأن يتم عن طريقها الرحم والتواصل مصداق قول الله تعالى { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا . الآية 1 النساء } .
ولا شك أن استدامة الزوجية أولى من تعريضها للانقطاع ثم مواجهة الآثار السيئة للطلاق ،ولكن قد يعترض الزواج القائم بالفعل ما يحول دون تحقيق أهدافه أو يطرأ عليه ما يمنع استمراره شرعا ،أو يطرأ عليه ما يستوجب نقضه من أصله وإبطاله من مبتدئه، فعندئذ إن أبقينا على العلاقة بين الرجل والمرأة فقد تتبدل المودة بغضا والرحمة سخطا أو نبقي على علاقة أمر الشارع أن تقطع أو نهى في الأصل أن توجد، ومن هنا شرعت الفرقة دفعا لأضرار أو منعا لبقاء ما أمر الله أن يقطع أو رفعا لما ليس من حقه اللزوم .
والحقيقة أن المهمومين ببيوت المسلمين الراغبين أن تبقى صامدة فى وجه العواصف العواتى التى تعصف ببقاء واستقرار الأسرة ، كل منهم يعمل من جانبه وفيما يسره الله له أن يبصر المقبلين على الزواج ، والأزواج ، بما يضمن توقى أسباب عدم الاستقرار ، أو يحد من آثاره أو يعالجها إن وقع .
وأول الطريق إلى توقى الطلاق هو التحلى بآداب الإسلام فى الارتباط ، على نحو ما بينا فى مقدمات الزواج ، ويمكننا أن نضيف هنا بعضا من نتائج البحوث الاجتماعية والنفسية التى قصدت إلى الحد من الطلاق ، أو التنبيه إلى أبرز مسبباته :
1- وأول النصح بعد التزام ضوابط الشرع فى الارتباط هو تنبه الآباء والأمهات إلى أن غياب الدور التوجيهى للوالدين يسهم بدور فاعل جدا فى حصول الأزمة ، ناهيك عن أن احتمال التأزم يشتد إذا كانت التوجيهات خاطئة ، تحرض على المشاكسة ، أو التقصير ، وعلى الأقل مواجهة السيئة بالسيئة ، ومما يؤسف له أن يغيب على أولياء عصر الانفجار المعرفى نصائح الأم العربية القديمة لبنتها .
2- متابعة خيالات بعض الإعلاميين فى المسلسلات والأفلام ، وتصور أن ذلك هو الواقع الذى لا يساور الناس فيه شك ، كأن يتصوروا ، كما فى الخيال الفنى الزوج شابا وسيما مترفا مغداقا للهدايا بمناسبة وبلا مناسبة ، ويتصوروا الزوجة دائما جميلة حسناء جذابة متفرعة للعواطف والحفلات والنوادى هى وزوجها ، لا تكاد تعرف حملا و لا وضعا ولا رضاعا ولا تربية أبناء ، ولا ترتيب شئون المنزل ، وباختصار لا يرى من الحياة إلا اللون " البمبى " ، وإن كنا يئسنا من أولى الأمر، القائمين على الإعلام ، أن يرعوا الله فى المشاهدين فلا ينبغى أن نقنط من رحمة الله فى تعقل المشاهدين والمشاهدات فنبصرهم بخيالية ما يشاهدون ، فليقدروه حق قدره .
3- تؤكد البحوث على أن للأزمات الاقتصادية آثارها على استقرار ، وربما بقاء الأسرة ، وبدورنا لا ننكر ذلك ، ولكن نذكر بأن الصبر مفتاح الفرج ، ومن الخطأ أن يظن الناس أن العسر دائم ، أو أن اليسر لا ينقطع ، ثم إن الإنسان قد يبتلى فى صحته ، وهو لاشك بلاء أشد من عسر الأحوال المالية ، فلنصبر ، ولنقتصد ، ولنغير من بعض عاداتنا ، ففيما روت عائشة رضى الله عنها قالت " كنا نمكث فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى الهلال ثم الهلال ثم الهلال ، ثلاثة أهلة فى شهرين ، وما يوقد فى بيت رسول الله نار . قال عروة – الراوى عنها – وما كان طعامكم ؟ قالت : الأسودان ، التمر والماء ." ومما روى الترمذى بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا ينظر أحدكم إلى من فوقه ولينظر إلى من هو دونه ، فذلك أحرى ألا تزدروا نعمة الله " .
4- وهذه نتيجة بعض الإحصائيات التى أجريت على شريحة لا بأس بها من الأزواج المطلقين :
• سوء المعاملة بين الزوجين 79.4%
• عدم تحمل المسئولية 76.9%
• تناول الخمور 72.9%
• تدخل الأهل 66.2%
• الشك والغيرة 63.8%
• عدم الانفاق على ضروريات الأسرة 48.8%
• الغياب الكثير عن المنزل 48.5%
• عدم التوافق العاطفى47.2%
• تعدد الزوجات 44.1%.
• عدم الإنجاب 39.8% .
• السكن مع الأهل 32.6% .
• فروق فى المستوى التعليمى والاقتصادى والعمرى 16.2%.
• مرض أحد الزوجين 10%

وتغلبا على هذه الأسباب توجد اقتراحات عدة ، بعضها وجد طريقه إلى التشريعات ، ومن أبرز هذه المقترحات بعد ضرورة مراعاة حسن اختيار الطرف الآخر، والحرص على الكفاءة ، لا سيما الاجتماعية ،والسنية – أى تقارب السن - ، ينصح بالآتى :
• الاهتمام بالتوعية والثقافة الأسرية لدى الشباب المقبل على الزواج ، وقد اتخذت كثير من الدول العربية خطوات جادة فى هذا الاتجاه ، فأنشأت مراكز الاستشارات العائلية بهدف تعديل بعض السلوكيات الضارة بالأسرة ، والتدريب على كيفية تكوين علاقات زوجية ناجحة .
• مراعاة الاشتراط القانونى فى سن الزواج ، وعدم العجلة بالزواج مبكرا فقد تبين أن نسبة الطلاق بين الأزواج حديثى السن أعلى منها بالنسبة للناضجين .
• الالتزام بتوقيع الفحص الطبى قبل الزواج ، وعدم التحرج من ذلك .
• التحلى بالعفة واجتناب الفحشاء ، ومن وقع فى شىء منها وستره الله فليحفظ ستر الله عليه، و لا يحدث به .
• الحفاظ على خصوصية المشكلات اليومية ، وعدم التعجل بإخبار الأهل بها ، وعلى الأهل ألا يقحموا أنفسهم إلا عند خوف الشقاق ، وبغرض الإصلاح .
• الاهتمام بإنشاء وتطوير مكاتب التوجيه والإصلاح الأسرى ، أو ما يعرف بمكاتب تسوية المنازعات الأسرية ، قبل عرضها على الجهات القضائية .ومعلوم أنها قائمة الآن فى أكثر دولنا العربية .
• كما ذكرنا فى النفقة فإنه قد تم بحمد الله تعالى إصدار القانون رقم 11/2004 بإنشاء صندوق نظام تأمين الأسرة ‘ هدفه كما جاء فى المادة الأولى من هذا القانون تنفيذ أحكام النفقات ، والصندوق لا يستهدف الربح وتكون له الشخصية الاعتبارية ، ويتبع بنك ناصر الاجتماعى ، وله عدة مصادر تمويلية ، وغرضه حماية الزوجة والأولاد من الآثار الاقتصادية الناجمة عن الطلاق ، ولكننا نطالب بأن يكون دوره أعم من تأمين احتياجات الأسرة عند الخلاف ، وذلك بتوسيع التزاماته لتشمل تأمين الأسرة فى كل حالات العوز تفاديا للطلاق لعدم الإنفاق .
********************
ليس كل ما يصدر كطلاق مشروعا وواقعا

الصفة الشرعية للطلاق :
الأصل العام فى الطلاق عند أكثر أهل العلم الحظر أي المنع , فلا يُباح إلا لضرورة يستحيل معها دوام العشرة بين الزوجين , و إلا أثم كل من سعى إليه , لما روي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ ) أخرجه الإمام أبو داود ، وعَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ ) " أخرجه الإمام الترمذي " وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :( لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ )" أخرجه الإمام مسلم " ولأن الطلاق فيه جحود للنعمة , فإن النكاح نعمة من الله تعالى على عباده لقوله تعالى : " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" سورة الروم رقم الآية (21). وجحود النعم حرام وهو رفع النكاح المسنون وإذا كان الأصل فى الطلاق هو الحظر فإن العقاب على سوء استعماله أخروي لا دنيوي , لأنه لم يثبت سلفاً ولا خلفاً أن عُوقب مُطلق غرماً أو تعزيراً , إذ غالباً لا يُحب المطلق إفشاء أسباب التطليق , فيبقى باعتبار الظاهر فى نظر الآخرين مُتسماً بالتعسف والإجحاف ما لم يغلب على ظنه أن سيتعرض للمسألة القانونية فحينذاك تراه يكشف عن الأسباب والمُبررات التي دفعته إلى هذا , أما بالنظر إلى كل واقعة طلاق بانفرادها , فالطلاق بحسب هذا المحك تعتريه الأحكام التكليفية الخمسة :
فيكون الطلاق واجباً إذا رأى الحكمان المصلحة فى الطلاق عند الشقاق والطلاق على المولي"أي الذي أقسم لا يعاشر زوجته ومضى على هذا أربعون يوماً"بعد التربص إذا أبى الفيئة والطلاق وطالبت المرأة بحقها،ويكون واجباً أيضاً إذا تيقن من انحراف زوجته وعلى هذا الانحراف أصرت ،ويكون الطلاق مندوباً إذا عجز الزوج عن القيام بحقوق الزوجة أو كانت الزوجة لا تبالي بأوامر الله تعالى وأحكامه من صلاة وصيام وغيرهما ولم يجد معها نصح ولا إرشاد ،ويكون الطلاق مُباحاً إذا احتاج إليه لسوء عشرة المرأة والتضرر بها وخاف أن يحمله ذلك على أن يتجاوز حدود الله تعالى في معاملتها ،ويكون الطلاق مكروهاً إذا كانت المرأة مُستقيمة الحال فيُطلقها دون سبب أو ضرورة تقتضي ذلك ،ويكون الطلاق حراماً إذا طلق الرجل زوجته بعد الدخول في حيض بلا عوض منها ولا سؤال الطلاق أو طلقها فى طهر جامعها فيه قبل بيان الحمل أو كان عنده زوجات فقسم لهن ثم طلق واحدة قبل أن يوفيها قسمها أو كان مريضاً مرض الموت فطلق زوجته بقصد الحرمان من الإرث .

الشروط العامة للطلاق
لوقوع الطلاق جملة من الشروط منها ما يتعلق بالزوج ومنه ما يتعلق بالزوجة ومنها ما يتعلق بما يقع به،وبيانه في إيجاز على هذا النحو:
1ـ يشترط في الزوج أن يكون أهلا لإيقاع الطلاق ، وهذا يتحقق بأن يكون بالغا عاقلا مختارا، فلا طلاق لصبي ولا مجنون ولا معتوه ، لأن العقل مناط التكليف ، وكل هؤلاء لا يصلحون أن يخاطبوا بكلام العقلاء ، ولا يقع طلاق المكرَه لأنه فاسد الاختيار متى كان الإكراه ملجئا أي لا يمكن الفكاك منه ،ولأن الطلاق أبغض الحلال إلى الله فلا يباح إلا فى أضيق نطاق , لأن أثاره لا تقتصر على المطلق وحده وإنما تمتد لتشمل المطلقة والأولاد والمجتمع فلا ينبغي أن يتحمل هؤلاء جميعاً وزر معيب الأهلية أو فاسد الاختيار .
2ـ يشترط في المرأة أن تكون محلا للطلاق ، وهذا يتحقق بأن تكون بينها وبين زوجها زوجية قائمة ، فإذا كان العقد فاسدا فلا يقع الطلاق بل يفسخ العقد ؛ لأن الطلاق شرع للزواج الصحيح، ولا يلحق الطلاق المرأة الأجنبية وكذا المعقود عليها عقدا باطلا ـ أي لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه كمن عقد على امرأة هي محرمة عليه للنسب أو للرضاع أو للعدة ـ أو فاسدا ـ أي شرع بأصله دون وصفه كمن عقد على امرأة دون موافقتها ـ فإن الفرقة حينئذ تكون فسخا لا طلاقا ، ولا يقع الطلاق على المطلقة قبل الدخول لأنه لا عدة لها ولا على المبانة بينونة كبرى ولو في العدة ولا على كل معتدة من فرقة هي فسخ كالفرقة بعد الدخول بسبب مانع كالرضاع مثلا.
3ـ يشترط فيما يقع به الطلاق أن يكون بكل لفظ يدل على حل عقدة الزواج إذا صدر من أهله أي من الزوج أو وكيله أو من زوجته إذا كانت مفوضة منه وصادف محلا قابلا لإيقاعه بأي لغة كان ذلك اللفظ سواء كان صريحا أو كناية مقصودا به إيقاع الطلاق.
**************
BAHRAIN LAW
مدير الموقع
مدير الموقع
 
مشاركات: 758
اشترك في: الأربعاء سبتمبر 17, 2008 5:36 pm
الجنس: ذكر

Re: كتاب أجوبة السائلات والسائلين

مشاركة غير مقروءةبواسطة BAHRAIN LAW » الاثنين أكتوبر 06, 2008 10:35 am

استفسارات عن الطلاق الإرادى
وهذه جملة من الأسئلة التقطت من واقع الحياة ، والإجابة عليها . ( ويشرفنا أن ننبه أننا أفدنا كثيرا- فى هذا الباب- من جهد الصديق العزيز الأستاذ الدكتور / مبروك عبد العظيم المصرى . أستاذ الشريعة الإسلامية المساعد بكلية حقوق بنى سويف) .

أسئلة حول أهلية الطلاق :
1- طلاق الصبى .
س : زوجنى أبى زواجا عرفيا من ابن أخيه الذى لم يبلغ بعد ولكنه صبى مميز ، وذلك لظروف خاصة، وفى غضون الحياة الزوجية حدثت مشادة بيننا فقال : أنت طالق، فهل يقع هذا الطلاق منه مع عدم بلوغه؟
ج : هذا الطلاق الذى أوقعه هذا الصبى لا يصح، وهذا ما عليه القانون والقضاء، لأن هذا من باب التصرفات الضارة ضررا محضا وهى لا تصح من الصبي ولا من وليه، ما لم يطلق عليه القاضي لسبب من الأسباب المجيزة للتطليق ، ومن أحكام النقض فى هذا الخصوص حكم النقض فى الطعن رقم 31 لسنة 50 قضائية – أحوال شخصية – بجلسة 8/12/1981 . وفيه " الأصل فى فقه الشريعة الإسلامية أن طلاق الزوج يقع متى كان بالغا عاقلا ، لأن الأهلية تتحقق بالعقل المميز "
2- طلاق المجنون .
س : تقول امرأة : رضيت بالزواج من رجل يعانى من مرضى نفسي يصل به إلى حد الجنون بتقرير ذوى الخبرة، وما بين لحظة وأخرى يقول لي اذهبي فأنت طالق روحي أنت طالق مئات المرات، فماذا أفعل؟
ج : إن قال أهل الخبرة من الأطباء إن هذا المرض يساوى الجنون أو هو جنون فكل هذه الألفاظ لا يقع بها الطلاق وأنت زوجته وعلى ذمته، وهذا ما يجرى به العمل قانونا وعليه القضاء، إذ الزوج في هذه الحالة لا يعرف الحسن من القبيح ولا يقدر العواقب فهو مسلوب الإرادة فاسد الاختيار ليس من أهل التكليف فلا يتعلق بكلامه حكم.، وقد رأينا فى حكم النقض المذكور آنفا أن العقل شرط لوقوع الطلاق .
3- طلاق الغائب عن الوعى بسكر أو غيره .
س : تقول امرأة: لقد أعطى زوجي حقنه مخدرة لإجراء عملية جراحية، وهو فى لحظات التخدير قال : زوجتى طالق، وبعد الإفاقة عاتبته فقال والله ما قلت شيئا ، فهل المعاشرة بيننا معه مشروعة؟
ج : نعم المعاشرة بينكما معه مشروعة، لأن كلام الزوج وتلك الحالة التى كان فيها لا يتعلق لها حكم، فطلاقه لا يقع هنا على ما نص عليه فى المادة الأولى من المرسوم بقانون 25لسنة 1929 ولفظها ( لا يقع طلاق المكره والسكران ) وبه جرى عمل القضاء، ومن ذلك حكم النقض المذكور فى جواب السؤال الأول ، وفيه " الأصل فى فقه الشريعة الإسلامية أن طلاق الزوج يقع متى كان بالغا عاقلا ، لأن الأهلية تتحقق بالعقل المميز ، إلا أن جمهور الفقهاء استثنوا من ذلك طلاق السكران والمكره فذهبوا إلى أن طلاقهما لا يقع لانتفاء القصد الصحيح أو مظنته فى الأول ، وفساد الاختيار لدى الثانى ".
طلاق السكران باختياره .
س : تقول امرأة :إبتليت بزوج يتعاطى موادا مسكرة، وما من ليلة يرجع فيها إلا ويهلوس بكلام ، منه يقول لى : أنت طالق ، فهل إقامتى مع هذه الرجل مشروعة أو غير مشروعة أفيدونى يرحمكم الله؟
ج : سيدتى زوجك فى حالة لا يدرى ما يقول فعقله مطموس وإرادته مسلوبة واختياره فاسد، لا يتعلق بلفظته هذه حكم ، و بالتالى طلاقه لا يقع ، وحياتك معه مشروعة ،وعليك السعى جاهدة لعلاجه لتنتفعى به رجلا مستقيما ناجحا نافعا ، وقد رأيت فى الجواب على السؤال السابق كيف نص القانون ، وقضاء النقض صراحة على بطلان طلاق السكران ، وما قد يفتى به بعض وعاظ المساجد من قول كثير من الفقهاء ( )بوقوع طلاقه ، لعموم الأدلة الواردة فى الطلاق ، ولم تخص بعدم وقوع طلاق السكران ، ولأن السكران مكلف بدليل أنه يعاقب بالحد الشرعى للسكر ، إذ لو كان غير مكلف لما حد بما أتاه ، ولا كان مؤاخذا به ، وفى مؤاخذته دليل على تكليفه ، فإذا ثبت أنه مكلف ، وجب أن يقع طلاقه كالصاحى( ) نقول هذا الكلام مرجوح- يعنى هو الأضعف - لقول الله تعالى " لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون"( ) ومن أخبر الله تعالى أنه لا يدرى ما يقول ، فلا يحل أن يلزم شيئا من الأحكام لا طلاقا ، ولا غيره لأنه غير مخاطب ، إذ ليس من ذوى الألباب .
وقد روى أبى شيبة بسنده عن عثمان بن عفان  قال : " ليس لمجنون ولا لسكران طلاق " ( ) قال ابن المنذر : هذا – الأثر – ثابت عن عثمان ، ولا نعلم أحدا من الصحابة خالفه ، وقال أحمد بن حنبل : حديث عثمان أرفع شئ فى هذا الباب ( ).

4- طلاق الغضبان .
س : زوجى سريع الغضب وفى يوم ما رجع من عمله متوترا، فحدثت مشادة بينى وبينه فقال لى : أنت طالق طالق طالق، فهل طلاقه هنا يقع؟
ج : إن كان الغضب قد بلغ بزوجك مبلغا لا يدرى معه ما يقوله أو يفعله أو وصل به إلى حالة من الهذيان مضطربا فى أقواله وأفعاله لا يقع طلاق، وهذا ما أخذ به القضاء عندنا فى مصر ، سيرا على الراجح فى المذهب الحنفى ، أما إن كان غضبه لم يصل إلى تلك الحالة فإن طلاقه يقع، وفى الواقعة المذكورة – لو لم يكن غضبه قد أخرجه عن عادته - لا تحتسب عليه إلا طلقة واحدة رجعية ،هذا هو المفتى به .
فعلى ما استظهر الإمام ابن عابدين أن طلاق الغضبان لا يقع وإن كان يعلم ما يقول ، متى غلب على كلامه الهذيان واختلط جده بهزله ، وبعبارة أخرى "الذى ينبغى التعويل عليه فى المدهوش ونحوه إناطة الحكم بغلبة الخلل فى أقوال – الشخص – وأفعاله الخارجة عن عادته ، … فما دام فى حال غلبة الخلل فى الأقوال والأفعال لا تعتبر أقواله ، وإن كان يعلمها ويريدها ، لأن هذه المعرفة والإرادة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح ، كما لا تعتبر من الصبى العاقل " ( ) .
وقد أخذت محكمة النقض المصرية ( ) بما استظهر ابن عابدين فقررت أن طلاق الغضبان لا يقع إذا :
أ- بلغ به الغضب مبلغا لا يدرى معه ما يقول أو يفعل .
ب- أو وصل به إلى حالة من الهذيان يغلب عليه فيها الاضطراب فى أقواله أو أفعاله وذلك لافتقاده الإرادة والإدراك الصحيحين .
كما قررت المحكمة أن " تقدير توافر الأدلة على قيام حالة الغضب هذه هو مما يدخل فيما لمحكمة الموضوع من سلطة تقدير الدليل فى الدعوى ، فلا تخضع بصدده لرقابة محكمة النقض طالما كان استخلاصها سائغا ، ولا يوجد معيار طبى أو غير طبى للمدة التى يستغرقها الغضب ، تبعا لتفاوت مداه ومدى التأثر به بالنسبة لكل حالة .
وضابط عدم وقوع الطلاق كما قررته المحكمة هو أنه " لا يكفى لبطلان طلاق الغضبان أن يكون مبعثه الغضب ، بل يشترط أن تصاحب حالة الغضب المؤثرة إيقاع الطلاق حتى تنتج أثرها على إرادة المطلق " .

5- طلاق المخطىء والساهى والغافل .
س : نسمع كلاما متضاربا فى ما يسميه المتحدثون طلاق المخطىء ، والساهى والغافل ، فهل لو أخطأ شخص فقال لزوجته أنت طالق دون أن يقصد طلاقها ، أو كان قد علق طلاقها على فعل شىء ما ثم نسى هذا وطلب منها هو فعله ، فهل يقع طلاق هذين الرجلين ؟
ج : ليعلم الرجال والنساء أن الطلاق شرع للحاجة فلابد من قصد صحيح إليه ،ولعلة باعثة عليه، ولهذا فإن الطلاق فى هذه الحالة لا يقع فى الفتوى ، قال الإمام ابن القيم " هذا – أى القول بعدم الوقوع – هو قول أئمة الفتوى من علماء الإسلام " ولخطورة هذا الحكم نوضحه بشىء من التفصيل .
أما المخطئ : فهو الذى يريد أن يتكلم بغير الطلاق فيسبق على لسانه الطلاق .
والساهى والغافل : هو من غفل قلبه عن الشئ حتى زال عنه فلم يتذكره ( ) .
وإنما لم يقع طلاقهما – عند جمهور العلماء - لأن العبرة فى التصرفات بالمقاصد والمعانى ، لا بالألفاظ والمبانى ، وقد قال الله تعالى " وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم " ( ) وقال النبى  " إنما الأعمال بالنيات ،وإنما لكل امرئ ما نوى " ( ) وقال " إن الله تجاوز عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ( ) .
ويرى الحنفية : أن طلاقهما واقع بحسب الظاهر ، لأن الخطأ والسهو أمر باطنى لا يطلع عليه إلا من جهة صاحبه ، وقد يتخذ ادعاؤه وسيلة إلى إحلال ما حرم الله والى إضاعة الحقوق . ( )
والراجح :
باعتبار الدليل هو مذهب الجمهور ، وهو ما ارتضاه بعض علمائنا المعاصرين ، "لأن الطلاق شرع للحاجة ، فلابد من قصد صحيح إليه ولعلة باعثة عليه " ( ) وبه أخذ القانون الكويتى ، ومشروع قانون الأحوال الشخصية الإماراتى ، ويجرى عليه قضاء الدول التى تعتنق المذهب المالكى ، أو الحنبلى ،أو الشافعى فى التطبيق .
بينما يميل آخرون إلى رأى الحنفية الذى يجرى عليه العمل فى مصر ( ) سداً للذريعة أمام المستهترين الذين يقصدون التلفظ بالطلاق ، ثم إذا أخذوا بذلك قضاء زعموا أنهم لا يقصدون ، وإنما سبق لسانهم إليه ، أما حقيقة الأمر بالنسبة لهم فموكولة إلى الله ديانة .
وفى رأيى أن الأول أرجح :
لأنه أقوى دليلا وأقرب إلى مقاصد الشرع ، والتخوف من المستهترين يمكن قطعه أو تضييق بابه بدقة التحرى عن طبيعة الزوج وعلاقته بزوجه وحسن ملاحظة قرائن الأحوال التى صدر فيها التلفظ بالطلاق.
وفى الواقع العملى فى مصر فإن طلاق المخطىء معتبر قضاء حسب المذهب الحنفى ، وإن كنا ندعوا إلى العدول عن هذا المذهب إلى مذهب الجمهور ، أما طلاق الساهى والغافل فلا يقع ، لأنه عادة ما يأخذ صورة الطلاق المعلق ، وبصريح نص المادة الثانية من القانون 25 لسنة1929 " لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شىء أوتركه لا غير "بمعنى أنه من شرط وقوع الطلاق المعلق أن يكون مقصودا ، وفى حالة السهو والغفلة لا قصد ، فلا يقع الطلاق .
6- طلاق المكره .
س : فى حوار فيلم الزوجة الثانية رأينا وسمعنا أحد الشيوخ يقول للبطلة فى المسجد طلاق المكره لا يقع عند جمهور العلماء ، وحيث حصل مع إحدى قريباتى أن أجبر زوجها على طلاقها فطلقها تحت التهديد فإنى أتساءل عن مدى صحة ما ورد بحوار الفيلم المذكور؟
ج : بداية نقول للسائل ولغيره نرجو الحيطة فى تلقى حوارات الأعمال الأدبية والفنية ، فكثيرا ما تكون مجرد تعبير عن وجهة الكاتب ، أو وجهة يتبناها ، ومن ذلك مثلا حـــــــوار فيلم " آسفة أرفض هذا الطلاق " فإنه لا يعبر عن رأى أحد من فقهاء الإسلام الذين يعتد بأقوالهم ، وصدق انتمائهم ، وإن عبر عن وجهة نظر تتبناها بعض الهيئات الدولية ، وتسعى بعض الأصوات إلى الأخذ بها فى مصر والدول العربية ، وهو ما ترفضه الكثرة من العلماء – كما بينا فى مناقشة الرأى القائل بعدم إيقاع الطلاق إلا عن طريق القضاء فيما سبق – ، بل كثيرا ما تورد الأفلام والمسلسلات على لسان المأذون عبارة " إن أبغض الحلال عند الله الطلاق " على أنها من كلام الله تعالى ، والصواب أنها مما يروى حديثا عن النبى صلى الله عليه وسلم .
ومع هذا فإن حوار فيلم الزوجة الثانية صحيح ، حسب الراجح فى الفقه الإسلامى ، وهو المعمول به فى مصر والدول العربية ، لأن المكره ينغلق عليه رأيه فيفسد اختياره، وبناء عليه فإن طلاقه لا يقع، وتظل الحياة الزوجية بين هذا الرجل وزوجته مستمرة، وهذا ما قررته المادة الأولى من القانون 25/1929م.، وجاء فى المذكرة الإيضاحية تعليقا على أخذ القانون برأى الجمهور ، وترك مذهب الحنفية ما نصه " طلاق المكره لا يقع بناء على مذهب الشافعية والمالكية وأحمد وداود وكثير من الصحابة "
وبحسب المادة العاشرة من قانون تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى الصادر بالقانون (1) لسنة 2000 فإن المحكمة الابتدائية التى يقع فى دائرتها موطن المدعى عليه هى المختصة بنظر دعوى إبطال الطلاق للإكراه ، ولقاضى المحكمة المختصة بالنظر الحق فى تكوين عقيدته على أساس القـــرائن التى يستخلصها من ظروف الحال فى الدعوى ، وما قدم فيها من مستندات ، على ما تقول محكمة النقض فى ذلك .
لأن القضاء فهم ، فالقاضى لا يقف عند ظواهر البينات ، ولا يتقيد بشهادة من تحملوا الشهادة على الحق ، وله أن يعول على القرائن التى يستخلصها من ظروف الحال فى الدعوى ، وما قدم فيها من مستندات ، ولا معقب عليه فى ذلك متى كانت تقريرات الحكم فى هذا الشأن سائغة ، ولها سندها الثابت ( )وبدهى أنه يتعين على من يدعى وقوعه تحت تأثير الإكراه إثبات ما يدعيه ، وإلا وقع طلاقه صحيحا ( ) .
ويكون الشخص مكرها إذا توافرت الشروط التالية .( ).
1- أن يكون المكره قادرا على تنفيذ ما هدد به ، فلو كان غير قادر على التنفيذ فلا عبرة بتهديده .
2- أن يغلب على ظن المكره أن المكره سينفذ ما هدد به ، فإن ظن أنه لايفعل ، أو تساوى فى نظره الأمران فليس مكرها .
3- أن يكون من شأن الأمر المكره به إحداث ضرر على المكره ، حتى يفسد عليه رضاه أو اختياره .
7- التوكيل فى الطلاق والتفويض فيه
س : امرأة تقول جاء إلى أخ زوجى وقال لى : أخى وكلنى فى تطليقك ، إذا أنت طالق، وتأكدت أنا من هذا الكلام فوجدته صحيحا ، فهل وقع الطلاق؟
ج : نعم سيدتى إن كانت هذه الوكالة صحيحة فقد وقع الطلاق بقول هذا الرجل المذكور لك أنت طالق ، لأن من ملك تصرفا يملك أن يقيم غيره فيه مقام نفسه ، ومتى كان الزوج أهلا لإيقاع الطلاق فإنه يملك أن يوكل غيره فيه ، أو أن يفوضه ليوقعه .، وهذا على رأى جمهور العلماء ، ومنهم الحنفية ، وحيث لم يرد فى القانون نص على خلافه فالعمل به لم يزل باقيا ، فمتى كان الوكيل بالغا عاقلا ، وقبل الوكالة صح طلاقه ، ويتقيد بما وكله به الزوج ، وقد جاء فى حاشية ابن عابدين "وفى البحر عن كافي الحاكم لو وكله أن يطلق امرأته فطلقها الوكيل ثلاثا إن نوى الزوج الثلاث وقعن وإلا لم يقع شئ عنده وقالا تقع واحدة " ( ).، مع مراعاة أن القانون 25/1929 نص فى المادة الخامسة منه على أن الطلاق الذى يوقعه الرجل يقع رجعيا ما لم يكن مكملا لثلاث ، أو على مال ، أو قبل الدخول ، وبالتالى فما يملكه الوكيل فى ذلك هو ما يملكه الزوج ، فإن كانت المرأة مدخولا بها ، ولم تكن الطلقة التى يوقعها الوكيل هى الثالثة ، ولا على مال ،خلعا أو افتداء ، فهى واحدة رجعية ، وإن نوى الزوج غير ذلك .
وهل يملك الزوج إلغاء الوكالة وعزل الوكيل قبل أن ينفذ ما وكل به أم لا ؟ خلاف فى المذهب ، جاء فى الحاشية " ومقتضاه – يشير إلى ما فى البحر الرائق عن الخلاصة وغيرها - أنه لا يمكنه عزله لأنه من أنواع الرجوع ،ويخالفه ما في البحر عن الخانية : الصحيح أنه يملك عزله، وفي طريقه أقوال: قال السرخسي يقول عزلتك عن جميع الوكالات فينصرف إلى المعلق والمنجز وقيل يقول عزلتك كما وكلتك وقيل يقول رجعت عن الوكالات المعلقة وعزلتك عن الوكالة المطلقة " ( ). وقد أخذ فى مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد (المادة 80) بما فى الخانية من إمكانية عزله ، وأنه يعزل بمجرد العزل حتى قبل أن يعلم الوكيل بذلك ، وقد جاء فى المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون الموحد " ... وللحد من الطلاق ما أمكن رُئى أن يؤخذ بانتهاء الوكالة بمجرد عزل الوكيل وإن لم يعلم بالعزل طبقا للأصح عند الشافعية ، وهو مروى عن مالك وأحمد " ( )

س : امرأة قالت لزوجها أنا منك مطلقة هل يقع الطلاق؟
ج : لا يقع هذا الطلاق ولا يفرق بين الزوجين، لأن الطلاق بيد الرجل ما لم يفوض الرجل زوجته فى تطليق نفسها.

حكاية العصمة بيد الزوجة
كما قلنا مرارا فإنه يعمل فيما لم يرد فيه نص فى قوانين الأحوال الشخصية بمذهب الحنفية ، ومذهب الحنفية ومعهم جمهور العلماء أن تفويض الرجل زوجته فى تطليق نفسها جائز ، ولكن مسألة التفويض والتوكيل بالتطليق من المسائل التى لفقهاء المذهب الحنفى فيها تقسيم وتفصيل كثير التعقيد ، والغموض ، مما يجعل مطالعتها فى كتب الحنفية شاقة ، وتلتبس – كما تقول المذكرة الإيضاحية لمشروع القانون الموحد – مسائلها على الباحث ، كما يصعب استيعاب تقاسيمها ، وأمثلتها ، وأحكامها .ومنشأ ذلك أنهم يجعلون التفويض تختلف طبيعته وتكييفه باختلاف الألفاظ والصيغ ، كما تختلف تبعا لذلك أحكامه اختلافا كثيرا فى صور جد متشابهة . لهذا قلت الكتابة فى هذا الموضوع .
ويقينا يدرك القراء أن صاحبة العصمة حدوتة كثيرا ما تفكهت بها السينما الضاحكة ، حتى ليظنها كثير من الناس نوعا من الدعابة ، بل إن بعض مقدمات البرامج التلفزيونية حسبن ذلك حقا ، فاعتبرن أنهن سيتجاوزن الخطوط الحمر عندما يناقشن قضية تفويض النساء فى الطلاق ، وحسبهن أن هذا " كلام نواعم " .
وليس الأمر كذلك ، فمن يسر الشرع أنه أباح تمليك المرأة أمر نفسها ، ليكون لها أن تطلق نفسها متى شاءت أسوة بالزوج ، وما روى عن عمر رضى الله عنه أنه كره أن تملك المرأة أمر نفسها إنما ينصرف إلى البائن ، أو التمليك العام ، فإن كان تمليكا خاصا فالأقرب الجواز .
والحق أننى لم أقف على عبارة تفضل عبارة المستشار نصر الجندى فى هذا الموضوع ، لهذا ننقل عنه كلامه فى هذا الخصوص .
يقول سيادته " وتفويض الرجل أمر امرأته إليها يحتمل العموم والخصوص، فإن نوى بذلك أن تطلق نفسها ثلاثا كان ذلك ، وإن نوى واحدة لا تملك أن تطلق نفسها إلا طلقة واحدة .
وقد قضى بأن الطلاق فى الأصل ملك الزوج وحده ، وقد أجيز له تفويض الطلاق إلى زوجته من باب تمليك الغير ما يملكه المملك ، ومن حيث إن كل طلاق يقع من الزوج يكون رجعيا بحكم المادة الخامسة من القانون 25لسنة 1929 إلا ما استثنى بهذه المادة عملا بمذهب الإمام مالك الذى اختاره ولى الأمر للحكم به بين الناس ، وحيث إن الزوج بحكم هذه المادة لا يملك إيقاع الطلاق البائن إلا فى حدود تلك المادة ، وبالتالى لا يملك الزوج تمليك زوجته إيقاع الطلاق على نفسها إلا فى حدود هذه المادة .
وهذا القضـــاء حدد تفويض الزوج الطلاق لزوجته بما يملكه من طلاق طبقا للمادة الخامسة التى نصت علـــى أن " كل طلاق يقع رجعيا إلا المكمل للثلاث ، والطلاق قبل الدخول ، والطلاق على مال ، وما نص على كونه بائنا فى هذا القانون ، والقانون 25لسنة 1920" ومعنى ذلك أن الــزوج يملك أن يفوض إلى زوجته الطلاق الرجعى والطلاق البائن .
غير أن هناك رأيا فى القضاء يخالف هذا الاتجاه إذ قضى بأنه " إذا كان تفويض الطلاق إلى المرأة بعبارة الأمر باليد ملكت بها البائن ، لأنها لاتملك أمرها إلا به، حتى لو أوقعت الرجعى الصريح كان بائنا طبقا لما فوضه الزوج إليها ،- أقول هذه العبارة من الحاشية عن البحر - وتملك بهذه العبارة طلقة بائنة إذا نوى الثلاث ، وعن ابن أبى ليلى أنها تملك الثلاث ، ولا يصدق الرجل قضاء إذا قال نويت واحدة لأنه فوَض إليها بهذا الكلام جنس ما يملكه ، وهو يملك الثلاث "
وأصحاب هذا الرأى يأخذون برأى الأحنــاف الذين يرون أن الزوج مالك أمر زوجته ، وهو إذا ملكها ما هو مملوك له يصح منه هذا التمليك ، ويلزمه غير أنهم اعتدوا بنية الزوج ، فإن نوى بالأمر ثلاثا كان كما نوى ، وقال أصحاب هذا الرأى إن القانون فيما يتعلق بوقوع الطلاق رجعيا أو بائنا خاص بالطلاق الذى يقع من الزوج دون ما توقعه ال